Navigation

إيران: مأزق يقود إلى ثورة؟

نواب إصلاحيون يعتصمون داخل مبنى البرلمان الإيراني احتجاجا على قرار مجلس الوصاية منع 80 نائبا من الترشح للانتخابات القادمة Keystone

"قد تكون هذه أفضل فرصة للمحافظين اليمينيين، كي يزيحوا منافسيهم الإصلاحيين من المشهد السياسي".

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 يناير 2004 - 17:07 يوليو,

هكذا رأى المحلل السياسي الإيراني سعيد ليلاز إلى حرب الاستنزاف الدائرة الآن في إيران بين الإصلاحيين والمحافظين حول الانتخابات المقبلة في 20 فبراير 2004.

يُـمكن القول بشيء من الثقة أن هذه الحرب الدائرة في طهران تميل لصالح المحافظين، حتى الآن على الأقل. فمجلس الوصاية، المؤلف من 12 عضوا، والذي يدقق بمدى "إسلامية" القوانين والترشيحات للانتخابات، منع أكثر من 3600 شخص من بينهم 80 نائبا في البرلمان الحالي من الترشح لخوض الانتخابات القائمة.

وبرغم ذلك، لم تحدث انتفاضات شعبية كتلك التي حدثت للأسباب نفسها في مواعيد انتخابية سابقة، والنواب "المحظورون" الذين اعتصموا في مبنى "المجلس" (البرلمان) احتجاجا، وجدوا أنفسهم معزولين في احتجاجهم، رغم الصدى الذي لقيه إعلاميا.

هذا ما جعل المحافظين يقرأون الرسالة الشعبية كما هي: الناخبون الإيرانيون ملّـوا من ممثليهم الإصلاحيين، وفقدوا الثقة في قدرتهم على تحقيق الإصلاح. وكما أنهم امتنعوا في الانتخابات البلدية في شهر فبراير 2003 عن الإدلاء بأصواتهم (نسبة الاقتراع لم تتعدّ 15%)، سيمتَـنعون الآن أيضا عن الاقتراع.

وبالطبع، فإن قرار منع الكتلة الرئيسية من الإصلاحيين من الترشّـح سيعمّـق من هذا الملل، وهو ما سيفسح المجال واسعا أمام وصول رئيس جمهورية وحكومة محافظين إلى السلطة، وسيسمح للأقلية المحافظة بالتحّول إلى "أغلبية" في البرلمان المقبل، وهذا بدوره سيؤدّي إلى إنهاء ثنائية السلطة "الديمقراطية - الثيوقراطية" في البلاد، لصالح المحافظين (الثيوقراطيين في رأي كثيرين).

فرهان المحافظين الإيرانيين هنا، يستند إلى أمرين إضافيين اثنين:

الأول، أن الغرب (بما في ذلك الولايات المتحدة) سيكون مُـضطرا للاعتراف بهم كسلطة منتخبة، بغضّ النظر عن أعداد الناخبين. وهذا الاضطرار سيُـصبح أكثر قبولا واستساغة بفعل التنازلات التي بدءوا بتقديمها له بالفعل في مجال السياسة الخارجية.

والثاني، يأملون بأن يُـمكّـنهم ذلك من تراجع الضغوط الخارجية وارتفاع أسعار النفط، ومن استرضاء جماهير الشباب الذين يُـشكّـلون ثلثي السبعين مليون إيراني، والذين يحتاجون بشدة إلى فُـرص عمل يوفرّها الانفتاح على العالم الخارجي.

وكانت استطلاعات الرأي الأخيرة قد أشارت إلى أن الغالبية الكاسحة من الشباب، وبرغم حملات التعبئة الأيديولوجية – الدينية الهائلة التي يقوم بها المحافظون، تؤيّـد استئناف العلاقات مع الولايات المتحدة، وتُـطالب بحريات شخصية، وحتى جنسية أوسع.

مأرق تاريخي أم فُـرصة؟

هل تنجح هذه "الثورة المضادة" المحافظة؟ يبدو أن الأمر سيكون كذلك على المدى القصير، وهذا ليس فقط لأن المحافظين يُـمسِـكون بتلابيب السلطة عبر مؤسساتٍ عدّة مثل ولاية الفقيه، ومجلس الوصاية، وسلك القضاء، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، والأجهزة الأمنية والعسكرية، بل أيضا بسبب الضعف الشديد الذي أصاب منافسيهم الإصلاحيين.

فمنذ عام 1997، حين انتخب محمد خاتمي رئيسا بشكل كاسح، إلى عام 2001، حيث أعيد انتخابه بشكل كاسح أيضا، كانت غالبية الإيرانيين تُـراهن على إمكانية إصلاح النظام من الداخل.

لكن، وبعد مرور أكثر من ست سنوات على وصول الإصلاحيين إلى السلطة الديمقراطية المنتخبة، أثبتوا عجزهم التام، ليس فقط عن النجاح في هذا المسعى، بل أيضا عن التصدي للمحافظين حين كان يتوجب التصدي.

أما لماذا أدمن الإصلاحيون على هذا العجز، فلأنهم علقوا في "منزلة بين منزلتين" فيما يتعلّـق بنمط معارضتهم للنُّـخب الدينية الحاكمة: فهم ليسوا قادرين على حمل المحافظين على تحقيق الإصلاحات بالتي هي أحسن ديموقراطيا، ولا هم مستعدون لمنازلتهم بدعم من الشارع الإيراني، خوفا من انهيار النظام نفسه، والذين يعتبرون أنفسهم جزءا منه.

وهذا العجز وضع الإصلاحيين في مأزق تاريخي، وهو نفسه جعل المحافظين يرون في المأزق التاريخي لخصومهم فرصة تاريخية جديدة لهم.

ثورة جديدة؟

قد يكون ضعف الإصلاحيين فرصة بالفعل، لكنها ليست تاريخية، وبكلمات أوضح: خروج (أو إخراج) الإصلاحيين المتوقّـع من المشهد السياسي الإيراني بعد انتخابات 20 فبراير القادم، قد ينسف كل الدفاعات الأيديولوجية - السياسية التي كان يوفّـرها هؤلاء الأخيرين للنظام، وقد يضع الأقلية الدينية المحافظة وجها لوجه مع أغلبية غاضبة ورافضة وخانقة.

لكن هذه المرة، قد لا تلجأ هذه الأغلبية فقط إلى معارضين من داخل النظام، أي من رجال دين يرتدون الثوب نفسه الذي يلبسه الإصلاحيون، وإنما قد تبرز أيضا ألوان قومية فارسية وعلمانية ليبرالية تطرح الشعار القاتل بالنسبة لنظام الملالي: فصل الدين عن الدولة، أو بالأحرى تحرير الدين من ألاعيب السياسة والمصالح، وسيكتسب هذا الشعار زخما قويا بفعل الروائح القوية التي بدأت تفوح من الفساد الذي يغرق فيه العديد من رجال الدين، والذي يكتسح عمليا كل دوائر الدولة، والقطاع العام، وبنية الاقتصاد.

وتتحدث تقارير المعارضة الإيرانية في الخارج عن وجود شبكة متراصة من رجال الدين، تتبادل فيما بينها المنافع والمصالح، وتفرض إتاوات باهظة على كل مشروع جديد في القطاع الخاص، لا بل يشير أحد هذه التقارير إلى أن الدوافع الأيديولوجية لدى النّـخب الحاكمة تتراجع إلى المرتبة الرابعة أو الخامسة، حين يتعلّـق الأمر بمصالحها الاقتصادية.

وإذا ما أُضيف هذا الفساد الاقتصادي إلى الفساد السياسي المستشري بسبب احتكار الأقلية الدينية غير المُـنتخبة للسلطة، ربما يتأكّـد الاستنتاج القائل بأن الظروف باتت مؤهلة لبروز تحديات شعبية حقيقية لنظام الملالي.

فهل يُـمكن أن تصل هذه التحديات إلى مرحلة الثورة؟ صحيفة "الإيكونوميست" البريطانية الرزينة تعتقد ذلك، إذ قالت في عددها الصادر يوم 17 يناير: "الخطر بعيد المدى على الملالي، يكمُـن في عدم رضى الشبان الإيرانيين عنهم وفي رغبتهم بنظام ديمقراطي حقيقي وعن وظائف. وبغض النظر عمّـا ستؤول إليه الخلافات الراهنة حول الانتخابات، سواء القمع أو الحلول الوسط، فإن هذا لن يُـزيح من الصورة احتمال نشوب ثورة جديدة في إيران، على العكس، إنه سيجعلها أقرب على الأرجح".

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.