Navigation

Skiplink navigation

أي عــراق في 2004؟

جنود أمريكيون أثناء قيامهم بدورية في مدينة الفلوجة (تبعد 65 كم عن بغداد) في اليوم الأخير من عام 2003 Keystone

كيف يبدو العام الجديد في نظر العراقيين؟ وما هي آمالهم؟ وما هي أقصى أمانيهم وهم يستقبلون أول أوراق العام الجديد بعد أن تساقطت آخر أوراق عام 2003؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 يناير 2004 - 13:29 يوليو,

وما هي المهمات الرئيسية التي ينبغي للعراقيين التصدي لها في العام الجديد؟ أسئلة يحاول مراسلنا في بغداد العثور عن بعض الإجابات لها.

تبدو هذه الأسئلة ضرورية للغاية في استعراض واقع العراقيين في ظل تبدل الأنظمة والسياسات، وتبدل الوجوه والصور، وفوق هذا وذاك، التبدل الحاصل في المفاهيم والقيم.

ربما تبدو الصورة بشأن المستقبل شديدة الغموض حتى الآن، بما يجعل من الإجابة على مثل هذه التساؤلات محض توقعات تقترب إلى حد كبير من الضرب العشوائي، وهي حتما غير واضحة إلى درجة كبيرة. لكن كل ذلك لا يعني عدم الاقتراب من مدار الإجابة والتصدي لهذا الموضوع.

ما الذي تحقق؟

قبل الإجابة هذه التساؤلات، يتحتّـم أولا الإجابة على تساؤل أساسي: ما الذي تحقّـق في العراق خلال أشهر العام المنقضي؟

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن الذي تحقق في العام الماضي كان كبيرا جدا، وخارج مدى تصور البعض أو تصديقهم. فقد تم إسقاط النظام السياسي القائم، وجرى احتلال العراق بشكل كلي، وبدأ التأسيس لملامح نظام جديد يسعى المخططون الاستراتيجيون الأمريكيون إلى أن يسود في المرحلة المقبلة على صعيد المنطقة والعالم.

فقد بات واضحا بسقوط نظام حكم صدام حسين أنه لم يعد مسموحا لنظام أو مؤسسة أن تنفرد بعيدا عن النغمة السائدة في العالم، بحيث تبدو ملامحها مختلفة عن الصورة التي تسعى واشنطن إلى تشكيل العالم بها.

كما بات مفهوما أن القطار القادم لن يقف في محطة ما بانتظار مزيد من الركاب، بل أن على الركاب أن يلحقوا بهذا القطار، حتى وإن كلَّـفهم ذلك مزيدا من التضحيات والخسائر.

ربما يبدو حلم إسقاط نظام الحكم العراقي السابق غير مستساغ لدى البعض، لكنه بالتأكيد يبدو برّاقا لكثيرين، إذ بات الوضع العراقي غير مفهوم لديهم وغير قابل للتطور والاستجابة لمتطلبات ومفاهيم النظام الجديد، وهي حقيقة لا ينبغي القفز عليها أو التعامل معها بتجاهل مقصود أو غير مقصود.

وقد تحقق لكل الفئات السياسية العراقية، سواء منها التي رفضت الهجرة القسرية في العهد السابق، أو تلك التي آثرت العمل من خارج الحدود، تحقق لها وضع جديد فيه قدر كبير من الانفتاح والصّـلة بالجماهير وملامسة احتياجاتهم على نحو مباشر، كانت الأوضاع السائدة في المراحل السابقة تحول تماما دونهم ودونه.

"الحرية المتوحشة"

لكن لا يمكن القول أن ذلك كان إيجابيا بشكل مُـطلَـق. فقد اكتشف العراقيون وغيرهم أيضا، أن قطاعا كبيرا من هذه القوى والتيارات يجد صعوبة كبيرة في إدراك مفردات واقع غابوا أو غُـيّبـوا عنه عشرات السنين، وهم تبعا لذلك، ليسوا قادرين تماما على التعامل مع تلك المفردات بشكل سلس، فضلا عن عمق التداخلات والتقاطعات الكثيرة الحاصلة في المجتمع العراقي الآن، والمصالح والمشاريع التي تتقاطع كثيرا أو قليلا وتسعى لتنفيذها دول وجماعات خارجية في الجوار القريب أو في المحيط الأبعد.

هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد كانت الآلة العسكرية الأمريكية من القوة والقسوة، بحيث أنها تمكّـنت من اقتلاع صورة نظام، لكنها لم تتمكّـن من اقتلاع جذوره ورواسبه وتأثيراته وامتداداته. كما أنها لم تتمكن برغم وسائل الترغيب والترهيب التي استخدمتها من منع تسلل الأفكار والأفراد من خارج الحدود، بل إنها لم تتمكن حتى من مجرد الحد منها.

فقد بات العراق اليوم ساحة للحرب ضد الإرهاب، وبات في جو مشحون بالتطرف والفوضى، ذلك أن إلغاء الدولة العراقية بكل مظاهرها جرَّ على البلاد والمنطقة من الويلات الكثير.

صحيح أن العراقيين تمكّـنوا، ربما لأول مرة في حياتهم، من العيش في ظل هذا الجو الطافح بالفوضى إلى الحد الذي جعل الكاتب البيروفي الشهير "ماريو فارغاس يوسا"، يصفه بالحرية المتوحشة، وهي حرية خرقاء غير مسؤولة ألغت كل مظاهر الحياة والتطور، وهو إنجاز يسجل لهم ولا يحسب عليهم.

لكن العراقيين الذين يعانون من ذلك، عاشوا للمرة الأولى منذ عقود هذا الجو الذي يتمتّـع فيه الجميع، مع استثناءات لا تخفى، بقدر كبير من الانفتاح والقدرة على التعبير، سواء منهم الذين يعبرون بالفكرة والقلم والخطاب السياسي، أو أولئك الذين اتجهوا للتعبير بالشحنات الناسفة والألغام المزروعة والقذائف الصاروخية.

مهمات ومخاطــر..

تنتظر العراقيين في عامهم الجديد مهمّـات صعبة وبالغة الأهمية. فالمنعطف الذي يمرون فيه من الخطورة والحساسية بمكان يجعل من كل صوت غير صوت العقل والحكمة وتغليب المصلحة الوطنية محض هراء وأوهام.

ويمكن القول أن المهمات الأساسية التي تنتظر العراقيين ثلاث. تتعلق الأولى بموضوع الوحدة الوطنية وترصينها، فيما تتركز الثانية على موضوع كتابة الدستور، أما الثالثة، فهي متصلة بموضوع استلام السلطة المقرر في موفى يونيو القادم.

وبقدر تعلّـق الأمر بالمهمة الأولى، يسود شبه اقتناع بأن تكون قضية الحفاظ على الوحدة الوطنية وترصين أسسها واستمرار بناء المؤسسات الضرورية الكفيلة بالمحافظة عليها بعيدا عن الطائفية والعنصرية والشوفينية، وبعيدا عن محاولات التصفية السياسية والاغتيالات التي طالت في الآونة الأخيرة عددا من الشخصيات العراقية، سواء ذات الصلة بالنظام السابق أو حتى تلك التي لم ترتبط به، يجب أن تكون هذه المهمة المحور الأساسي في نضال العراقيين وجهدهم اليومي والتفصيلي.

فهذه المهمة الجسيمة كفيلة، إذا ما أنجزت على وفق القواعد الصحيحة، بضمان وحدة العراق المرجوة وتحقيق وحدته الوطنية أرضا وشعبا وتطلعات، وهي الكفيلة بتجنيب البلاد مخاطر الحروب الأهلية التي يبدو أن البعض يخطط لإغراق العراق بطوفان دمائها.

وتتداخل المهمتان الأولى والثانية كثيرا. فعلى صعيد موضوع كتابة دستور العراق المرتقب، يدعو الكثير من العراقيين إلى أن يستند أي مشروع دستوري مقبل على حقيقة الوحدة في التنوع، بمعنى الاستفادة من هذا التراث الضخم، الحضاري والإنساني والثقافي، الذي يتيحه تعدد الأديان والمذاهب والأعراق في العراق، وأن لا يتحول ذلك إلى عامل تفريق بدل أن يكون عامل وحدة.

وفيما يؤكدون على أن موضوع الحفاظ على الوحدة الوطنية للعراق وتثبيتها في أي دستور مقبل، ليست ترفا بل ضرورة قصوى، ولازمة لضمان قدر معقول ومُـتنام من الاستقرار والهدوء في هذا البلد، يرون أنه ينبغي أن يؤمن كُـتّـاب الدستور الجديد بضرورة بقاء العراق واحدا بعيدا عن مشاريع الفدرالية والكنفدرالية والتقسيم، بل وحتى بعيدا عن مشاريع منح صلاحيات إدارية أوسع لبعض الأقاليم أو المحافظات الإدارية، لأن من شأن ذلك أن يفتح الباب واسعا أمام شرذمة العراق وتوزيعه حصصا وغنائم.

فهذه المخططات التي قد يسرف البعض في الحماس لها عن قصد أو دون قصد، ليست في حقيقة الأمر - حسب رأي أطراف عراقية عديدة - إلا ثغرات لا تخدم العراقيين ولا تحقق لهم ولجيرانهم أمنا أو استقرارا.

مرجعيات وبرامج

أما موضوع استلام السلطة على وفق الاتفاق المُـبرم بين مجلس الحكم العراقي الانتقالي وسلطة الاحتلال، والمقرر تنفيذه في غضون الأشهر الستة المقبلة، فيبدو مثار قلق وتشكك في ظل الأوضاع الجارية الآن في العراق.

فعلى الرغم من أن موعد 30 يونيو المقبل يبدو في نظر البعض مقدسا، بمعنى أنه حقيقة راسخة لا ينبغي التعرض إليها، وهو ما يُـروّج له أغلب أعضاء مجلس الحكم العراقي الانتقالي، باعتباره إنجازا وطنيا كبيرا، فإن هذا الموعد في نظر البعض الآخر يبدو أمرا هلاميا، وربما تشاءَم كثيرون فاعتبروه غير قابل للتحقيق، وهو، في نظر هؤلاء، إن تحقق، فلن يكون علامة حقيقية على استقلال أو استعادة سيادة ذهبت مع ريح التغيير الهوجاء.

ولا شك أن اختلاف المرجعيات في العراق واختلاف مراكز القرار سيُـسهم إلى حد كبير في إضفاء مزيد من التعقيد على الشأن العراقي المعقد أصلا. فشيعة العراق لهم مرجعيتهم، وسُـنّـة العراق لهم مركز قرارهم، وإن توزَّع بعض الشيء، والأكراد في غالبيتهم السُـنية، وأقليتهم الشيعية، لهم هم الآخرون ثوابتهم ومرجعياتهم، وتركمان العراق، السُـنّـة منهم أو الشيعة، لا يختلفون عن الآخرين في ذلك.

ولكل فصيل من هؤلاء مشروعه السياسي الواضح في جانب منه، والخفي في جوانب أخرى، وله ارتباطاته بالجوار العربي أو الإسلامي أو بالمحيط الأبعد.

كما أن كلا من هذه التقسيمات الدينية والقومية والفصائل السياسية، وهو أمر مؤسف وخطير، يستعجل تنفيذ برامجه التي تخدم منطلقاته النظرية أو حاجات من يمثله، دون اعتماد نظرة توازن بين احتياجاته المرحلية أو الخاصة من جهة، واحتياجات العراق وشعبه كله من جهة أخرى.

مفترق طرق

مما لاشك فيه، إن العراق يقف هذا العام على مفترق طرق حاسم، وهو ما يزال في المرحلة الانتقالية، مرحلة التحولات الكبرى التي ستنقله من مرحلة الحزب الواحد أو القائد، ومن مرحلة الزعيم الفرد والقائد التاريخي الرمز والبطل، إلى مرحلة الدولة، وتعدد الأحزاب والرموز والقيادات .. ومن مرحلة الدولة الشمولية القومية والاشتراكية التوجه إلى مرحلة الدولة المنفتحة الرأسمالية التي تُـقيم علاقاتها مع العالم على أسس المصالح، لا على أسس الأيديولوجيات.

وهو في عامه الجديد، مثل أعوام أخرى ستلي هذا العام، سيبقى في هذه المرحلة الانتقالية المائعة، لكن سيره إلى بر الأمان سيبقى محكوما بظروف داخلية، وتداخلات خارجية، ومشاريع يجاهر البعض بها، فيما يسعى آخرون إلى تنفيذ برامجهم تحت جنح ظلام دامس ما يزال يلف العراق!

مصطفى كامل - بغداد

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة