Navigation

إيران وسوريا والحرب: أية خيارات؟

فنان في دمشق يضع اللمسات الأخيرة يوم 16 يوليو الجاري على لوحة للرئيس السوري بشار الأسد والأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله الذي يحظى أيضا بدعم إيران. فأي مصير لهذا الثلاثي؟ swissinfo.ch

أين إيران وسوريا من الحرب الشاملة، عسكرياً ودبلوماسياً، التي يتعّرض لها "حزب الله"، حليفهما الإستراتيجي المهم في لبنان؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 يوليو 2006 - 06:00 يوليو,

بداية، يتعيّـن القول أن طهران كانت المستفيد الأكبر حتى الآن من اندلاع المجابهات الساخنة في لبنان.

هذا أدى بشطحة قلم واحدة إلى إخراج طهران من لوحة الرادار الأمريكية، ووضع على الرف كل الأحاديث عن برنامجها النووي. وهكذا، تم حذف اسم إيران عن رأس قائمة قمة الدول الثمان الكبار في روسيا، ووضع مكانه اسم لبنان.

وهكذا أيضاً، كانت مداولات مجلس الأمن حول إمكانية فرض العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية على طهران، في حال لم ترد إيجاباً على المغريات الأوروبية مقابل تخليها عن التسلح النووي، تعلّـق إلى أجل غير مسمى.

غداة قيام حزب الله بخطف جنديين وقتل ثمانية آخرين في 13 يوليو الحالي، كتب ريتشارد هاس، مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية في الفترة بين 2001 و2003: "إيران أرادت من وراء هجوم حزب الله أن تبعث برسالتين: الأولى، أنه لا شيء يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط بدون أن تلعب هي دوراً مهماً فيه. والثانية، تذكير الولايات المتحدة بأنه إذا ما استخدمت القوة العسكرية لضرب منشآتها النووية، فإن لدى إيران مداخل أخرى للرد على هذا الضغط، حزب الله ببساطة أحد هذه المداخل. إيران لديها بالفعل الوسائل لجعل إسرائيل والولايات المتحدة غير مرتاحتين".

إيران قبضت نقداً الثمن الذي أرادت عبر تشجيع هجوم حزب الله. لكن، ماذا بعد الهجوم العسكري المعاكس الذي شنّـته إسرائيل، ولا تزال، على كل لبنان برأً وبحراً وجواً، والذي دخل الآن يومه الرابع عشر؟

إما، وإما. ثمة احتمالان:

إما أن تستنتج طهران بأن التغطية الدولية الكلية (والرسمية العربية جزئياً) الكاسحة للحرب الإسرائيلية، ومعها تشتت وتهجير الطائفة الشيعية، التي يغرف منها حزب الله قوته وشرعيته، قلبت الموازين لغير صالح المحور السوري - الإيراني، فتقرر البحث عن حلول من خلال مؤسسات الدولة اللبنانية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

إما ترى بأنها لا تزال مضطرة لمواصلة الصراع برغم الخسائر الراهنة، لأنها لما تحقق بعدُ ما وصفه مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بـ"الهدف الأول للحرب في لبنان": حمل واشنطن على المساومة مع طهران حول كل القضايا.

الاحتمال الأول قد يقصّـر أمد الحرب ويُـعطي مشروع الدولة اللبنانية حُـقنة قوية في العضل، تقيها مخاطر الانهيار والتحوّل إلى "دولة فاشلة". كما أنه سيستبقي لحزب الله دوراً مهماً في الحياة السياسية اللبنانية ويحميه من حملات المساءلة العنيفة والحتمية التي ستلي مباشرة وقف إطلاق النار. (بدأت هذه الحملات تطل برأسها من الآن).

أما الاحتمال الثاني، فهو قد يعني تحوّل المجابهات الراهنة إلى حرب إقليمية، ليصبح الهدف إعادة رسم خرائط الهلال الخصيب العربي برمّـته لصالح مشروع الدويلات الطائفية الذي يحمله المحور الإسرائيلي - الأمريكي.

أي الاحتمالين الأقرب إلى التحقق؟

بالنسبة لطهران، المسألة تعتمد على أربعة أمور متساوية الأهمية:

1- قدرة الطائفة الشيعية التي تدعم حزب الله على الصمود، برغم الخسائر المريعة والمفاجئة التي تعرضت لها: 700 ألف مشرد؛ مئات القتلى والجرحى؛ نسف البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية للجنوب؛ تدمير أحياء سكنية برمتها في الضاحية الجنوبية، المعقل المدني الرئيسي للشيعة في لبنان؛ والأخطر: اهتزاز ثقة الشيعة بقدرة المقاومة الإسلامية على تنفيذ وعدها بردع إسرائيل عن الاعتداء عليهم (شعار الحزب قبل الحرب الراهنة كان: المقاومة ضمانة الأمن والاستقلال).

2- طبيعة المحصّـلات التي ستسفر عنها الحرب البرية التي شنّـتها إسرائيل في الجنوب بهدف إعادة إحياء الحزام الأمني الذي أقامته طيلة 19 عاما بعُـمق 30 كيلومتراً في الجنوب قبل أن تنسحب منه عام 2000. والسؤال الكبير هنا هو: هل ستكون المقاومة قادرة على شن حرب استنزاف جديدة ومكلفة لإسرائيل تدوم سنوات، أم أن هذه الأخيرة ستستدرج مقاتلي حزب الله، الذين يتراوح عددهم بين 2000 و5000 مقاتل مجرّب إلى حرب مواجهات تخسر فيها الدولة العبرية معركة الخسائر البشرية، لكنها تربح الحرب في النهاية؟

3- مصير سوريا، وما إذا كانت الحرب ستمتد إليها لتهدد نظامها الحليف لها أم لا.

4- وأخيراً، حصيلة المفاوضات السرية التي تجري الآن بين طهران والعديد من العواصم الغربية حول ملفها النووي، والتي يُـقال أنها قطعت شوطاً لا بأس به إلى الأمام.

مصير سوريا؟

هذا بالنسبة لإيران. ماذا الآن عن سوريا؟ هذه الدولة المحورية تقف هي الأخرى أمام خيارين:

• إما أن ترضخ للشروط الأمريكية – الإسرائيلية، التي ستلي أو ترافق وقف النار في حرب لبنان، فتنشط لتجريد "حزب الله" من سلاحه وتقبل بانحسار جديد، وأكثر خطورة، لنفوذها الإقليمي.

• أو أن ترفض هذه الشروط، وتبادر من تلقاء نفسها للانغماس في حمأة المجابهات الراهنة قبل أن تمتد نيرانها إليها.

لماذا تقف دمشق أمام هذه الخيارات الصعبة؟ ولماذا لن يكون بمقدورها، كما كان الحال طيلة 30 عاماً، أن تشق لنفسها طرُقاً ثالثة تجنّبها اكلاف خيارات الزوايا الحادة؟

ببساطة، لأن حملة تل أبيب العسكرية في لبنان (وحتى في غزة) لن تكلَّـل بالنجاح، إلا إذا لم تضمن دعم دمشق السياسي لها. الحل العسكري وحده مستحيل، وهو لن يستطيع اجتثاث حزب الله كقوة حرب غوار مقاتلة، لا الآن ولا بعد عشرة أعوام. وكذا الأمر مع "حماس" في غزة. والدليل واضح: 20 قتيلا من الحزب، برغم مئات أطنان القنابل التي تدمّـر كل شيء في الجنوب والضاحية وباقي المناطق اللبنانية، وحفنة قتلى من "حماس"، برغم حرب الحصار الشاملة منذ أكثر من شهرين في غزة.

وحده "الحل السياسي" بإمكانه خنق الحزب والحركة، ومثل هذا الحل شبه متوفّر الآن بسبب الإجماع العربي والدولي حوله. الأمر الوحيد الذي ينقصه هو انضمام سوريا إليه. فهل ستكون هذه الأخيرة في وارد التخلي عن أهم ورقة مما تبقّـى من أوراقها الإقليمية، لا بل عن خط دفاعها الأول؟

إذا ما فعلت قد تكسب بعض الوقت وليس كله، لأن المطالب الأمريكية - الإسرائيلية منها ستنتقل حينذاك كالفراشة من شرط إلى آخر، وصولاً في النهاية إلى الهدف الإستراتيجي - الأهم: قطع صلات رحمها مع إيران، وإعادتها إلى الرحم الرسمي الحالي العربي والدولي، أي مجدداً: أما تغيير سلوك النظام السوري أو تغييره هو نفسه.

أما إذا لم تفعل، فسيكون عليها التحلّـي بأمرين: الأول، الشجاعة المُـطلقة لمجابهة مشروع تغيير خرائط الهلال الخصيب العربي لصالح إسرائيل (أو ما أسمته كوندوليزا رايس قبل أيام "مخاض الشرق الأوسط الجديد"). والثاني، تغيير قواعد الحرب عبر التركيز على حرب العصابات وحرب صواريخ المدن، بدل الحرب الكلاسيكية.

لوهلة، قد يبدو الخيار الثاني صعباً، خاصة بالنسبة لنظام كسوريا، حيث الدولة طاغية القوة والمجتمع المدني طاغي الضعف، وحيث منتهى طموح بعض قادته (النظام)، هو نيل انتباه البيت الأبيض واعترافه بهم.

لكنه لن يكون كذلك، إذا ما وضعنا في الاعتبار الحقيقة الآتية: السماح لإسرائيل بإحكام سيطرتها على لبنان وفلسطين 67، سواء عبر التنازلات الدبلوماسية أو عبر الجلوس في مقاعد المتفرجين كما الحال الآن، لن يُـكسب دمشق سوى حيّـزاً ضئيلاً للغاية من الوقت. الخطوة التالية ستكون حتماً الانقضاض عليها لتفكيكها مجدداً إلى دويلات (كما فعل الفرنسيون بها في عشرينات القرن العشرين) أو لقلب نظامها.

بكلمات أوضح: ما لم تُـبادر سوريا إلى الهجوم وبوسائل جديدة، ستتعرض هي نفسها إلى الهجوم، وما لم تكن فاعلاً في الحرب الراهنة بشكل مباشر، ستكون مفعولاً به بشكل مباشر أيضاً.

ربما إتضح الآن من هذه المُـعطيات أن هامش المناورة لدى إيران وسوريا يبدو ضيقاً، وهو سيضيق أكثر بكثير إذا ما توصّـل المؤتمر الدولي حول لبنان، المقرّر في روما يوم الأربعاء 26 يوليو الجاري إلى إجراءات عملية محدّدة لتطبيق كل من اتفاق الطائف لعام 1989 وقرار مجلس الأمن رقم 1559، وكلاهما يدعو إلى حل الميليشيات وفرض سلطة الحكومة اللبنانية على كل أراضيها.

الحبل يضيق حول عنق هاتين الدولتين، إلا إذا منحتنهما المقاومة المتوقعة لحزب الله في الحرب البرية المقبلة فرصة لالتقاط الأنفاس أو إذا ما انضمتا (خاصة سوريا) إلى السّـرب العربي والدولي المتجه بقوة الآن نحو "الشرق الأوسط الجديد".

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.