تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

التصعيد الأخير

تسعة وعشرون قتيلا فلسطينيا وعشرة اسرائيليين في ثمان واربعين ساعة، فماذا وارء هذا التصعيد؟

(Keystone)

يتساءل الكثيرون عن أسرار التصعيد الأخير ومغزاه واهدافه، سواء في زيادة استخدام القوه من قبل قوات الاحتلال وكذلك تشديد القيود على حركة الفلسطينيين، أو تصعيد أعمال المقاومة والانتفاضة الفلسطينية وأيهما سبب للثاني؟

كالعادة تدور معظم النقاشات والتفسيرات في المجالات التقنية والسطحية والعسكرية، وكذلك يتمحور الفحص لهذا التصعيد في الجانب الفلسطيني بالدرجة الاولى.

ربما يمكن الوصول إلى تفسيرات اكثر عمقا إذا بحثنا أيضا عن أسباب في واشنطن، لان غياب الأفق السياسي، وغياب المبادرة السياسية، وبكلمات أخرى الفراغ السياسي، هو السبب الأعمق والأبعد مدى لتفسير هذا التصعيد.

فكلا الطرفين يبحثان عن مخارج، والمخارج فقط سياسية، والولايات المتحدة ومنذ مدة قررت وفعلت احتكار الإشراف الدولي على عملية السلام. واشنطن قررت محاولة الضغط على الفلسطينيين لإحداث تغيير في مواقفهم عن طريق الامتناع عن التحرك ووقف جهودها وإرسال موفديها.

عواقب غياب المخرج السياسي

في هذه الحالة وجدت اسرائيل حرية لاستخدام ميزتها العسكرية، وهي أيضا اللغة الوحيدة التي يستطيع شارون التحدث بها، والجانب الفلسطيني أيضا وجد نفسه في اختبار من حيث القدرة على التعامل بنجاح مع حرب شارون، كما قرر الفلسطينيون، ودون اجتماعات، بان يستوعبوا حرب وضربات شارون دون شكوى وكذلك أن يعبروا عن قدرة على الرد مهما كانت الاغلاقات والضغوطات.

فتاريخ العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية منذ الاحتلال قبل 35 عاما كان تاريخ مقاومة للاحتلال تتراوح في عنفها وسلميتها، وتاريخ عنف إسرائيلي لتثبيت هذا الاحتلال، لذا فإنه من المهم جدا ملاحظة ان السنوات الأربع او الخمس التي خلت من العنف هي السنوات التي شهدت وجود آفاق سياسية لإنهاء الاحتلال سلميا، ويمكن الاستشهاد هنا باقتباس من الصحفي الاسرائيلي داني روبنشتاين الذي ذكر الإسرائيليين بضعة أسابيع قبل بداية الانتفاضة بان "آخر حادثة عنف فلسطينية ضد إلاسرائيليين كانت قبل أربع سنوات".

هذا طبعا بالرغم من حقيقة ان إسرائيل بالمقابل لم تضيع يوما من أيام عملية السلام دون توسيع مستوطناتها الغير شرعية في الأراضي المحتلة بالرغم من ان ذلك يتناقض ليس فقط مع القانون الدولي بل قواعد عملية السلام ومرجعياتها.

علاوة على هذا، فالانتفاضة باعتبارها نقل العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية من علاقة تفاوض إلى صراع عنيف، كانت مبادرة اسرائيلية، إذ أن براك هو الذي أرسل خصمه المتطرف شارون إلى المسجد الأقصى في القدس وليس عرفات هو الذي أرسل خصمه المتطرف الشيخ احمد ياسين إلى كنيس في تل أبيب، وإسرائيل هي التي واجهت احتجاجات سلمية فلسطينية على زيارة شارون بواسطة قتل ما معدله عشرة فلسطينيين باليوم في أول عشرة أيام من هذه الانتفاضة.


فقدان الامل في الوسائل السلمية

خلاصة القول ان الأسباب الجوهرية للتصعيد الأخير هو الفراغ السياسي وانعدام الأمل لدى الفلسطينيين عن طريق سياسي، وهذا ناتج عن اتجاه في واشنطن لترك الفلسطينيين للضغط العسكري الاسرائيلي والامتناع عن تقديم مبادرات او إرسال مبعوثين.

بالطبع هناك أسباب اخرى مباشرة وهي حدة العنف الاسرائيلي الذي أدى حتى ألان الى مقتل تقريبا تسعمائة فلسطيني وعشرات الألاف من الجرحى، إضافة الى هدم مئات البيوت وخلع عشرات الألاف من الاشجار. هذه القسوة الإسرائيلية تولد رغبة في الانتقام وكره وعداء فلسطيني وكذلك فقدان الأمل بالوسائل السلمية.

إضافة لذلك فان استمرار الممارسة العسكرية من قبل الفلسطينيين توادي الى المزيد من الخبرة والفعالية، الأمر الذي عكس نفسه في نجاحات متميزة من حيث فعالية الأداء العسكري مثل تفجير الدبابة وقتل ستة عسكريين على الحاجز.

ما حصل حتى الان هو ليس اخطر ما يمكن ان يحدث، اذ لو استمرت هذه الأحداث وهذا الصراع الدامي فقد يحدث في فلسطين ما حدث في إسرائيل قبل عام عندما استولى على الحكم في إسرائيل المعسكر المعارض لعملية السلام برأسه شارون. في هذه الحالة سوف يتحول الصراع من صراع الحدود وعلى الاحتلال إلى صراع على الوجود، اي يعود إلى ما كان عليه من صراع على فلسطين التاريخية.

توقيت المبادرة السعودية

في هذه الأجواء المشحونة بآفاق التصعيد، ظهرت مبادرة ذكيه وفي وقتها من ولي العهد الأمير عبدالله، وهي مساهمة هامة في المعركة الدبلوماسية والسياسية الجارية، والتي كسبتها إسرائيل حتى ألان من حيث إقناع العالم بعدم وجود مبادرة عربية وكذلك استخدامها أحداث الانتفاضة للتشكيك في نوايا الفلسطينيين والعرب السلمية.

هذه المبادرة تكمل الجهد الكفاحي الفلسطيني، فقد نجح الفلسطينيون في تحدي الانتفاضة حتى ألان وجاءت مبادرة الأمير عبد الله لتقول: يوجد بديل، والعرب مستعدون لمبادلة حقيقية للأرض المحتلة كلها مقابل توفير السلام الشامل وعلى أساس الشرعية الدولية والقانون الدولي.

آفاق نجاح هذه المبادرة متوقف على الموقف الاسرائيلي والأمريكي، فإذا تم التقاطها ربما تصبح بداية لعودة الطرفين الى حالة التفاوض بدل حالة الصراع الدامي. ولكن هذا يتوقف على الصراع الداخلي في إسرائيل حيث لفت الانتباه ترحيب اليسار وإهمال الحكومة.

إلا أن وجود شارون في الحكم لا يعطي فرصة لمثل هذه المبادرات الإيجابية، ولكنها في الوقت نفسه تساهم في إحراجه داخليا وخارجيا، ووجود دعم أمريكي لهذه المبادرة سيساهم كثيرا في مزيد من هذا الاحراج، مع الاشارة إلى أن وجود مستويين للمعركة، ميداني ودبلوماسي، يعزز الموقف الفلسطيني ويحرج شارون، وهذا يعزز أهمية التنسيق والتكامل في الأدوار بين الجهد الفلسطيني والعربي.

د.غسان الخطيب - القدس

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×