تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

إيران.. في الحرب المقبلة وما بعدها

وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي لدى لقائه مع نظيره البريطاني جاك سترو يوم الخميس 6 فبراير في لندن

(Keystone)

تتابع طهران بقلق وتوجس الإستعدادات الأمريكية المتسارعة لشن حرب ضد العراق لكنها تتحرك على أكثر من محور للتقليل من الخسائر أو الأضرار المحتملة للزلزال الإقليمي المرتقب.

وفي هذا السياق، تُـقرأ بعض المؤشرات على أن الحرب المقبلة قد تتحول إلى جسر لتطبيع جزئي أو شامل للعلاقة المتوترة منذ عام 1979 بين طهران وواشنطن.

يستنتج البعض من تناقض التصريحات الإيرانية حيال الملف العراقي والحرب الأمريكية المحتملة ضد نظام الرئيس صدام حسين، بأن الموقف الإيراني من هذه الحرب يعاني ارتباكا كبيرا، وأنه يخضع لتجاذب داخلي لم يؤد إلى حسم وجهته بعد.

إلا أن الصورة من خارج دائرة الضوء تبدو مختلفة تماما. فالإيرانيون يتعاملون مع هذا الملف بدقة وحذاقة معتمدين معيارا واحدا هو "المصلحة القومية لإيران" وهو ما صرح به وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي يوم أمطره الصحافيون بأسئلتهم عن سبب إلغاء الرئيس السوري بشار الأسد زيارته المقررة لطهران، وما قيل عن الانزعاج السوري من التنسيق الأمريكي- الإيراني بشأن مستقبل العراق.

لا يختلف التياران المتنافسان الملقبان بـ "الاصلاحيين" و"المحافظين" على ضرورة التصرف فيما يخص الملف العراقي والعلاقة مع واشنطن بشأنه، حسبما تفرضه المصالح القومية الإيرانية، لكن الذي يدير هذا الملف في طهران ليس الحكومة الإصلاحية ولا المؤسسات التابعة لها، بل فريق عمل هو أقرب إلى المحافظين ومرتبط بأعلى مراكز القرار الإيراني، أي مرشد الثورة علي خامنئي، لكن المدير الفعلي لهذا الملف هو رجل النظام القوي في كل العهود، رئيس الجمهورية السابق ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام حاليا، علي أكبر هاشمي رفسنجاني.

ولا تقتصر مهمة هذا الفريق على تنظيم السلوك الإيراني أثناء الحرب الأمريكية المحتملة في العراق، بل تتعداها إلى وضع لبنة جديدة في عملية تطبيع عملي للعلاقات مع واشنطن بدأت في أفغانستان، علّى أمل أن يؤدي تراكم فرص التقاء المصالح إلى توصل الجانبين إلى إنهاء القطيعة رسميا وبشكل يحفظ "ثوابت" الطرفين.

التخلص من صدام

يلتقي الإيرانيون مع الأمريكيين في الرغبة في التخلص من نظام صدام حسين الذي لا يمكنهم نسيان حربه التي شنها عليهم بين عامي 1980-1988 وكبّـدتهم – مثلما تكبّـد العراق نفسه- مئات آلاف الأرواح البشرية، فضلا عن أزمات اقتصادية واجتماعية ما زالت تتفاقم في إيران وتكبر حجما يوما بعد يوم.

كما أن الإيرانيين باتوا على قناعة بأن جارهم اللدود لن يُـغيّـر من نهجه، وسيعود لتهديدهم إذا ما قـدّر له أن يتعافى. يستندون في ذلك إلى معلومات تقول، إن الرئيس العراقي حاول مرارا، خلال العقد الأخير، استعادة دوره في مواجهة إيران من خلال عروض قدمها إلى وسطاء مع واشنطن. وبالتالي، ليس هناك ما يدفع الإيرانيين إلى التمسك ببقاء الحكم في العراق.

لكن تحقيق هذه الأمنية الإيرانية وعلى يد واشنطن يحمل ضمنا خطرا آخر على طهران، مصدره واشنطن التي ستضيق الخناق عليها، سواء عبر التواجد المباشر على امتداد 1200 كيلومتر من الحدود المشتركة، أو بواسطة حكم عراقي "صديق" للولايات المتحدة.

هنا، تظهر الحاجة في طهران إلى عمل ما يتعدى موقف الحياد وعدم إعاقة العمليات العسكرية، أو حتى تقديم المساعدات "الإنسانية" للقوات الأمريكية في حال حاجتها لذلك، إلى التحرك باتجاه كسب دور لطهران في مستقبل العراق، وهذا لن يتم دون تنسيق مع الولايات المتحدة دون أن يمر ذلك بدون ثمن بالطبع.

الدور الأمريكي....

الجانب الأمريكي هو الآخر، بدا متجاوبا مع طهران، مستفيدا من تجربة أفغانستان ودور إيران الإيجابي في الحرب، وتشكيل الحكومة الأفغانية الجديدة، على أرضية حاجة ماسة لدور إيراني إيجابي، ليس فقط أثناء العمليات العسكرية، بل في مرحلة ما بعد الرئيس العراقي صدام حسين، لأن طول الحدود بين العراق وإيران والتداخل الاجتماعي بين البلدين يجعل إيران شديدة التأثير، كما التأثر بالوضع العراقي الداخلي.

هذا الواقع يدفع الجانب الأمريكي إلى إعطاء طهران بعض الضمانات التي تطلبها، بدءا من إشراكها وعبر تنظيمات عراقية معارضة مقيمة في طهران ومتأثرة بمواقفها، في رسم صورة عراق المستقبل. كل هذا يعني في النهاية – أو يقتضي- قدرا من التطبيع العملي بين واشنطن وطهران، يشجعه جناح داخل الإدارة الأمريكية علّه يوصل إلى التطبيع الكامل والرسمي للعلاقات.

هذه الظروف وفّـرت لطهران دخولا على خط المعارضة العراقية المنخرطة في مشروع التغيير في العراق بدل الاقتصار السابق على التنسيق مع الجناح الإسلامي فحسب. وتشهد طهران منذ أسابيع اجتماعات ولقاءات عمل بين رموز عراقية معارضة قريبة من الإدارة الأمريكية ومسؤولين إيرانيين كبار معنيين مباشرة بالملف العراقي والعلاقة مع واشنطن.

هذه اللقاءات تتم بعيدا عن أعين وآذان الإعلام، والعراقيون يقولون إن محاوريهم الإيرانيين ليسوا من جناح الرئيس محمد خاتمي "الإصلاحي" وأن البحث يتم بعمق في مواضيع هامة جدا.

شهد الداخل الإيراني هو الآخر خطوات لا تفهم إلا تمهيدا لأرضية التعاطي مع واشنطن، مثل تخفيف قبضة المتشددين على الإعلام وملاحقة القضاء "المحافظ" لرموز الإصلاحيين والتراجع عن إعدام المفكر الإصلاحي هاشم أغاجري، بل ووصف القضاء نفسه الحكم الصادر بحقه من قبل بأنه مخالف للشريعة، وآخرها رفع الإقامة الجبرية عن خليفة المرشد سابقا، آية الله منتظري بعد حجر دام خمسة سنوات.

كل هذه المعطيات ترسم ملامح الدور الإيراني الإقليمي في المرحلة المقبلة، ربما تقدم الساحة العراقية المقبلة إحدى تجَـلِّـياته، ولكن ليس بعيدا، بالطبع، عن الدور الأمريكي.

سالم مشكور - بيروت

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×