تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أي دور مستقبلي للعرب السنة في العراق ؟

نقطة تفتيش أقامتها القوات الأمريكية على مشارف بغداد صبيحة يوم الإثنين 8 ديسمبر 2003

(Keystone)

تشير بعض المؤشرات إلى احتمال بروز تشكل جديد لمتغيرات المعادلة السياسية في العراق على أسس مزيد من الاستقرار والتوازن بعد اشهر من التشويش وانعدام الرؤية.

فبعد ان تم طيلة الفترة الماضية، على نحو مقصود أو بغير قصد، تغييب تيار سني يُوصف بـ "المتنور والمؤهل" في المعادلة السياسية العراقية، تتجه الأمور إلى مشاركته مجددا.

لم يكن مفاجئا لعدد من المراقبين في بغداد اللهجة المطمئنة التي اعتمدها الحاكم المدني الامريكي في العراق بول بريمر للرد على المطالب الأخيرة بتشكيل ميليشيات كردية وشيعية للمحافظة على الأمن في البلاد.

فقد أكد يوم السبت الماضي علي انه لن يكون هناك مكان لميليشيات الاحزاب في العراق، وقال: "الميليشيات في تعريفنا ليست منظمات وطنية ووجود الميليشيات بكل بساطة لا يتماشي مع عملية اعادة بناء عراق مستقل له جيشه وشرطته".


من جانبهم حذر سنة العراق، الذين كانت بيدهم السلطة في عهد النظام العراقي السابق، من مخاطر تشكيل ميليشيات كردية وشيعية للمساعدة علي حفظ الامن علي اعتبار ان اعتماد هذه الميليشيات يستبعد فئة ويحمل بالتالي مخاطر حرب اهلية. واكدت هيئة علماء المسلمين، التي انشئت بعد سقوط النظام العراقي السابق، في بيان تلقته وكالة الصحافة الفرنسية يوم الاحد 7 ديسمبر أن اساليب الميليشيات تذكرنا بلبنان وما حل به، ومحاولة نقل اللبننة الي العراق اسلوب بائس ورهان خاسر في اشارة الي الحرب الاهلية التي قادتها الميليشيات في لبنان (1975-1990).

واعتبرت هذه الهيئة السنية - التي تحظى باحترام واسع في صفوف العرب السنة العراقيين - ان هذا الحل لمواجهة الوضع الامني المتردي يعني تجاهل فئة كبيرة من المسلمين او دفعهم جميعا ليكونوا في الصف المعادي كما يصفه الاحتلال وله محاذيره .

في هذا السياق، يرى مراقبون لما يجري في العراق حاليا ان مشاركة ما يصطلح على تسميته بالتيار السني العربي المتنور في رسم مستقبل العراق قد يحقق قدرا ضروريا من التوافق في المجتمع العراقي بما يساهم في إعادة التوازن الغائب إليه.

اتصالات ووعود

وقد أضحت هذه الحقيقة التي غابت عن بال مخططي السياسة الأمريكية في عراق ما بعد الحرب واضحة بشكل لا يقبل كثير جدال بعد ان اختل التوازن في العملية السياسية خلال المرحلة الماضية على نحو خطير قد تنجم عنه نتائج غير محسوبة سلفا.

وقد أبلغت بعض المصادر مراسل "سويس انفو" في بغداد في الآونة الأخيرة أن السفير بول بريمر التقى مؤخرا محافظ صلاح الدين حسين جاسم الجبوري ورئيس حزب الوطن مشعان ركاض الضامن الجبوري الذي ينشط حزبه في محافظات صلاح الدين والتأميم والموصل العراقية لبحث الأوضاع الأمنية والتصورات السياسية للمرحلة المقبلة وموضوع تحضيرات نقل السلطة إلى العراقيين في ضوء الاتفاق المبرم أخيرا بين رئيس مجلس الحكم الانتقالي العراقي جلال الطالباني ورئيس الإدارة الأمريكية في العراق.

وطبقا لما أوردته هذه المصادر، أكد المسؤول الأمريكي في ذلك الاجتماع ان التمثيل السني في حكم العراق خلال المرحلة المقبلة سيكون مهما ويتناسب مع أهمية ودور العرب السنة الذين يشكلون جزءا مهما من سكان العراق وتاريخه.

وتقول المصادر ذاتها ان محافظ صلاح الدين أوضح لبريمر ان تشكيلة مجلس الحكم الانتقالي العراقي لم تأخذ بنظر الاعتبار مسألة تمثيل المحافظات العربية السنية الأربعة الكبرى وهي الرمادي وصلاح الدين والموصل وديالى مما أدى إلى تهميش دور العرب السنة وهو الذي أدى إلى تزايد الهجمات على القوات الأمريكية في هذه المناطق بسبب شعور المواطنين هناك بأنهم عوقبوا على جرائم لم يرتكبوها.

كما تؤكد هذه المصادر ان الشخصيتين العراقيتين اللتين التقاهما بريمر أوضحتا له ان مجلس الحكم الانتقالي العراقي يمثل الجناح الشيعي الإيراني في العراق بشكل صارخ، وهو أمر مرفوض تماما لعدة اعتبارات.

صيغ جديدة للمشاركة؟

واستنادا إلى معلومات متطابقة تم الحصول عليها من مصادر مختلفة بعضها قريب من الحاكم الأمريكي للعراق السفير بول بريمر فإن الإدارة الأمريكية اعترفت لأول مرة بأن العرب السنة في العراق مستبعدون من الحكم ومن المشاركة السياسية على نحو مقصود وواضح، وهم تبعا لذلك لم يحصلوا على نصيبهم الحقيقي في العملية السياسية الجارية في العراق حاليا.

ويبدو ان هذا الإقرار هو الذي دفع الإدارة الأمريكية ومن خلال قائد المنطقة الوسطى في القيادة العسكرية لزيارة شمال وغرب العراق وبالتحديد مدن الفلوجة والرمادي وتكريت والموصل ذات الأغلبية العربية السنية . والتقى أبي زيد خلال هذه الزيارة بزعماء العشائر العراقية والزعماء الدينيين في هذه المناطق وبحث معهم سبل استقرار البلاد وضمان مشاركة أبناء السنة في العملية السياسية الجارية في العراق حاليا.

وحسب المصادر ذاتها فإن قائد القوات الأمريكية سمع ممن التقاهم في هذه المدن والأرياف القريبة منها عتبا شديدا وتذمرا كبيرا إزاء الموقف الأمريكي الذي انساق وراء معلومات غير صحيحة حول العرب السنة مما أدى – تاليا - إلى إبعادهم عن المشاركة الفاعلة في العملية السياسية ورسم مستقبل البلاد المرتقب . وقد استمع جون أبي زيد إلى محاوريه ووعد بنقل مطالبهم إلى رئيسه في واشنطن، وهو ما يبدو أنه قد حصل فعلا.

وتشير تسريبات تم الحصول عليها إلى ان القائد العسكري الأمريكي اعترف بأن السنة لم يأخذوا دورهم الحقيقي وقد استبعدوا من المشاركة السياسية، وانه أضاف ان المرحلة المقبلة ستشهد صيغا جديدة من التعامل لتحقيق هذا الوعد من خلال إيجاد وسائل لعودة المسلمين السنة المهمَّشين منذ سقوط نظام حكم صدام حسين للمشاركة في العملية السياسية الجديدة.

وما يؤكد صحة هذه التسريبات الاتصالات واللقاءات المكثفة التي تجريها حاليا أطراف عديدة من العرب السنة سواء كانت أحزابا أو قوى أو منظمات أو شخصيات وطنية وأطر دينية مع أطراف فاعلة في مجلس الحكم أو مع الحاكم الأمريكي بول بريمر شخصيا.

واستنادا إلى معلومات متداولة في العاصمة العراقية يبدو أن ممثلين للتيار السني العربي حذروا من مغبة استبعادهم من رسم مستقبل العراق السياسي، على اعتبار ان ذلك – إذا ما حدث – سيؤثر سلبا على مستقبل العراق ويعرضه لأخطار كبيرة تهدده في الصميم .

عصفورين بحجر واحد!

وقد تم وضع خلاصة مكثفة عن هذه التصورات التي اتفقت عليها كل أطياف التيار العربي السني في العراق الحزبية منها والدينية والعشائرية أمام أنظار السفير بريمر، وتشير المعلومات إلى ان الأخير وعد بأن يكون لأبناء هذا التيار دورا مهما يتناسب وأهميتهم في العراق والذي قال انهم يشكلون جزءا مهما من سكانه وتاريخه عبر الزمن.

وإذا كانت قواعد العملية السياسية في العراق بدأت تأخذ مسارات جديدة وأنها في طريقها للتشكل من جديد في إطار التغييرات المرتقبة في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي العراقي العام القادم، فإن ما يُسمى بالتيار الوسطي التنويري الذي تمثله نخب عراقية تنتمي أساسا إلى التيار السني العربي (لأسباب عديدة ليس مجال شرحهاالآن) ومؤهلة بشكل أو بآخر لقيادة البلاد قد يكون الورقة الجديدة التي تبحث عنها واشنطن.

وهي ورقة تعطيها الإدارة الأمريكية أهمية قصوى في المرحلة الحالية خاصة بعد النتائج الكارثية التي آلت إليها تجربة الأشهر الأربعة الأولى من مسيرة مجلس الحكم الذي شُكِّل على أسس طائفية وعرقية أثارت حفيظة قطاعات واسعة من المجتمع العراقي، واعتبرته خطوة خطيرة إلى الوراء تحسب نتائجها على قوات الاحتلال التي لم تراع الموضوعية والدقة في اختيار أعضاء المجلس الخمسة والعشرين.

وفي هذا السياق يتوقف المراقبون عند تصريحات مساعد وزير الخارجية الأمريكي ريتشارد ارميتاج في زيارته التي قام بها إلى العراق أخيرا كمحاولة للاطلاع ميدانيا على حقيقة ما يجري في هذا البلد والتي أكد فيها على ضرورة رفع الغبن عن العرب السنة وإعطائهم الدور الذي يتناسب مع مكانتهم وحجمهم. وهو ما قد يؤشر على أن واشنطن تهدف إلى إعادة زج العرب السنة مرة أخرى في العملية السياسية الاقتصادية، من خلال إيجاد وسائل واضحة تضمن تلك العودة الطبيعية لهم في المجتمع.

ويبدو ان هذا الموقف الأمريكي الذي عبر عنه عدد من أركان الحرب والديبلوماسية يؤسس لمرحلة جديدة من تعاطي صناع القرار في البيت الأبيض مع حقائق التاريخ والجغرافيا والميدان التي فرضتها تجربة الأشهر الأربعة الماضية، وخصوصا ضرورة إشراك عنصر أساسي في المعادلة السياسية العراقية وهو التيار السني المتنور وتجنب إغفال حقيقة مكانته وحجم تأثيره في رسم مستقبل العراق الجديد.

ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى ضرب عصفورين بحجر واحد كما يقال. فهي تريد – من جهة - استمالة العرب السنة إليها من خلال إعطائهم دورا اكبر في الحكم أو في اقل تقدير تحييد قطاعات كبيرة من العراقيين المنتمين لهذا التيار لتطويق المقاومة العراقية والحد من الخسائر المتزايدة التي تتكبدها في ما بات يعرف بالمثلث السني، كما انها تسعى في ذات الوقت إلى ضرب التيار الشيعي المتشدد الذي يحلم بإقامة دولة دينية على غرار ما هو موجود في إيران، وهو أمر مرفوض من جانب واشنطن وحلفائها في المنطقة جملة وتفصيلا.

عودة التيار العروبي؟؟

وعلى أساس هذا الفهم المقترن بالاعتراف بدور السنة العرب في أي ترتيبات مستقبلية، يرى عدد من المراقبين أن التيار القومي العروبي الذي يضم في عضويته حزمة من ألوان الطيف السياسي العراقي ليس ببعيد عن الدور المرتقب للسنة العرب.

فهذا التيار الذي نشأ تاريخيا في مناطق سكانية ذات أغلبية سنية واضحة داخل بغداد تحديدا وفي المدن السنية العربية الكبرى والذي يمتلك نخبا وشخصيات وكفاءات فكرية وثقافية واقتصادية مهمة قادر على ان يختط لنفسه طريقا في الخضم العراقي الجديد بعد طول انتظار وانتقال الشعور بالتهميش المقصود إليه هو الآخر.

وإزاء ملامح هذه الصورة الجديدة لاتجاهات المعادلة السياسية العراقية فإن الإدارة الأمريكية واستنادا إلى مؤشرات متعددة أعطت الضوء الأخضر لممثلها السفير بول بريمر لإيجاد وسيلة جديدة لإشراك حقيقي للسنة العرب ونخبهم السياسية والفكرية والعسكرية في الحياة السياسية العراقية وبما يعزز التوافق بين أطراف الشعب العراقي.

وما يعزز هذا الاعتقاد والمنحى الأمريكي الجديد تجاه تغيير قواعد المعادلة السياسية العراقية توصية صدرت مؤخرا عن مركز أبحاث أمريكي مقرب من إدارة الرئيس بوش ومن المُجمّع النفطي في تكساس بأن العراق بحاجة إلى شخصية قوية تديره، وان "الحكم في هذا البلد يجب ان يكون للغالبية المؤهلة – وهم السنة العرب – وليس للشيعة الأكثر عددا والأقل كفاءة وقدرة" بحسب المركز الأمريكي.

وفيما تبدو هذه التوصية متوافقة إلى حد كبير مع رغبات إدارة الرئيس جورج بوش التي تشعر يوما بعد يوم بالحاجة إلى شخصية قوية للخروج من الفوضى الحالية يخشى البعض من احتمالات العودة - من باب مُكره أخاك لا بطل - إلى آليات قد تتشابه إلى حد كبير مع الآليات التي كان نظام الرئيس صدام حسين يتعامل من خلالها في تسيير وضبط دفة الحكم في العراق.

مصطفى كامل - بغداد


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×