Navigation

الإصلاح العربي: يبقى الحال على ما هو عليه!

انشغل العالم العربي والإسلامي بقضية الإصلاح التي فجّـرتها الولايات المتحدة عند طرحها لما يُـعرف بالشرق الأوسط "الكبير"، والذي تحوّل إلى الشرق الأوسط "الموسع" بعد أن دخل الأوروبيون على خط التغيير في المنطقة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 ديسمبر 2004 - 15:16 يوليو,

ورغم بعض المبادرات والتحركات المحدودة، تبدو الحصيلة دون المؤمل بكثير..

على مدار ما يقرب من عام، بدت قضية الإصلاح هي الأكثر جذبا للحوار الفكري والسياسي في المجتمعات العربية كلها، والأكثر استقطابا لبيانات ورؤى طرحها مثقفون وسياسيون وحزبيون وبرلمانيون عرب من كل حدب وصوب.

كانت دوافع هذه الرؤى واحدة تقريبا، وهي محاولة لطرح تصوّرات محلية بحتة تذكّـر العالم بأن قضية الإصلاح ليست اختراعا أمريكيا، وأن المنطقة تعرف الطريق إلى هذا الإصلاح وتنادي به منذ زمن، وأنها دفعت وما زالت ثمنا غاليا لغياب هذا الإصلاح المنشود.

لكن الدخول الأمريكي على الخط، كان أشبه بعملية اختطاف أضرّت بالقضية، وأثارت كمّـاً من التشويش والخلط لم يكن معهودا من قبل، حيث وقف كثيرون في مجال مناوشة المشروع الأمريكي وكأنهم يدافعون عن الجمود الساري في أوصال مجتمعاتهم.

وبينما الأمر على هذا النحو من التشويش والارتباك، تبلورت قضية فكرية وسياسية قوامها من يقوم بالإصلاح، الداخل الذي يعرف ماذا يريد وكيف يريد، أم الخارج الآتي عن بُـعد ومعه تصورات مغلوطة ومرتبكة عن المنطقة وقضاياها، وإن أراد تغييرا فيها، فهو التغيير الذي يخدم مصالحه بالدرجة الأولى، وفي الحالة العراقية دليل دامغ.

ومع قدر من التفكير والتروي، أخذت الكفة تميل في الحوار العام إلى إدراك أن الإصلاح، الذي هو فعلٌ منظم ومُـبرمج للتغيير السلمي على قاعدة من القانون والدستور، ليس منه مناص، لأن البديل القائم من الجمود السياسي والتكلس الاقتصادي والتخلف الثقافي هو المسؤول عن كل النكسات والهزائم والتخلف الذي يُـعشّـش في البلاد.

ومن هنا، جاءت المبادرات المحلية، التي حاولت تأكيد معنيين. أولهما، أن أهل البلاد أولى بإصلاحها، وأن الرؤى الأمريكية أو الأوروبية ليست المناسبة لطموحات الشعوب والمجتمعات العربية. لكن الحصيلة العملية لم تزد عن جملة تصورات نظرية، ممتازة في حدّ ذاتها، صاغها نشطون ومثقفون، بيد أنها لم تتحوّل إلى برنامج للفعل الشعبي المنظم، تتألف حوله المجموعات والقوى السياسية بُـغية تمكينه عمليا، في هذا المجتمع أو ذاك.

ورغم الزخم الذي تعيشه مجموعات المثقفين وحزبيين عرب في أكثر من بلد عربي، وسعى بعضها، كما في مصر مثلا، إلى فرض تغييرات سياسية ودستورية في الشهور المقبلة، لم يتحول الأمر بعدُ إلى حركة شعبية جماهيرية عامة تدفع إلى التغيير المنشود، فيما يمكن استثناء لبنان الذي يشهد تفاعلات سياسية مثيرة، وانقساما حادّا بين القوى والأحزاب السياسية، وذلك على خلفية القرار الدولي 1559، الداعي إلى خروج سوريا من لبنان.

أفعال رسمية رمزية

وبالرغم من كثرة الوثائق الرسمية وغير الرسمية التي صدرت خلال العام من أكثر من بلد عربي، كمصر واليمن ولبنان وتونس وغيرهم، والتي أوضحت معنى الإصلاح ومستوياته، وتلك التي أصدرتها قمة تونس العربية في مايو من العام نفسه، وحملت تعهّـدات من القيادات العربية وإصرارا على الإصلاح والتطوير والتغيير المحسوب، إلا أن الشعوب العربية لم ترى أكثر من كلمات وعهود ووعود براقة.

وربما جرت خُـطوات مُـثيرة وواعدة في بعض البلدان، كالحوار الوطني في السعودية والإعلان عن انتخابات بلدية ستجرى في ربيع عام 2005. لكن في المقابل، حدث تراجع كبير في مجال الحقوق المدنية والحريات العامة في سوريا، وظل الأمر سجالا في السودان ومصر وتونس والجزائر وغيرهم.

والصحيح أن قضية الإصلاح ليست عملا سحريا يحدث بين عشية وضحاها، وطالما تظل بحاجة إلى تفاعل صحي بين مكونات الدولة والمجتمع، وفترة مناسبة من الزمن لكي تحقق تغييرا ملموسا في مجمل البيئة السياسية المحلية، فإن الخطوات التي أقدمت عليها العديد من الحكومات العربية لم تخرج عن حيّـز الأفعال الرمزية، من قبيل إنشاء مجالس قومية أو بالأخرى لجان حكومية وشبه حكومية لحقوق الإنسان أو لتحسين أوضاع المرأة، وبعض مبادرات جزئية لتحسين مستوى التعليم، ووعود بحوار وطني يشمل القوى السياسية جميعها، ومناظرات لمناقشة بعض القضايا الوطنية الحساسة، ووعود أخرى لتغيير قوانين الانتخاب والممارسة السياسية، وتأكيدات بإفساح المجال أمام القطاع الخاص المحلي للمزيد من المشاركة في خطط التنمية الوطنية.

القول برمزية غالبية هذه الأفعال، يستند بالأساس على أنها لم تفسح المجال لأكثر من تنفيس جزئي وهامشي لحالة الاحتقان السياسي التي تسود غالبية البلدان العربية، في الوقت الذي يُـفترض فيه الإقدام على خطوات كبرى، تُعبّـر عن درجة من القطيعة مع حالة الجمود والتكلس السياسي السائدة في تلك البلدان.

الأكثر من ذلك، فلم يصدر عن أي بلد عربي ما يُـمكن وصفه بخطة إصلاح شاملة ذات برنامج زمني، إذ تمترس الحكام وراء مقولة إنهم قد بدءوا الإصلاح والتطوير منذ فترة طويلة، وأنهم بالفعل في حال إصلاح، ولم يفسّـر أحد حالة التكلس السياسي السائدة هنا وهناك رغم هذا الإصلاح المزعوم.

مقولات لتأخير الإصلاح

لم تكن هذه المقولة هي الوحيدة التي سادت الخطاب العربي الرسمي، وهيمنت على الفعل الإصلاحي الغائب. فقد تعدّدت المقولات الرسمية التي طُـرحت لتبرير بقاء الحال على حاله. من ذلك، أن الخصوصية التي يتمتّـع بها أي مجتمع تفرض تصورا إصلاحيا مختلفا ينبع من الداخل ولا يفرض من الخارج.

والمقولة صحيحة نظريا وعمليا، إذا تم النظر إليها من زاوية أن لكل بلد عربي مستوى معين من التجربة السياسية والاجتماعية، وما ينفع في البلد "ألف" قد لا ينفع بالضرورة في البلد "باء"، لكن توظيف تلك المقولة جاء في إطار رد الفعل على المقولات الأمريكية والغربية التي نادت بتغيير الأنظمة العربية الجامدة، بل الأكثر من ذلك، فقد بدت الخصوصية المطروحة ليست أكثر من غطاء لبقاء النخبة نفسها والنظام ذاته دون أدنى تغيير يذكر. فحتى أعضاء مجالس حقوق الإنسان التي شكّـلتها بعض الحكومات العربية جاءوا من النخبة الحاكمة نفسها، والأمر نفسه في مجالس المرأة والقطاع الخاص وهكذا.

امتدت مقولة الخصوصية هذه إلى اصطناع إشكالية الأولوية في الإصلاح، هل للمجال السياسي أو للتحول الاقتصادي أم للفضاء الثقافي والاجتماعي؟ فيما بدا أن الأمر مقصود منه إرباك النقاش العام، وإدخاله في متاهات عسى ألا يخرج منها.

والواضح هنا، أن التفرقة بين هذه المجالات المتداخلة والمتكاملة بطبيعتها، والنظر إلى كل منها على حدة، كان يستهدف الخروج بأولوية الاقتصادي ثم الثقافي، وتأخير ما هو سياسي.

ولذلك، فقد بدا مثيرا أن تجتمع غالبية القيادات العربية على إعطاء الأولوية لما سُـمي بالإصلاح الاقتصادي، وتصحيح الاختلالات الاجتماعية، وتحسين مستويات المعيشة كشرط مسبق لأي إصلاح سياسي.

وكان التبرير، وما زال قائما، على اعتبار أن من شأن إفساح المجال لتداول سلمي للسلطة وانتخابات حرة في وقت تعيش فيه الغالبية تحت ضغوط اقتصادية كبيرة، أن يأتي بقوى غير ديمقراطية، وهو التعبير المهذب لقوى إسلامية أو سياسية تتمتع بقدر من الجماهيرية، ولكنها لا تحظى بالاعتراف من النخب الحاكمة نفسها، فيما أظهر أن هدف النخب الموجودة هو الاستمرار في الحكم دون التخلي عنه، بحجة قيامها بالإصلاح الاقتصادي.

غياب أولويات التغيير السياسي السلمي، كما جرى في غضون عام 2004، من شأنه أن يجعل الحديث عن أولوية الإصلاح الاقتصادي، يليه الإصلاح الثقافي، بمثابة مهرب من التزامات الإصلاح الحقيقية، فلا تغيير حقيقي إن غاب الناس عن المشاركة في صنع القرار وفي اختيار من يحكمونهم بكل حرية وكرامة.

د. حسن أبو طالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.