ضريبة الكربون على حدود أوروبا: كيف ستُغيّر قواعد التجارة وسياسات المناخ؟
بدأ الاتحاد الأوروبي مطلع هذا العام فرض رسوم كربونية على سلع مستوردة، مثل الفولاذ والإسمنت، في خطوة تعيد وصل السياسة التجارية بالسياسة البيئية بعد عقود من الفصل بينهما. في هذا المقال، نشرح كيف تؤثر آلية تعديل حدود الكربون "سيبام" (CBAM)رابط خارجي ، في تشكيل سياسات المناخ والتجارة داخل أوروبا، وخارجها.
اتسم نهج سويسرا تجاه الضريبة الجديدة بالحذر؛ فليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي، ومُعفاة من تطبيق آلية تعديل حدود الكربون. ومع ذلك، تعتزم سويسرا هذا العام إعادة تقييم موقفها من هذا النوع من أنظمة ضرائب الكربون. في المقابل، حذّرت دول نامية من زيادة المخطط الأوروبي أعباءها المالية، رغم مسؤوليتها التاريخية المحدودة عن الانبعاثات. وبينما بدأت آلية تعديل حدود الكربون بالفعل بإحداث أثر ملموس، سيعتمد نجاحها على المدى الطويل على قدرتها على دفع دول أخرى لاعتماد أنظمة تسعير للكربون على المستوى الوطني أو الإقليمي، بما يحدّ من فجوات المنافسة المناخية.
ما هي الضريبة الحدودية الأوروبية على الكربون؟ وكيف تعمل؟
في مرحلتها الأولى، تستهدف الضريبة سلع الإسمنت، والحديد، والفولاذ، والألمنيوم، والكهرباء، والهيدروجين، الداخلة إلى الاتحاد الأوروبي بكميات محددة. ووفقًا لوكالة رويترز، يخطط الاتحاد الأوروبي لتوسيع نطاقها لتشمل قطع غيار السيارات، والثلاجات، والغسالات، اعتبارًا من 1 يناير 2028.
وبدلًا من دفع ضريبة مباشرة، يتعيّن على الجهات المستوردة شراء شهادات “سيبام”، العاكسة لحجم الانبعاثات الكربونية المضمَّنة في منتجاتها. ووفق سياسة “سيبام”، يتوجب على شركة سيارات ألمانية تستورد فولاذًا من دولة غير عضو في الاتحاد الأوروبي ولا تعتمد تسعيرًا للكربون، مثل تركيا، حساب الانبعاثات المتضمَّنة في الفولاذ وفي عملية الشحن، ثم تشتري العدد المقابل من شهادات “سيبام”. أما إذا كانت الدولة المصدر تطبّق تسعيرًا للكربون، فسيستوفي الاتحاد الأوروبي الفرق بين السعر المحلي وسعره في تلك الدولة.
وتعتمد سياسة “سيبام” على نظام تسعير الكربون القائم في الاتحاد الأوروبي. فمنذ عام 2005، يخضع الجزء الأكبر من الانبعاثات الصناعية داخل التكتل لنظام يُحمّلها كلفته بموجب نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات (EU ETS).رابط خارجي وترتبط أسعار شهادات “سيبام” مباشرة بسعر الكربون في هذا النظام.
+ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون: سويسرا تلتحق بمنظومة الاتحاد الأوروبي
ويتزامن التطبيق التدريجي للضريبة الجديدة مع الإلغاء التدريجي لحصص الكربون المجانية، التي كانت تُمنَح للقطاعات الملوِّثة الخاضعة لنظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات، والمُصنَّفة على أنها معرَّضة لخطر “تسرّب الكربون”. أي نقل الإنتاج عالي الانبعاثات إلى الخارج لتجنّب السياسات المناخية الصارمة في الاتحاد الأوروبي. وذلك لمساعدتها على الانتقال إلى تسعير الكربون تدريجيًا، دون إحداث صدمات اقتصادية حادة.
لماذا أدخل الاتحاد الأوروبي هذه الضريبة على ثاني أكسيد الكربون؟
تندرجح آلية “سيبام” ضمن الصفقة الخضراء الأوروبيةرابط خارجي. وهي حزمة سياسات أطلقتها أوروبا عام 2019 لتحقيق الحياد المناخي بحلول 2050.
ويقول الاتحاد الأوروبي، ستساعد آلية التعديل على خفض الانبعاثات داخل الاتحاد الأوروبي، وعلى امتداد سلاسل التوريد المرتبطة به. كما ستحمي الصناعات الأوروبية كثيفة الكربون، من المنافسة غير العادلة مع شركات في دول ذات قواعد مناخية أضعف. وتهدف أيضًا إلى الحد من “تسرّب الكربون”.
ويؤكد التكتل أيضًا تشجيع “سيبام” ممارسات أكثر استدامة على مستوى العالم. إذ يمكن للدول تجنّب دفع الضريبة من خلال فرض سعر مكافئ للكربون على الإنتاج المحلي.
ما أثر هذه الضريبة؟
ترى الجبهة المؤيدة للسياسة أنّ آلية “سيبام” تمثل تحوّلًا كبيرًا في التجارة العالمية؛ إذ تدمج سياسات المناخ في قواعد التجارة. كما تشجّع الشركات على خفض كثافة الكربون في عملياتها الإنتاجية.
وتصفرابط خارجي كاثرين وولفرام، أستاذة اقتصاد الطاقة في كلية سلون للإدارة بمعهد “إم أي تي” (MIT)، هذه الخطوة بأنها “أكثر التحولات الواعدة”، التي شهدتها خلال عشرين عامًا من دراسة سياسات المناخ.
وتبدو السياسة مؤثرة في الحكومات حول العالم. ففي حديث لها مع وكالة “فرانس برس” (AFP)، تشير أورورا دابريلي، من الرابطة الدولية لتجارة الانبعاثات، ومقرها سويسرا، إلى أنّ العام الماضي شهد “تحولًا واضحًا وملموسًا” في ردود الفعل. فقد قامت دول، مثل الصين، بتوسيع تسعير الكربون، وأطلقت دول أخرى، مثل تركيا، أنظمة تداول للانبعاثات طال انتظارها.
وفي سياق تطوير سياساتها، تشير اليابان صراحةً إلى آلية “سيبام”. بينما تخطط المملكة المتحدة لإطلاق آلية مماثلة اعتبارًا من 2027. كما تدرس أستراليا، وكندا، وتايوان، اعتماد تسعير الكربون، أو توسيعه.
ويُقدّر التقييم الرسمي للاتحاد الأوروبي أن آلية “سيبام” ستؤدي إلى خفض انبعاثات التكتل بنسبة 13،8% رابط خارجيبحلول عام 2030 مقارنةً بمستويات عام 1990، وإلى خفض بنحو 0،3% في بقية أنحاء العالم.
ما موقف سويسرا من هذه الضريبة؟
تُعفى السلع السويسرية حاليًا من تطبيق سياسة “سيبام”، لربط سويسرا نظامها لتداول الانبعاثات بنظام الاتحاد الأوروبي منذ عام 2020. ويعني هذا دفع الشركات السويسرية سعرًا للكربون قريبًا من السعر المعمول به داخل الاتحاد الأوروبي، وخضوعها لقواعد تنظيمية مماثلة. كما يسمح هذا الربط بالاعتراف المتبادل بحصص الانبعاثات. فتتعامل الجهتان معها على نحو متكافئ. وبموجب اتفاق ثنائي بشأن نظام تداول الانبعاثات، لا تلتزم سويسرا بتطبيق “سيبام”.
في عام 2023، نصحترابط خارجي السلطات السويسرية بعدم إدخال آلية تعديل حدودية للسلع المستوردة على غرار الاتحاد الأوروبي. وأرجعت ذلك إلى التكاليف، والمخاطر التنظيمية والتجارية على تنافسية الاقتصاد السويسري، وانفتاحه التجاري. وقالت الحكومة: “سيبام” “لن تفيد سوى القليل من المنشآت السويسرية الصناعية كثيفة الكربون، وستُلحق الضرر ببقية قطاعات الاقتصاد السويسري”.
ومع ذلك، لا يزال الموضوع محل نقاش بين السلطات التشريعيةرابط خارجي. ففي أكتوبر 2025، اعتمدت لجنة برلمانية مبادرة لإنشاء آلية تعديل حدودية سويسرية لواردات مرتبطة بالإسمنترابط خارجي. وتجري مشاورات عامة مع الجهات الاقتصادية والصناعية، المعنية بشأن مشروع التشريع حتى 20 فبراير 2026. وتخطط السلطات الفدرالية لإعادة تقييم إدخال سياسة “سيبام” سويسرية أوسع بحلول منتصف عام 2026، عقب تقييم مرحلي لتجربة الاتحاد الأوروبي.
وفي إطار سياساتها الداخلية، تطبق سويسرا رسمًا فدراليًا على ثاني أكسيد الكربون. وتنظر إلى هذا الرسم باعتباره ضريبة كربون وطنية تستهدف الوقود الأحفوري، مثل زيت التدفئة والغاز الطبيعي. وتبلغ الضريبة 120 فرنكًا سويسريًا للطن من غاز ثاني أكسيد الكربون، وتهدف إلى تحفيز تقليل استخدام الوقود الأحفوري. أمَّا عائداتها، فيتوزع معظمها على المواطنين والمواطنات والشركات، فيما يذهب جزء منها لتمويل كفاءة المباني والطاقة المتجددة. كما تعتمد سويسرا تسعيرًا للكربون على واردات المركبات، ونظام تداول انبعاثات للجهات الملوّثة الكبيرة، في إطار سعيها لتحقيق الحياد الكربوني.
ما هي الدول التي تعارض الضريبة الأوروبية؟
ترى الدول الأكثر تضررًا من الضريبة أنّها سترفع التكاليف، وتقيّد التجارة، وتبطئ النمو الاقتصادي.
ففي الصين، ورغم توسيعها نطاق تسعير الكربون، وصفتها وزارة التجارة الصينية ب“غير العادلة” و”تمييزية”، محذّرةً من إمكانية تقويضها الثقة وترفيعها كلفة العمل المناخي على الدول النامية. وقد تعهّدت باتخاذ إجراءات مضادة. وللمرّة الأولى، طُرح الموضوع في مؤتمر الأطراف الثلاثين للمناخ (COP30) في البرازيل في نوفمبر الماضي، كأحد محاور الخلاف بين الدول المتقدمة والنامية، عقب ضغوط من مجموعة دول.
كما عارضت الهند، وروسيا، والبرازيل سياسة “سيبام” بشدة، في بيانات رسمية ومواقف دبلوماسية علنية، ووصفتها بالإجراء التجاري أحادي الجانب المتنكر في هيئة سياسة بيئية.
وتقول منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، “الأونكتاد” (UNCTAD)، على الاتحاد الأوروبي مراعاة آثار سياسة “سيبام” على التجارة بعناية. فبينما قد تساعد الآلية على تجنب تسرّب الكربون، سيكون أثرها على تغير المناخ محدودًا، بانخفاض عالمي لا يتجاوز 0،1% في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مع ارتفاع تكاليف التجارة على الدول النامية. ووفقرابط خارجي تحليلرابط خارجي الأونكتاد المنشور في يوليو الماضي، سترفّع سياسة “سيبام” القائمة على سعر كربون يبلغ 44 دولارًا للطن، دخل الدول المتقدمة بمقدار 2،5 مليار دولار. بينما ستخفض دخل الدول النامية بنحو 5،9 مليار دولار.
ويرى جورج زاخمان، المتخصص في سياسات المناخ في مركز الأبحاث” بروغل” (Bruegel) ببروكسل، تمثّل “سيبام” “مكسبًا سياسيًا مهمًا للاتحاد الأوروبي”. ويؤكد اعتماد أثرها طويل الأمد على ما إذا كانت الدول الأخرى ستستجيب من خلال إدخال تسعير فعّال للكربون، أو آليات مماثلة.
لماذا لا يوجد نظام عالمي موحّد لتسعير الكربون؟
يقول فيليب تالمان، أستاذ اقتصاديات البيئة في المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان (EPFL)، إنه في عالم مثالي ستُسعِّر جميع الدول انبعاثات الكربون. لكن في الواقع، تقاوم حكومات كثيرة مثل هذه الإجراءات خوفًا على النمو الاقتصادي.
ويضيف: “تُعدّ هذه السياسة الأوروبية، التي تفرض على الدول المصدِّرة غير الملتزمة بتسعير الكربون كلفة تصحيحية بطريقة ما، أو على الأقل تُعيد تكافؤ الفرص عندما تصدّر سلعها إلى الاتحاد الأوروبي، ردًا أكثر ليونة من إجبارها على فرض سعر للكربون على كامل إنتاجها”. وذلك في حديثه لموقع سويس إنفو (Swissinfo) .
ومع ذلك، “سيبام” هي الأداة المناسبة في اعتقاد تالمان. وكما يقول: “ينبغي خضوع إنتاج الفولاذ في العالم كله لتسعير الكربون. ونظام سيبام وسيلة لتوسيع السعر الأوروبي ليشمل دولًا أخرى. وأرى أنّ على سويسرا المشاركة في هذا الجهد”.
المزيد
لماذا بصمة سويسرا الكربونية أكبر مما يمكن توقعه؟
تحرير: غابي بولار
ترجمة: جيلان ندا
مراجعة: ريم حسونة
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.