تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

إيران: هل تكشّـر عن أنيابها ؟

سيدة إيرانية ترفع شعار "الموت لأمريكا" في مظاهرة نظمت في العاصمة طهران يوم 19 مايو 2004 احتجاجا على الهجمات الأمريكية والبريطانية على عدد من المدن المقدسة في جنوب العراق

(Keystone)

لفتت "تظاهرة الأكفان" الجماهيرية، التي شارك فيها مؤخرا نحو نصف مليون شيعي في بيروت ضد الممارسات الأمريكية في النجف وكربلاء، أنظار الكثيرين إليها.

فهل كانت مجرد تمهيد لتظاهرة سياسية أكثر خطورة تعد لها إيران الشيعية في الشرق الأوسط؟ هنا تتباين الاجتهادات والتخمينات.

ثمة من يرى إلى أن تظاهرة بيروت، التي أعّد لها ونظمها "حزب الله" اللبناني المدعوم إيرانيا، مُـجرد رسالة محلية لبنانية إلى الأمريكيين بضرورة التوقف عن اعتبار الحزب منظمة إرهابية، وبالتالي، وقف تشجيع إسرائيل على ضربه مع سوريا الداعمة له.

وهناك من اعتبر أن حزب الله، وبصفته أنجح مشروع في السياسة الخارجية نفّـذته الثورة الإسلامية الإيرانية في العالم، لا يتحرك عادة على هذا النحو الكثيف، إلا إذا ما تلقّـى إشارة واضحة من طهران (التي تزوّده منذ سنوات، على ما يقال، بملايين الدولارات سنويا)، للإدلاء بدلوه في المعمعة العراقية.

لكن ثمة أيضا من يرى في تظاهرة الأكفان الهدفين معا: اللبناني (أي حماية الحزب بسور شعبي ضخم) والإيراني (عرض العضلات أمام الأمريكيين). لكن، وإذا ما كان الهدف اللبناني واضحا، فماذا عن الإيراني؟

صراع مفتوح

هنا، ومع هذا السؤال، نجد أنفسنا أمام لوحة بالغة التعقيد للصراع الراهن في العراق، حيث التنافس على أشُـده هذه الأيام بين الأطراف الإقليمية والدولية كافة حول الحصص من الكعكة العراقية الدسمة.

أسباب هذا التنافس المحموم معروفة: فشل مشروع واشنطن في تحويل بلاد ما بين الرافدين إلى مستعمرة أو محمية تدور في فلكها، وتصاعد الحديث عن بدء وضع خطط أمريكية للانسحاب التدريجي من هناك.

الأطراف الإقليمية الرئيسية في هذا الصراع معروفة وهي: المملكة السعودية، وتركيا، وسوريا، والأردن، وبالطبع إيران.

وقبل التطرق إلى الدور الإيراني، قد يكون مفيدا تسليط بعض الأضواء على الأدوار الأخرى، لأن ذلك يكشف جانبا مُـهما من طبيعة الصراع:

* السعودية لم تكن أصلا تتمنى النجاح لمشروع تحويل العراق إلى جمهورية ديمقراطية، لأن ذلك قد يُـزعزع نظامها نفسه. لكنها في الوقت ذاته، لا تريد، لا انغماس العراق في الفوضى، الأمر الذي سيجعله بؤرة الإرهاب الرئيسية في العالم، ولا السقوط أيضا تحت سيطرة شيعية كاملة أو شبه كاملة.

وتريد السعودية منزلة بين المنزلتين بين هذين الخيارين. وللوصول إلى هذا الهدف، تنتهج المملكة الآن أسلوبين: الأول، دعم القوى السُـنية العراقية بملايين الدولارات (حسب تأكيدات الخبير الأمريكي هوارد لافرانشي)، وفتح الحدود أمام تدفق المقاتلين (ومعظمهم من الوهابيين ومن المتشددين) من السعودية إلى العراق.

وتعتقد الحكومة السعودية أنها بهذه الخطوة الأخيرة تضرب عصفورين بحجر واحد: التخلّص من هؤلاء المتطرفين السنّـة في الداخل، وإرهاب الشيعة بهم في الخارج، خاصة وأن المتطرفين يميلون بمعظمهم إلى تنفيذ العمليات الانتحارية.

* سوريا من جهتها، لا تستطيع إلا أن تكون سعيدة لتعّثر الأمريكيين في العراق، لأن ذلك سيبعد عنها سيف المحافظين الجدد الأمريكيين الذين كانوا ينوون دحرجة رأس نظامها فور نجاح مشروعهم في العراق.

وكما مع السعودية، تسعى سوريا لدعم الأطراف التي تعتقد أنها ستعزز نفوذها هناك، وهذا يشمل العديد من القبائل، سواء التي تقطن قرب حدودها، أو تلك التي لها علاقة تاريخية معها، القوى البعثية التي فقدت مرجعيتها مع اعتقال صدام حسين، والأحزاب القومية العربية والعلمانية، والعديد من منظمات المعارضة العراقية التي أقامت طويلا في سوريا.

* الأردن كان يعّول، ولا يزال، على مد نفوذه بين بعض القبائل والسُـنة الذين لطالما مثّـلهم الهاشميون قبل انقلاب عام 1958، وبين بعض الشيعة الذين يحترمون الاسرة الهاشمية في الأردن والعراق بصفتها من سلالة آل البيت. هذا إضافة الى الضباط والجنود الذين درّبتهم المملكة الهاشمية بطلب من الولايات المتحدة.

* أما تركيا، فعدا الأقلية التركمانية، لا تتمتع بأي نفوذ، وهي لا تعارض قيام عراق ديمقراطي. جل اهتمامها ينصبُّ على الحفاظ على وحدة الدولة العراقية لمنع قيام دولة كردية مستقلة.

ماذا الآن عن إيران؟

الباطنية

الدور الإيراني يبدو الأكثر دهاء وحذاقة. فطهران أوحت طيلة الشهور الماضية أنها تتصرف في العراق، وكأن الاحتلال الأمريكي له سيدوم أبدا، لكنها في الواقع، كانت تقوم بكل ما من شأنه نسف ركائز هذا الاحتلال من أساسه.

فهي أبدت تحفظها على حركة مقتدى الصدر، لكنها موّلت جيشه المهدي وزودته بالعتاد والأسلحة، واعترفت بمجلس الحكم الإنتقالي الذي شكّـله الأمريكيون، لكنها أقامت أوثق الصّـلات مع كل الأطراف الشيعية، التي تناصب هذا المجلس العداء، وهي أخيرا، هادنت أية الله علي السيستاني علنا، بيد أنها شجّـعت أنصار نظرية ولاية الفقيه (ومن بينهم الصدر) على التمرد عليه سرا. هذه السياسة الازدواجية والباطينة تقف ورتءها أسباب عدة:

1. كانت طهران تخشى استفزاز المحافظين الجدد الأمريكيين، مما قد يدفعهم الى توجيه ضربات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة (إسرائيلية مثلا) إليها.

2. كما كانت إيران تخاف من فرض حصار دولي عليها، إذا ما قررت واشنطن مواصلة فتح ملفاتها النووية، وكانت تتوجس من إمكانية تدخل أمريكا في شؤونها الداخلية، في وقت باتت فيه الفجوة ضخمة بين الشعب وبين رجال الدين المحافظين الممسكين بمفاصل السلطة.

3. وفوق هذا وذاك، كانت طهران حريصة على عدم استعداء السيستاني عبر الدعم العلني للصدر، لأن ذلك قد يُـعيق حرية حركتها بين مختلف فصائل الشيعة.

الحمى

لكل هذه الأسباب، اختارت طهران السير بين نقاط الماء (كما يقال) لتحقيق أهدافها بالدهاء بدل المجابهة، وبالباطنية بدل العلنية. بيد أن قرب موعد نقل السلطة (وإن شكليا) إلى العراقيين في 30 يونيو المقبل، وتزايد الحديث، كما أسلفنا، عن احتمال انسحاب القوات الأمريكية، رفع حرارة الصراع إلى درجة الحمى، ودفع إيران إلى استعراض عضلاتها والكشف عن أنيابها بهدف حصد أكثر ما يمكن حصده من نفوذ في بلاد العباسيين.

وقد أدّى هذا بالطبع إلى إثارة مخاوف الأطراف الأخرى في المنطقة، خاصة الكويت والبحرين. فهاتان الدولتان الصغيرتان اللتان تقطنهما أقلية شيعية كبيرة (20% في الكويت) وأغلبية كبيرة (60% في البحرين)، توجستا شرا من احتمال سيطرة الشيعة على العراق، وقررتا القيام بـ "هجوم استباقي"، مستقويتين بالطبع بالقوة الأمريكية.

وهكذا، سعت الكويت إلى قطع دابر أية علاقة محتملة بين شيعتها وبين إيران من خلال الاحتجاج على نشاطات السفارة الإيرانية لديها. فيما كان البحرينيون يُـحذرون الإيرانيين علنا من مغبّـة أي تدخل مذهبي في بلادهم.

بيد أن "الكباش" الرئيسي سيبقى بين إيران والسعودية، اللتين تتسابقان الآن على "ترتيب بيتهما" في الداخل العراقي بين الشيعة والسُـنة على التوالي. صحيح أنهما ليسا اللاعبين الوحيدين، لكنهما اللاعبين الرئيسيين الأهم.

إن مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي والدولي في العراق والمنطقة على وشك أن تبدأ، ومن سوء حظ العراق، أن هذا الصراع يجري على أرضه، في وقت يبحث فيه عن هويته الوطنية الجديدة وحتى عن مقومات وجوده ككيان سياسي.

فهل يكون حظه سعيدا، فيتم التوافق سريعا بين الدول الإقليمية على وقف صراعاتها فوق أرضه من خلال عقد مؤتمر عام بإشراف الأمم المتحدة، كما يطالب بذلك الآن الأخضر الإبراهيمي، أم يكون حظه عاثرا كلبنان خلال الفترة الممتدة بين عامي 1975 و1989 فيتحّول إلى إسفنجة تمتص كل بلايا المنطقة وتوتراتها وتناقضاتها؟ فلننتظر قليلا لنرى.

سعد محيو - بيروت


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×