Navigation

التحالف الدولي .. بين العرب وإسرائيل

حرص الولايات المتحدة على مشاركة أطراف عربية رئيسية في التحالف الدولي ضد الارهاب قد يدفع بالدور الاسرائيلي إلى التواري مؤقتا. Keystone

للمرة الثانية، وفى غضون عقد واحد تكتشف الولايات المتحدة ان إسرائيل تشكل أحيانا عقبة كبرى أمام مصالحها المباشرة فى الشرق الأوسط، وان على تل أبيب أن تتوارى عن الأنظار وتخضع لبعض القيود في المراحل العصيبة حتى يمكن للولايات المتحدة ان تتابع حماية مصالحها الذاتية المباشرة، والتى تتضمن فى هذه المرة استعادة الهيبة الجريحة والمكانة العليا التى فقدت ولو لعدة لحظات على مرأى ومسمع من العالم بأسره.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 سبتمبر 2001 - 15:13 يوليو,

كانت المرة الأولى ما جرى إبان الإعداد للتحالف الدولى الذى قادته وشكلته الولايات المتحدة بعد غزو العراق للكويت فى أغسطس 1990، والمرة الثانية هى تلك التى تجرى وقائعها الآن، حيث يجب على إسرائيل أن تلبى بعض طلبات أمريكية قوامها المشاركة الجادة فى تهدئة الوضع المتفجر مع الفلسطينيين، وأن تتوقف عن وصف عرفات بأنه بن لادن حيث أن الآخر حسب رسالة التوصية من السفارة الأمريكية فى تل أبيب الى حكومة شارون هو ظاهرة شاذة وغريبة، كما على شارون أن يقبل بلقاء عرفات / بيريز الذى خطط له الأوربيون قبل التفجيرات التى شهدتها الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر الجارى بهدف تطبيق توصيات ميتشل واستعادة الأمل فى حل سياسى يوقف دائرة المواجهات ويقلل الانتقادات التى توجه بقوة الى الولايات المتحدة وانحيازها السافر الى اسرائيل وعدوانيتها غير المسبوقة.

والصحيح ان رئيس الوزراء الاسرائيلى شارون قد صرح بأن بلاده لا تنوى دفع الثمن مقابل مشاركة الدول العربية والإسلامية فى التحالف الدولى الذى تعمل واشنطن على إقامته لمواجهة منظمات الإرهاب الدولى، لكن الصحيح أيضا أن إسرائيل لا تستطيع أن تكون بديلا كاملا للدول العربية وفى المقدمة مصر والسعودية والإمارات العربية والأردن، او الإسلامية لاسيما إيران وباكستان، والتى تعمل واشنطن على ضمهم جميعا فى التحالف ضد الإرهاب.

ذلك أن وجود إسرائيل يعنى خروج هذه الدول من التحالف، ومن ثم يتحول الأمر كله الى صورة من صراع الحضارات، او تكرار لتجربة تاريخية قديمة، ولكنها ما زالت ماثلة فى أذهان الكثيرين فى منطقة الشرق الاوسط، حين هاجمت الحملات الاستعمارية الأوربية رافعة شعار الصليب بلاد العرب والمسلمين فى مصر وفلسطين والشام، الى ان قضى أجلها بعد حوالى 300 عام على يد القائد الكردى المسلم صلاح الدين الأيوبى.

ولاشك أن مصلحة امريكا الكبرى، ومن ورائها الدول الأوربية عموما ـ على الأقل من الناحية الرسمية البحتة ـ أن لا تبدو المعركة ضد الإرهاب الدولى العابر للحدود ، وكأنها حملة تأديبية من دول غربية ذات ثقافة محددة ومحملة ببعد دينى مسيحى، ضد دول تدين بالدين الإسلامي. ففى الوقت الذى تغيب فيه مشاركة دول عربية وإسلامية فى التحالف الجارى تشكيله سيكون من الصعب على الغرب بقيادة الولايات المتحدة تبرير حملته بقيم الحرية والدفاع عن الديمقراطية والأمن للمواطنين.

وربما تحول الأمر إلى مرحلة أخرى من الجهاد الإسلامي المشروع ضد الصليبيين الجدد، وهو ما لا يحقق النتيجة المرجوة أمريكيا وغربيا بأى حال، فالمنطقة الشرق أوسطية بعربها ومسلميها هى مناطق مصالح استراتيجية كبرى للولايات المتحدة، وانضمامها الى حال الجهاد ضد الصليبيين الجدد من شأنه أن يحيل المصالح الى كابوس وخسائر لا تحتمل بأى شكل من الأشكال.

اهتمامات متبادلة، أما الاهداف فمتباينة

الاهتمام الامريكى والغربى عموما بمشاركة الدول العربية والإسلامية، يقابله اهتمام مواز من هذه الدول بالمشاركة ـ ولكن دون اندفاع ـ فى جهود محاربة الإرهاب القائم على ترويع المدنيين، وليس عمليات المقاومة المشروعة ضد أية قوة محتلة غاصبة للأرض والحقوق.

فهناك حذر عربى واضح لا يخفى على العين، فوزير الخارجية المصرى احمد ماهر صرح فى 14 سبتمبر الجارى بأن مصر لا تشارك فى اى تحالفات، وانه لم يعرض عليها أى تحالفات للمشاركة فيها. ووزير الخارجية اليمنى ابو بكر القربى اشار الى عدم وجود ضغوط على بلاده، وفى لبنان أشير الى اتصالات مع الإدارة الأمريكية وتبادل معلومات لا علاقة له بحركة المقاومة الإسلامية المشروعة ضد إسرائيل التى جرت فى السنوات العشرين الماضية.

وفى الحوارات التى أدلى بها الرئيس مبارك الى عدد من محطات التلفزة الأمريكية الكبرى فى الأيام القليلة الماضية أكد على التعاون فى مجال تبادل المعلومات مع الأجهزة الأمنية الأمريكية، ولكن دون أن يتطور الى تعاون عسكرى بمعنى إرسال قوات مصرية الى ارض المواجهة غير المحددة بدقة، وفى التبرير ان أمريكا حسب قول مبارك لديها قوات مجهزة عاليا وليست بحاجة الى مشاركة قوات مصرية ، التى يتطلب خروجها إجراءات كثيرة من بينها موافقة مجلس الشعب.

وفى كل تصريحات الرئيس مبارك تم التركيز على أهمية أن تنتهى التحقيقات التى تجريها الأجهزة الأمريكية الى أدلة دامغة بإدانة أطراف معينة، وليس توجيه الاتهامات والقيام بمغامرات عسكرية تلبية لرغبة انتقامية وحسب.

والظاهر من الحوارات التى تمت بين الإدارة الأمريكية والدول العربية الأساسية كمصر والسعودية والإمارات أن التعاون التى ستلتزم به هذه الدول سيكون محصورا فى مجال المعلومات عن الأفراد المشتبه بهم، ولن يتطور الى أى صيغة أخرى إلا بعد التأكد من قيام الولايات المتحدة بدور فاعل فى لجم العدوان الإسرائيلى، وفى إعادة الطرفين الإسرائيلى والفلسطينى الى مائدة المفاوضات، وفى منع إسرائيل من استغلال الظروف الراهنة للإجهاز على السلطة الوطنية الفلسطينية والتنصل من كل التزامات العملية السلمية السابقة. كما أن الدول العربية، وورائها الدول الإسلامية لا يمكنها أن تكون فى خندق واحد مع إسرائيل أيا كانت الأسباب، فتلك معضلة كبرى لا يمكن تبريرها أمام الشعوب العربية والإسلامية، بل أنها ـ أي المشاركة فى جهد دولى أو تحالف دولى وظيفى مع اسرائيلى ـ يمكن أن تقود الى ثورة الشعوب وقلائل داخلية لا يمكن السيطرة عليها.

والمؤكد أن هذه المشاركة فى وجود اسرائيل ستفقد كل الدول العربية والإسلامية المنخرطة شرعيتها ومصداقيتها أمام شعوبها.

وللارهاب جذور أخرى

وهكذا تبدو المقارنة أمام الإدارة الأمريكية: إما مشاركة إسرائيل فى التحالف الجارى تشكيله، وفى المقابل فقدان مشاركة دول عربية وإسلامية رئيسية، وبالتالى فقدان غطاء سياسى ومعنوى معتبر، بما يعنيه ذلك من مخاطر تحول المواجهة الى صدام حضارات مفتوح غير مأمون العواقب، وإما دفع إسرائيل الى الظل، بل وإجبارها على القيام ببعض خطوات تسهل مشاركة الدول العربية والإسلامية، حتى تتوافر للتحالف الدولى المزمع شروط مناسبة للنجاح .

وفى كلا الحالتين فقد وضح تماما للإدارة الامريكية ـ وحتى وإن لم تعبر عن ذلك صراحة ـ أن هناك علاقة قوية بين ما يجرى فى فلسطين المحتلة وبين اتجاهات الرأى العام العربى والاسلامى المناهضة للسياسة الامريكية، وان هذه الاتجاهات مستندة الى حالة الانحياز التى تبديها واشنطن لاسرائيل ، ومواقف اللامبالاة التى عبرت عنها ادارة بوش الراهنة تجاة معاناة الفلسطينيين التى وصلت الى الأفاق.

وتبدو الضغوط الامريكية القوية التى تمارس الان على شارون، وإن كانت غير معلنة بتفاصيلها، شبيهة بتلك التى شهدتها اسرائيل قبل أحد عشرة عاما، وكأن التاريخ يعيد نفسه، حين أجبرت إدارة الرئيس بوش الأب حكومة إسحاق شامير الليكودية المتطرفة على التوارى والكمون رغم سقوط عدة صواريخ سكود عراقية علي مناطق إسرائيلية، والخروج من أى جهد عسكرى لمواجهة العراق، وهو التوارى الذى سهل مشاركة دول عربية رئيسية مثل مصر وسوريا فى الحشد العسكرى الذى قام بتحرير الكويت.

وكما حاولت حكومة شامير قبل اكثر من عقد من الزمن استغلال الظروف للحصول على ثمن كبير من الإدارة الأمريكية ـ تمثل آنذاك فى الحصول على عدة بطاريات من صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ وتسهيلات ائتمانية بعدة مليارات من الدولارات تضمنها الحكومة الأمريكية لم تدفعها إسرائيل لاحقا، وطائرات ومعدات حديثة ـ فإن حكومة شارون لن تخرج عن هذا الإطار، أى السعى الى الحصول على ثمن مقابل التجاوب مع رغبة أمريكا المزدوجة : عدم المشاركة فى التحالف ضد الإرهاب، وتهدئة الوضع مع الفلسطينيين وتطبيق توصيات لجنة ميتشل، وهو ثمن اعتادت ان تدفعه الإدارة الأمريكية فى مناسبات سابقة دون الحصول من إسرائيل على أى موقف يسند مصالحها الكبرى فى المنطقة. ولذلك لن يكون غريبا ان نسمع فى الأيام المقبلة عن إمدادات عسكرية أمريكية متطورة لإسرائيل مكافأة لها على تجاوبها مع الحملة الأمريكية لمواجهة الإرهاب.

د. حسن أبو طالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد:

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟