Navigation

أوكرانيا.. الشرق أوسطية!

عمال منجميون مؤيدون لرئيس الوزراء الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش يعبرون عن تأييدهم له اثناء إلقاءه لخطاب أمام محطة القطار الرئيسية في العاصمة كييف يوم 26 نوفمبر 2004 Keystone

رغم مشاغلهم العديدة وقضاياهم المزمنة، يتابع سكان "الشرق الأوسط الكبير" باهتمام بالغ تطورات الموقف السياسي في أوكرانيا..

هذا المحتوى تم نشره يوم 30 نوفمبر 2004 - 10:14 يوليو,

وفي ظل الإهتمام الأوروبي والأمريكي الشديد بما يحدث يوميا في كييف، يتساءل العديد من العرب والمسلمين: متى يأتي الدور علينا؟

للوهلة الأولى، التبس الأمر على المراقبين العرب .. ظنوا أنهم في بلد شرق أوسطي ما وهم يشاهدون ما يجري في أوكرانيا، لا بل اعتقدوا أن أوكرانيا انضمّـت فجأة إلى الشرق الأوسط الكبير بدون أن يدرون.

ولم يكن هذا الالتباس حصيلة قِـصَـر بصًـر أو عمى بصيرة، بل نتج عن تشابُـه كبير بالفعل بين الدراما الأوكرانية والمأساة العربية – الإسلامية، وهذا على مستويين:

الأول، طبيعة الانقسامات الداخلية المستغلة خارجياً.
والثاني، طبيعة المعايير المُـزدوجة التي يستخدمها الغرب مع الديمقراطية، حيث قيمة الحرية وحقوق الإنسان، تسخّـر لخدمة قِـيم المصالح والحسابات الجيو- سياسية.

قـسـّـموا.. قـسـّمـوا

على المستوى الأول، كان الجميع يعرف قبل الانتخابات الأخيرة أن أوكرانيا مُـنشطرة إلى شطرين: قسمها الشرقي يدين بالولاء إلى "روسيا الأم" والكنيسة الأرثوذكسية واللغة الروسية، وقسمها الغربي والأوسط، يميل إلى القومية واللغة الأوكرانيتين، ومعهما الكنيسة الكاثوليكية.

ومع ذلك، عمل الجميع على تعميق هذا الانشطار بدل تضييقه، خدمة لمصالح خارجية بَـحتة: روسيا، للدفاع عن نفسها ضد الاندفاعية الغربية الجديدة نحو قلبها (الروس يعتبرون أوكرانيا قلب الجسد القومي الروسي)، والغرب، لاستخدام الانفجار الداخلي الأوكراني المُـحتمل، كنمودج لتفجير داخلي روسي لاحق.

وكما في أوكرانيا، كذلك الأمر في الشرق الأوسط. فطيلة السنوات الثلاث الماضية، كان الغرب (الأمريكي خاصة) يُـطلق الشعارات الديمقراطية في السماء، ويمارس سياسات تقسيمية واضحة على الأرض: في أفغانستان، التي تكرّس تفتيتها "قانونياً وديمقراطياً" إلى قطاعات يحكمها أمراء الحرب، وفي العراق، الذي يُـوشك أن يلحق بأفغانستان طائفياً ومذهبياً وعرقياً، وفي السودان، المرشّـح الآن إلى التحّول إلى ثلاث أو أربع دول، وفي لبنان وسوريا، اللتين تحوم فوقهما حالياً أشباح التّـفتيت نفسها، التي أعملت مباضعها فيهما في مطلع القرن العشرين .. الخ.

ازدواجية المعايير

هذا على استغلال الانقسامات. أما على صعيد المعايير المزدوجة، فالصورة تبدو أكثر وضوحاً بكثير.

الغرب الأوروبي، الذي يزعم أن اتحاده برمّـته يستند إلى القيم الديمقراطية والإنسانية، لم يُـرد، لا إغضاب روسيا في أوكرانيا لأسباب نفطية واقتصادية وتجارية، ولا ضم هذه الدولة الكبيرة والفقيرة إليه لما سيُـرتّـبه ذلك من تكاليف مالية باهظة، وترك لجناحه الشرقي (أي بولندا وتشيكيا والمجر) مجد التغنّـي اللفظي بالديمقراطية والغناء لحقوق الإنسان.

والغرب الأمريكي، السعيد للغاية بخدمات روسيا له في إيران والحرب على الإرهاب، ناهيك بسماحها له بالتغلغل في آسيا الوسطى، وبالغرف بلا حدود من النفط الروسي والقوقازي والقزويني، كان حريصاً للغاية على التمييز بين إدانته لتزوير الدولة الأوكرانية للانتخابات، وبين تشجيع الدولة الروسية لهذا التزوير.

وهكذا، كان كولن باول يُـدين بشراسة الحكومة الأوكرانية ويُـهدّدها بـ "أوخم العواقب"، ويتجنّـب بنعومة حريرية أيّ إشارة إلى الحكومة الروسية، وهذا ما جعل أمريكا تُـصيب عصفورين كبيرين بحجر واحد صغير: الحفاظ على "العلاقات المميزة" مع روسيا "البوتينية"، وإبقاء أوكرانيا لغماً معدّاً للانفجار في كل حين تُـقرّر هي تفجير روسيا لمنعها من التحوّل (مجدداً) إلى قوة عالمية منافسة لها.

تكرّرت هذه الدراما الديمقراطية بحذافيرها في الشرق الأوسط الكبير. فعلى مرمى حجر من أوكرانيا، كانت الولايات المتحدة ترتكب الموبقات الإستراتيجية الآتية:

- توطيد أواصر "التحالف" مع ديكتاتور تركمانستان، ورئيسها إلى الأبد، سابار مراد ميازوف، الذي كرّس عبادة شخصيته في البلاد، ناسباً جذور سُـلطته إلى "الأنبياء العبرانيين"..

- الدعم الكامل في أوزبكستان لإسلام كريموف وابنه، الذي تُـصنفه هيئات حقوق الإنسان الدولية بأنه من أشرس الديكتاتوريين وأقساهم. فهو يَـسجِـن عشرات الآلاف دون محاكمة، ويدمّـر اقتصاد البلاد بلا حساب، ويَـسرق كل المعونات الدولية التي تصل إلى أوزبكستان. وتبرز أوزبكستان الآن على شاشات التلفزة الأمريكية بوصفها الحليف الأكبر للولايات المتحدة في آسيا الوسطى، بعد أن قبلت أن تكون أراضيها مِـنصّـة انطلاق للعمليات العسكرية ضد أفغانستان.

- وجمهورية طاجيكستان، التي تحكمها هي الأخرى نُـخبة عنيفة في استبدادها، تكاد تكون حاليا أقرب إلى قلب واشنطن، حتى من عشيقتها البريطانية.

من وسط آسيا إلى شمال إفريقيا

ففي المغرب العربي، امتدح باول الحكومات المغاربية لدى زيارته الأخيرة إلى المنطقة، ورفض أن يعلّـق في الرباط على تقارير بخصوص انتهاك المغرب حقوق الإنسان. كما أشاد بالصداقة مع تونس، رغم تدهور أوضاع الحريات فيها، وأشاد بالتعاون "النموذجي" بين الجزائر والولايات المتحدة، رغم الانتهاكات اليومية تقريباً لحقوق الإنسان في هذه الأخيرة.

وبالطبع، يجب ألا ننسى ليبيا، التي تحوّلت بين ليلة وضُـحاها إلى الطفل المدلّـل للغرب بعد أن كانت العضو الأبرز في "محاور الشر" المعادية له، برغم أنها لم تقترب قيد أنملة من معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان.

كما لا يجب أن ننسى فلسطين والعراق، اللتين يُـطلب منهما الآن تطبيق "ديمقراطية تحت الاحتلال" لن تؤدّي سوى إلى محصلة وحيدة: قبول شروط الاستسلام الإسرائيلية في فلسطين، وشروط سلام الاحتلال الأمريكي في العراق.

معركة واحدة

ماذا تعني كل هذه التطورات في أوكرانيا والشرق الأوسط الكبير؟

إنها تعني أمرا واحدا: معركة الديمقراطية في ما تبقّـى من العالم، لن تكون نزهة سهلة أو ثورة ورود وقرنفل، كالتي حدثت في أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين، وهي بالنسبة للشعوب العربية والإسلامية، ستكون أشبه بالسِّـباحة في بُـحيرة تَـعُـجُّ بالألغام الإسرائيلية وبقنابل المصالح النفطية والإستراتيجية الغربية الموقوتة.

لكن، وبرغم أن مثل هذه السِّـباحة خطرة بما فيه الكفاية، إلا أنها لن تكون مستحيلة، خاصة إذا ما تذكّـرنا أنه داخل الغرب نفسه، تجري الآن (وستجري أكثر) مُـواجهات ساخنة بين الديمقراطية وبين الرأسمالية النيو- ليبرالية المنفلتة من عقالها.

والاقتباسات الراهنة بين القيم والمصالح في أوكرانيا والشرق الأوسط الكبير، لن تفعل شيئاً على الأرجُـح، سوى رفع درجة سخونة هذه المواجهات الساخنة.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.