تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أوروبا تتطلع إلى ما بعد الحرب

الخلاف البريطاني الفرنسي كان محوريا في الانشقاق داخل الاتحاد الأوروبي

(Keystone)

أحدثت الحرب على العراق انشقاقا وتجاذبا داخل الاتحاد الأوروبي، وكشفت الحاجة إلى وقفة أوروبية للعودة للقيم المشتركة

ولا يبدو أن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي إلى بروكسل يوم الخميس قد وضعت حدا للخلافات حول مرحلة ما بعد الحرب.

كشفت أزمة العراق العديد من التناقضات والانشقاقات داخل الاتحاد الأوروبي وفيما بين الغالبية من أعضائه من ناحية، والبلدان الشرقية التي ستنضم إليه العام المقبل من ناحية أخرى.

وأضحت الخلافات مفتوحة على الساحة الأوروبية لتلهم المشككين في صدقية مسار الاندماج الأوروبي، وتوحي إليهم بتبخر المشروع السياسي والدفاعي الجماعي.

لكن الخلافات تدفع أيضا أنصار الوحدة الأوروبية إلى معاودة فتح النقاش حول دوافع وأهداف السياسة الخارجية، والدفاع المشترك ومرجعيات العمل المشترك، وتأثير توسيع الاتحاد وزيادة أعضائه على أداء الدبلوماسية المشتركة، وكذلك على العلاقات مع الولايات المتحدة والروابط القائمة مع مناطق الجوار في جنوب شرق حوض البحر الأبيض المتوسط وروسيا.

ورغم تجاهلها الشرعية الدولية ومواقف حلفائها الأوروبيين، تحاول الولايات المتحدة استدراج البلدان الأوروبية للمساهمة في توفير معونات الإغاثة للسكان المدنيين في العراق، وخاصة المشاركة في كلفة إعادة إعمار العراق.

وقد تكون هذه الخطة مدخلا يُمكن وزير الخارجية كولن باول من استئناف الحوار مع شركائه الأوروبيين الذين رفض لقاءهم في مقر الاتحاد، وإنما داخل مقر حلف شمال الأطلسي. وقالت مصادر دبلوماسية، إن اختيار مكان الاجتماع أملته الضرورات الأمنية فقط.

مضاعفات الحرب على العراق

وحمل "الاختبار" العراقي العديد من المفاجآت للاتحاد الأوروبي، الذي انقسم على نفسه بين مجموعة تناصر تمرد الولايات المتحدة على الشرعية الدولية، وأخرى تتمسك بمرجعية مجلس الأمن وخيار مواصلة نشاط المفتشين الدوليين.

وتمثلت أبرز المفاجآت في دبلوماسية المقالات الصحفية التي تعمدها ثمانية قادة أوروبيين من داخل الاتحاد وخارجه، لإعلان تضامنهم مع الولايات المتحدة. وتحولت المفاجأة إلى شعور بعض بلدان الاتحاد بـ "نكران الجميل"، عندما آثرت البلدان الشرقية، التي ستوقع معاهدات العضوية في الاتحاد في منتصف الشهر الجاري في أثنيا، التضامن مع الولايات المتحدة على حساب موقف المحور الألماني الفرنسي البلجيكي، وهو موقف مساند للشرعية الدولية، ويعكس شعور الأغلبية المطلقة من الأوروبيين.

ويتفق المسؤولون بأن محصلة الأزمة العراقية تتلخص على الصعيد الأوروبي في: نسف مصداقية حلف شمال الأطلسي، ومشروع السياسة الخارجية الأوروبية، والدفاع المشترك للاتحاد، وتعميق الهوة بين المحور الألماني الفرنسي البلجيكي من جهة، والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة أخرى.

واتسعت أزمة الثقة حتى بلغت مستوى "التشهير" فيما بين الشركاء، حيث استهدفت الأوساط الأمريكية والبريطانية فرنسا وصوّرتها وسائل الإعلام الانغلوسكسونية على أنها "البلد الخائن"، وطالبت بمقاطعة المنتجات الفرنسية. واتهم وزير الخارجية البريطاني جاك سترو فرنسا بشكل صريح وحملها مسؤولية الانشقاق داخل مجلس الأمن قبل اندلاع الحرب.

توازنات أوروبية مختلفة بعد الحرب

ويختلف واقع الأمر تماما عما ردده وزير الخارجية البريطاني أو وسائل الإعلام المثيرة، لأن الموقف الفرنسي داخل مجلس الأمن عكس رأي البلدين الآخرين دائمي العضوية في مجلس الأمن (الصين وروسيا) وغالبية البلدان الأخرى الأعضاء غير الدائمين في المجلس. وعلى الصعيد الأوروبي، فإن الموقف الفرنسي ـ الألماني لم يكن معزولا داخل الاتحاد، حيث كان مسنودا من قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي المناهض للحرب.

ويعتقد الممثل الأعلى للاتحاد خافيير سولانا في أن الاتحاد "سيستفيد من أزمة الانقسامات، ويجد في المستقبل قواسم مشتركة". ومن دون انتظار نهاية الحرب، بادرت بلجيكا إلى دعوة كل من ألمانيا وفرنسا إلى الاجتماع على مستوى القمة في نهاية الشهر الجاري في بروكسل لبحث إمكانات تعزيز قدرات "الفيلق الأوروبي" حتى يكون نواة قوة عسكرية أوروبية.

وأكد رئيس الوزراء البلجيكي غي فورهوفشتات أن المبادرة مفتوحة أمام كافة البلدان الأوروبية. إلا أن الأزمة لم تنتهي بعـد إفرازاتها، وقد تؤسس لدعوات تعزيز نظرية الدوائر والتعاون بين مجموعات من البلدان الأعضاء داخل الاتحاد ككل في مجالات السياسة الخارجية والدفاع، وذلك من دون الحاجة إلى إجماع كافة البلدان الأعضاء. وقد تكون نظرية التعاون المُوسّـع التي تضمنتها معاهدة امستردام في 1997 الصيغة المناسبة التي ستمكن ألمانيا وفرنسا والبلدان التي كانت أسست الاتحاد، من انتهاج بعض السياسيات المشتركة دون حاجة للاعتماد على الأعضاء الجدد في وسط وشرق أوروبا.

وكانت هذه البلدان قد أعلنت تضامنها مع الولايات المتحدة في الحرب على العراق، وذلك بمثابة دليل اعترافها بجميل ضمها لعضوية حلف شمال الأطلسي. وقد أثار الموقف امتعاض فرنسا التي رأت في سلوك البلدان الشرقية جحودا في تقدير الجهود السياسية والاقتصادية التي بذلها الاتحاد على مدى الأعوام لإنمائها وإدماجها ضمن "العائلة الأوروبية".

ورغم محاولات التهدئة والتصريحات الدبلوماسية المطمئنة، فإن مضاعفات أزمة الثقة والانكسارات التي تشق صفوف البلدان الأوروبية فيما بينها ومع الولايات المتحدة زادت حدّة، حيث دعت بعض أوساط المحافظين في الولايات المتحدة إلى معاقبة ألمانيا عبر نقل القواعد الأمريكية نحو بولندا والبلدان الشرقية الأخرى التي تضامنت مع واشنطن في حربها على العراق.

إلا أن عواقب الأزمة قد تكون مفيدة بالنسبة لمشروع السياسة الخارجية الأوروبية، والدفاع المشترك، ومعاودة تأسيسها استنادا إلى قيم مشتركة ثابتة قبل الانتقال إلى مراحل أخرى في مسار الاندماج السياسي.

نور الدين الفريضي - بروكسل


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×