Navigation

الأسد ولحود: رئيسان ومصيران، أم مصير واحد؟

مصيرهما مشترك؟ Keystone

من يسقط قبل الآخر: الرئيس اللبناني إميل لحود أم الرئيس السوري بشار الأسد؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 31 أكتوبر 2005 - 17:00 يوليو,

سؤال يتداول بكثافة هذه الأيام بين السياسيين وبعض الدبلوماسيين الغربيين في بيروت

من يسقط قبل الآخر: الرئيس اللبناني إميل لحود أم الرئيس السوري بشار الأسد؟

هذا السؤال الذي يتداول بكثافة هذه الأيام بين السياسيين وبعض الدبلوماسيين الغربيين في بيروت، ليس رياضة فكرية أو تفكيراً رغائبياً، إنه تعبير عن مرحلة الانقلابات والتغييرات الخطرة التي دخلها لبنان وسوريا خلال الأشهر القليلة الماضية، إضافة إلى أنه يعكس أيضاً مدى الترابط السياسي بين هذين الرئيسين الحليفين.

فتدحرج رأس الرئيس لحود من على درج قصر الرئاسة في بعبدا، سيُـسقط من يد الرئيس الأسد ورقة ثمينة لا يزال يستخدمها في لبنان، بدعم من "حزب الله" وحركة "أمل" الشيعيين، لمقاومة الضغوط الغربية العنيفة عليه. وخروج الرئيس الأسد من السلطة في الساعة الثامنة إلا دقيقة، سيؤدي إلى سقوط لحود في تمام الثامنة.

الترابط إذن، عضوي بين الرئيسين لحود والأسد، برغم تباين الظروف التي قد تؤدي إلى رحيلهما.

فسقوط الأول حتمي ومسألة وقت، ومصيره لا علاقة له من قريب أو بعيد بما قد يُـتّـخذ من قرارات، بل هو في يد مجموعة واحدة هي الطائفة المارونية، وربما شخص واحد هو بطريرك الموارنة مار نصر الله بطرس صفير.

كل المؤشرات تدل على أن قادة المورانة أجمعوا، أو كادوا، على أن رحيل لحود قبل نهاية ولايته الدستورية بعد نحو السنتين، بات أمراً ضرورياً لإنقاذ مواقع الطائفة في السلطة السياسية، ولا يشذ عن هذا الإجماع سوى العماد ميشال عون لأهدافه الخاصة، إذ هو يرهن موافقته على إطاحة رأس لحود بتحوّله هو نفسه إلى رأس السلطة التنفيذية الجديد.

بيد أن القرار النهائي، على أي حال، حول اسم رئيس الجمهورية الجديد سيكون في عهدة الكوندومينيوم (الحكم المشترك) الأمريكي - الفرنسي، الذي بات يحكم لبنان بعد انسحاب القوات السورية وتهاوي الكوندومينيوم الأمريكي - السوري.

مصير الأسد

الصورة مع الرئيس بشار لا تبدو على هذا النحو. فهو لا يزال قادراً (حتى الآن على الأقل) على تقرير بعض مصيره بنفسه، والخيارات التي قد يتخذها اليوم قبل الغد، سيكون لها تأثير واضح على صراعه من أجل البقاء بعد غد.

لماذا يمتلك بشار ما لا يحوز عليه لحود؟ لأسباب عدة:

· الأمريكيون، وبعد أن قرروا قبل أشهر (كما ألمحت مراراً الصحف الأمريكية) استبدال الأسد برئيس جديد، فرملوا هذا التوجه بعد أن أكدت دراسات مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي وهيئات بحثية أخرى بأن بديل بشار سيكون أسوأ منه بالنسبة للمصالح الأمريكية.

· والفرنسيون توصلوا إلى الاستنتاج ذاته، وأضافوا إليه رغبتهم في منح بشار فرصة أخرى ليعود إلى الحضن الفرنسي، الذي هجره بُـعيد 11 سبتمبر 2001 ليحاول الحصول على حماية الحضن الأمريكي دون جدوى.

· ثم أن التغييرات الأخيرة التي أدخلها بشار في بنية السلطة السورية قبل أشهر، والتي شملت مناقلات شاملة في الأجهزة الأمنية والعسكرية (والتي توجّـت على ما يبدو في "إستنحار: اللواء غازي كنعان!)، منحته فرصة ثمينة لالتقاط أنفاس.


هذه العوامل إذن جعلت الرئيس السوري في موقع مغاير لموقع الرئيس اللبناني. لكن إلى متى؟

لا يبدو أن فسحة الوقت هذه تبدو كبيرة. فالمحقق الدولي دتليف ميليس يقف وراء بشار، والمراقب الدولي تيري رود لارسن أمامه، ولا مفر. الأول سيطالبه، عملياً، عبر قرار مجلس الأمن رقم 1595 بتغيير طاقم حكمه بما في ذلك صهره آصف شوكت، مدير المخابرات العسكرية وحتى شقيقه ماهر، والثاني سيضغط عليه، عبر قرار 1559 للتخلي عن كل الأدوار الإقليمية السورية في لبنان والعراق وفلسطين، وهذا يتطلب بدوره إدارة سياسية سورية من نوع جديد.

ماذا يمكن لبشار أن يفعل؟

المحلل السياسي البريطاني باتريك سيل، المقرّب من عائلة الأسد الحاكمة، حض الرئيس السوري قبل أيام على حسم الأمور مع شقيقه ماهر، تماماً كما فعل والده حافظ مع شقيقه رفعت عام 1983، وهو(سيل) تحدث عن وجود دعم بين كبار ضباط الجيش السوري لبشار لمواجهة القوات الخاصة التي يقودها ماهر وتتحكم بمداخل العاصمة السورية.

وفي الوقت ذاته، كان حلفاء الأسد، الإيرانيون واللبنانيون والفلسطينيون، يدعونه إلى الحفاظ على وحدة النخبة الحاكمة السورية من خلال رفض محاكمة ماهر وشوكت خارج سوريا، ويبشرونه بمجابهة مع الغرب قد لا يخرج منها خاسراً بالكامل.

حتى الآن، يبدو أن الأسد ما يزال يتأرجح بين هذين الخيارين الخطرين. والأرجح، أنه سيواصل البحث عن مخرج ثالث قد يجنّـبه الكؤوس المّرة التي يتضمنها هذان الخياران. ويتمثّـل هذا الخيار في العمل لكسب الوقت عبر الإعلان عن استعداده للتعاون مع لجنة التحقيق الدولية من خلال تشكيل لجنة تحقيق سورية خاصة، كما أعلن يوم السبت الماضي، مع تنشيط الرهان على أدوار روسيا والصين لمنع فرض حصار كامل على بلاده.

بيد أن هذا التوجه يواجه صعوبات جمة، منها مثلاً: هل سيتضمن الاستعداد للتعاون مع المحققين الدوليين، استعدادا آخر للتحقيق مع آصف شوكت وماهر الأسد خارج سوريا، أو وضع قادة الأمن السوريين المتهمين قيد الاعتقال، كما جرى مع زملائهم في لبنان؟

ومنها أيضا: إلى أي مدى ستعمل روسيا والصين على حماية نظام الأسد؟
الإجابة على السؤال الأول لا تزال غامضة بسبب خطورة الأقدام على مثل هذه الخطوة التي قد تزعزع أسس النظام الأمني السوري الحالي.

أماالسؤال الثاني، فالرّهان السوري على مواقف الدول الكبرى الأخرى قد يفيد قليلاً في تأجيل العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية عليها. لكن التأجيل لن يكون أكثر من ذلك: أي مجرد تأجيل.

ففرنسا وأوروبا في جيب أمريكا، والصين وروسيا تبحثان الآن عن موقع لهما في هذه الجيبة قبل بيعهما للجلد السوري. إنه عصر صفقات الأحادية القطبية مع الدول الكبرى الأخرى، وهو يتجلى الآن بأبهى مظاهره في كوريا وإيران والشيشان، ناهيك عن سوريا ولبنان.

ما لا يتوجب عليه فعله ...

وبالتالي، كي يستطيع بشار العمل، يتعيّـن عليه ألا يفعل أمرين اثنين (وسريعاً):

الأول، أن يتوقف عن الخطأ، أو بالأحرى الخطيئة الإستراتيجية التي تجعله يعتقد أن ورطة أمريكا في العراق ستنقذه هو من ورطته مع هذه الأخيرة ومع الوضع الدولي. العكس هو الصحيح: كلما تأزمت أمريكا أكثر في بلاد العباسيين، كلما ازدادت شبقاً لتعويض خسائرها وهيبتها في بلاد الأمويين ومملكة الفرس وغيرهم.

ثم أن ما كشفت عنه قبل أيام مؤسسة الدراسات الإستراتيجية البريطانية عن أية إدارة أمريكية جديدة تأتي بعد إدارة بوش، ستستبقي القوات الأمريكية في العراق لسنوات عدة، يجب أن يكون منارة تضيء أية حسابات، سواء أكانت تكتيكية أو إستراتيجية.

والثاني، هو أنه إذا كان من الصعب على النظام السوري، في هذه المرحلة، الاستسلام للشروط الأمريكية القاسية، لماذا لا يفكر بـ "الاستسلام" للشروط الفرنسية والأوروبية الأقل قسوة؟ خاصة وأنه بات واضحاً الآن أن السد الوحيد الذي يقف الآن في وجه "الفوضى الخلاّقة" التي يريد المحافظون الجدد الأمريكيون تمديدها إلى سوريا، صنع في فرنسا بمساعدة ألمانية وروسية وصينية.

لقد ارتكبت القيادة السورية الحالية خطأ لا غضاضة فيه حين أدارت ظهرها لجاك شيراك كي تقبّـل وجنتي جورج بوش. لكن هذا خطأ لا يزال بالإمكان ترميمه، خاصة وأن الفرنسيين لم يفقدوا الأمل بعد من إصلاح ذات البين مع دمشق.

وبالطبع، الاقتراب السوري من الفرنسيين سيجعل هؤلاء يبتعدون قليلاً عن الأمريكيين، وسيشجع السعوديين والمصريين على الإطلالة برؤوسهم مجدّداً على مسرح الأزمة، وحينها، سيكون الرهان على الصينيين والروس مجدياُ، ليس لتحدي واشنطن (فهما لا يسعيان لذلك)، بل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في دمشق.

لقد بدأت دمشق تلمح إلى أنها قد تقدِم على إجراءات إصلاحية كبرى في الداخل عبر منح مئات آلاف الأكراد حق الجنسية أو السماح بتعددية الأحزاب، وهذه في حال تحققها، ستكون خطوة كبرى (وإن متأخرة كثيراً) في الاتجاه الصحيح، وستكون أكثر صحة إذا ما ترافقت مع ترميم الوضع الدولي لسوريا مع فرنسا وأوروبا.

لكن، هل يملك الرئيس السوري الوقت الكافي لتحقيق هذه النقلة؟ وإذا كان لديه الوقت، هل لديه القدرة؟

في الإجابة على هذين السؤالين، المرتقب أن تطل برأسها في وقت قد لا يتعدى نهاية السنة الحالية، سنعرف ما إذا كان مصير الرئيس بشار سيكون مختلفاًُ عن مصير حليفه الرئيس إميل، أو مشابهاً له!

سعد محيو- بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.