Navigation

إسرائيل والضرر الأكبر ..

رغم أن صور المواجهات هي الطاغية على نزاع الشرق الأوسط فإن أثار الأنتفاضة على الأقتصاد الأسرائيلي هي الموجعة swissinfo.ch

يشكل الجانب الاقتصادي بعدا هاما في الصراع الدائر ألان ومنذ عشرة شهور بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل، وان كان طابع العنف والقتل هو الجانب الذي يطفو على السطح عبر وسائل الإعلام اكثر إلا أن الاقتصاد والاستنزاف الاقتصادي لا يقل أهمية في الواقع.

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 أغسطس 2001 - 13:45 يوليو,

اعتمدت إسرائيل منذ بداية الانتفاضة العقوبات الاقتصادية كوسيلة أساسية للضغط على الشعب الفلسطيني، فقد أوقفت تحويل عائدات الجمارك المستحقة للسلطة، ومنعت العمال الفلسطينيين من التوجه لعملهم في إسرائيل، وقيدت الاستيراد والتصدير الفلسطيني، وأخيرا فرضت حصارا متصاعد الشدة على كل تجمع سكاني على حده مما اثر أيضا على الأداء الاقتصادي. كل هذا أدى، وحسب تقارير الأمم المتحدة، إلى انخفاض معدل دخل الفرد إلى حوالي النصف وَحول كذلك ثلثي السكان إلى ما دون خط الفقر.

آثار اقتصادية موجعة

لكن الجديد في هذه الحلقة من الصراع التاريخي بين الفلسطينيين وإسرائيل أن الصراع اضر أيضا هذه المرة وبشكل كبير الاقتصاد الإسرائيلي وعلى مستويات وبأشكال عدة ، لدرجة أن اكثر من محلل إسرائيلي اعتبر أن هذا هو الضرر الرئيسي الذي تواجهه إسرائيل في هذه الانتفاضة.

ويمكن استعراض اكثر من جانب للتأثيرات الاقتصادية للانتفاضة على إسرائيل ولكن الأثر الأبرز هو خسارة الاقتصاد الإسرائيلي للعمالة الفلسطينية الرخيصة والغير مقيمة، فقد بلغ عدد العمال الفلسطينيين في إسرائيل حتى قبل الانتفاضة أرقاما تتراوح بين مائة وخمسون ومائتا ألف عامل، يتقاضون أجورا تصل إلى ما بين نصف إلى ثلثي معدل الأجور في إسرائيل، أما ألان فلا يعمل من هؤلاء سوى بضعة آلاف وغالبا بشكل مخالف للقانون.

العامل الثاني هو السياحة التي تعرضت لضربة كبيرة خاصة في القدس حيث تشكل السياحة بالذات في الصيف مصدر دخل كبير، سواء السياحة الاستجمامية الصيفية أم السياحة الدينية التي تأتي إلى أو عن طريق إسرائيل للقدس وبيت لحم وأريحا. وقد انخفضت بسبب ذلك نسبة الأشغال في فنادق القدس إلى اقل من النصف في موسم الصيف الحالي لدرجة أن أخبار إغلاق فنادق اصبح يتوارد بين حين أخر، وهذا وان كان له اثر كبير على اقتصاد إسرائيل إلا انه له اكثر أيضا على الاقتصاد الفلسطيني وان كان بدرجة اقل.

الأثر السلبي الثالث للانتفاضة على الاقتصاد الإسرائيلي هو في مجال الهجرة المعاكسة. هذا الجانب هو الأكثر حساسية وتتجنب إسرائيل الإعلان عنه لكن هناك كثير من التقارير، الغير رسمية، تشير إلى تصاعد في نسبة الهجرة المعاكسة تحديدا للولايات المتحدة ويبدو أن هذه الهجرة لا تقاس بالكم بل بالكيف فهي تشمل مستثمرين ومهنيين من النوع الذي يسهل عليه إيجاد فرص عمل أو استثمار في الخارج وهي الفئة التي تشكل هجرتها خسارة نوعية للمجتمع والاقتصاد الإسرائيلي. وعدا عن البعد الاقتصادي فهذه الهجرة تمس أيضا البعد الأيديولوجي في إسرائيل وتضعف الثقة بالنفس وتعطي الانطباع بتراجع الانتماء العقائدي لقطاعات هامة من الإسرائيليين.

وآلا ثار غير المباشرة هي الأخطر

البعد الأخير وربما الغير مرئي أو الغير مباشر ولكن الأكثر أثرا على الاقتصاد الإسرائيلي على المدى المتوسط والبعيد هو اثر الانتفاضة على مكانة إسرائيل وعلاقتها بالاقتصاد العالمي خصوصا في سياق عولمة الاقتصاد الإسرائيلي المتسارعة جدا.

لقد سعت إسرائيل خلال العشر سنوات الماضية من عملية السلام إلى إعطاء الانطباع بأنها لم تعد في حالة حرب مع الجيران ولم تعد مقاطعة من العرب ، بل أنها أصبحت جزءا من توجه التكامل الاقتصادي الإقليمي في الشرق الأوسط. وبما أن إسرائيل هي الأكثر تطور في المنطقة من نواحي تقنية وفي مجال البنى التحتية، فقد عمدت إلى تقديم نفسها لتكون بمثابة موطئ القدم أو الشريك الأساسي في منطقة الشرق الأوسط للشركات المتعددة الجنسيات التي ترغب في الدخول للشرق الأوسط من مدخل ما أو بشراكة ما.

وكان لهذا الأمر مظاهر عديدة أهمها ازدياد نسبة التبادل بين إسرائيل وبين دول ذات وزن اقتصادي ولم يسبق لها أن تعاملت مع إسرائيل اقتصاديا لأسباب سياسية. وتشكل اليابان ودول جنوب شرق آسيا والصين ابرز الأمثلة، فقد كان تبادل هذه الدول التجاري مع إسرائيل يقارب الصفر، لكن بعد عملية السلام وبسببها فقد ارتفع هذا التبادل كثيرا لدرجة أن التبادل الاقتصادي الإسرائيلي مع اليابان هو خامس أعلى تبادل لإسرائيل على المستوى العالمي، وبالطبع الأهمية هنا ليست للكم فقط بل للنوعية التقنية العالية التي تميز هذه العلاقات.

هذا التطور في علاقات إسرائيل الاقتصادية مع الاقتصاد العالمي بدا يتعرض لنوع من عدم الاستقرار لان إسرائيل عادت لتكون جزء من حالة صراع في المنطقة ولم تعد دولة مستقرة وآمنة أو جزء متكامل مع اقتصاد المنطقة، مما بدا يترك أثره على مكانة إسرائيل الاقتصادية ودورها في نظر كثير من الشركات العالمية. ولعل اثر هذا العامل بطيء لكنه سيكون الأكبر والأخطر على الاقتصاد الإسرائيلي مستقبلا.

في هذا السياق، ربما من المفيد استحضار ما قاله وزير الصناعة الإسرائيلية عام 1995 في سياق الحديث عن فرص إسرائيل الاقتصادية في سياق عملية السلام "ألان الكثير من الشركات العالمية تعترف أننا أهم سوق اقتصادي في المنطقة وانه من المفيد أن يكون لهم موطئ قدم عندنا "، كذلك يفيد ألان تذكر عنوان المقال الذي نشر في سياقه هذا التصريح وهو مقال سمي : الاقتصاد الإسرائيلي يخطو نحو غزو العالم . وقد نشر في مجلة تشالنج Challengeعدد 33 .

يمكن الاستخلاص بان الانتفاضة قضت على أحلام اقتصادية إسرائيلية بعضها يتعلق بمكانة إسرائيل في الاقتصاد العالمي، وبعضها يتعلق بمكانة إسرائيل الاقتصادية الإقليمية ، وفي كلا الحالتين فالضرر استراتيجي وبالغ .

د. غسان الخطيب/ القدس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.