Navigation

الجزائر تستعد لعام .. "المجهول"!

اضطرت قوات مكافحة الشغب إلى التدخل لمواجهة احتجاجات اجتماعية ومطلبية في مناطق متفرقة من البلاد (الصورة: دورية أمنية في حي النصر في ضاحية الحامز القريبة من العاصمة يوم 21 نوفمبر 2005) Keystone Archive

انتهى عام 2005 بمرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وباشتباكات عنيفة بين البطالين والفقراء ومحتجين آخرين مع قوات الأمن في مناطق مختلفة من الجزائر.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 يناير 2006 - 21:01 يوليو,

وقد يكون هذا إشارة قوية لما سيكون عليه الحال في 2006 بالنسبة لاستقرار مؤسسات الدولة من جهة، وعلاقة المواطنين البسطاء بالجهاز الإداري من جهة أخرى.

رفض أحمد أويحيي، رئيس الحكومة، طيلة عام 2005 أي زيادة لأجور العمال، وأمر وزراء حكومته بصم آذانهم أمام النقابات المستقلة، وربط بتوجيهات من المؤسسات المالية العالمية بين زيادة الأجور والنمو الاقتصادي العام لأن الدولة لن تزيد من أجور العمال من مداخيل النفط فقط.

غير أن الخبير الاقتصادي الجزائري، عمر أميني، يتساءل حيال إصرار أويحيي في تصريح خاص لسويس إنفو: "من غير المعقول أن ترتفع مداخيل البترول والموظفون في القطاع العام يعيشون تحت خط الفقر في غالب الأحيان، خاصة وأن أجورهم الحالية قادمة من مداخيل البترول أصلا. وهل يعني أويحيي بأن النمو الاقتصادي الذي يزيد من أجورهم سيأتي لهم بالأموال من القطاع الخاص؟".

تبين خلال عام 2005 أن رفض زيادة الأجور أضحت فلسفة لدى غالبية الجهاز الإداري الحاكم، ولو أدى ذلك إلى الإضرار بالشبكة الاستهلاكية الجزائرية المبنية على مصاريف موظفي القطاع العام، وهم المعلمون والأساتذة والأطباء وعمال النظافة والطيارون وهلم جرا.

و يضيف عمر أميني: "على فرضية أن الدولة لا تريد رفع الأجور، مهما كان الأمر، فلماذا لا تُعوم الدينار الجزائري وتحوله إلى عملة صعبة؟ بمعنى أنك إذا كنت ترفض أن تساعد الشعب كي يعتمد على نفسه، فاتركه يعمل بنفسه ولا تخنق أنفاسه".

في نفس السياق الاقتصادي، أمر أويحيي بإصلاح بنكي اعتبره أنصاره ثوريا، وهو الاعتماد على الصك البنكي في التعاملات التجارية عوض التعامل بالسيولة النقدية المباشرة التي شوهت سمعة الاقتصاد الجزائري في الخارج.

يقول عبد الرحمان بن خلفة، رئيس جمعية البنوك والمؤسسات المالية الجزائرية، لسويس إنفو: "لن تزيد مدة التعاملات بين بنك وآخر في إطار العمل بالصك على خمسة أيام، وستصبح كل التعاملات إلكترونية مع نهاية عام 2006، ما يعني أن سرعة التعاملات وأمنها مضمون".

الإستقلال عن الوظيف العمومي

لم يخل عام 2005 من احتجاجات اجتماعية خطيرة استهلك فيها مخزون الشرطة من الغاز المسيل للدموع. ويبدو أن قوات الأمن الجزائري قد طورت أساليب فعالة لمواجهة الاحتجاج الشعبي الذي لم يصل بعد إلى حد إحراج الحكومة أمنيا عندما يغضب الجائعون والعاطلون عن العمل، ويتضح من خلال سير الأحداث أن حالة الطوارئ خدمت مصالح الأمن، وخاصة جهاز الشرطة.

ومن أغرب ما حدث في عام 2005، هو إعلان علي تونسي، المدير العام للأمن الوطني، أن الشرطة سوف "تستقل عن الوظيف العمومي وسترفع أجور المنتسبين إليها بعد خروجهم من الوظيف العمومي نظرا للخدمات الجليلة التي قدموها حفاظا على أمن البلاد"، على حد تأكيد السيد علي تونسي.

وعلى هذا الأساس، من المرتقب أن يُصبح أجر الشرطي في العام 2006 أعلى من أجر الأستاذ والطبيب وقاضي التحقيق، لأن أيا منهم لم يسعفه الحظ كي يستقل من الوظيف العمومي، كما هو حال الشرطة التي تنتظرها أعمال كثيرة بسبب تدهور الوضع الاجتماعي.

تعديل الدستور

شهد عام 2005 أحداثا سياسية كثيرة، من بينها الاستفتاء حول المصالحة والسلم الشامل لذي مهد الطريق "نظريا" أمام عفو نسبي على أعضاء الجماعات المسلحة وأفراد قوات الأمن، الذين لم يتورطوا في جرائم ضد المدنيين. كما مهد الطريق أمام تكفل اجتماعي بمجمل الداخلين في ما سمى بـ"المأساة الوطنية".

ومن المنتظر أن يكون عام 2006 سنة التطبيق العملي لنتائج الاستفتاء، غير أن التوازنات السياسية التي كثيرا ما أشار إليها بوتفليقة، قد ترهن تطبيق القوانين المنبثقة عن الاستفتاء، بسبب رفض جهات عليا في الإدارة والحكم للطريقة التي يفهم بها بوتفليقة المصالحة والسلم الشامل.

وعلمت سويس إنفو، من مصادر مطلعة، أن أنصار المصالحة الشاملة قد انزعجوا مما وصفوه "عراقيل حقيقية في وجه عودة الأمن من قبل متنفذين داخل الحكومة، لا يبالون بتصويت غالبية الجزائريين لصالح مشروع السلم والمصالحة الوطنية".

هناك حديث كثير داخل الطبقة السياسية والأحزاب والحكومة حول مواضيع شتى، من بينها تعديل الدستور، كي يصبح رئاسيا بشكل مطلق يخدم رئيس الجمهورية ويجعله المتصرف الأوحد في شؤون البلاد.

ويتوقع أن يشتد الخلاف بين جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي حول هذا الموضوع، لأن زعيم التجمع وهو رئيس الحكومة أحمد أويحيي له طموحات في خلافة بوتفليقة. أما جبهة التحرير الوطني، التي يرأس أمانتها العامة عبد العزيز بلخادم، فلا مرشح لها في الوقت الراهن غير عبد العزيز بوتفليقة.

ويبدو أن الكثير من أنصار بوتفليقة يريدون بكل الوسائل أن يستجيب لهم القدر لأنهم يرغبون في زيادة صلاحياته الدستورية، كما يريدون زيادة الفترات الرئاسية، من اثنتين إلى ثلاث، مدة كل واحدة منها سبعة أعوام عوض خمسة المعمول بها حاليا.

خلط بعض الحسابات

غير أن مرض بوتفليقة خلط بعض الحسابات و جعلها غير معقولة، خاصة وأن العلم بحيثيات صحة الرئيس يختص بها قوم قليلون جدا. ويبدو أنهم صناع القرار الحقيقيين الذين أوحوا إلى الحكومة و خاصة إلى أويحيي، بالكيفية التي ينبغي التصرف بها خلال الفترة التي اضطر بوتفليقة إلى المكوث فيها بفرنسا أزيد من شهر للمعالجة من نزيف في المعدة على حد قول رئاسة الجمهورية، أو للمعالجة من سرطان في المعدة، على حد قول الصحافة الفرنسية.

خلط الحسابات سيزيد من التنافس على الكعكة، ولا بد من انتظار عودة الرئيس والإطلاع على حالته الصحية لأن ذلك من شأنه إيضاح جدية بلخادم حيال مسألة التعديل الدستوري. فعلى فرضية أن بوتفليقة مريض ولا يمكنه الاضطلاع بمسؤولياته خلال عهدة رئاسية ثالثة، ستضعف عزيمة أصحاب القرار في تجييش المصوتين وتحضير الرأي العام للتصويت بنعم.

كما أن مرض بوتفليقة، لو تأكدت معلومات الصحافيين الفرنسيين، من شأنه إضعاف سير المشاريع التنموية التي يريد بوتفليقة تنفيذها، مما يعني معاناة أكبر للمواطنين واحتجاجات أكثر في الشوارع.

على أن مرض بوتفليقة لا يمنعه من القيام بمهامه ضمن الإطار الذي ينصحه به الأطباء، ليوجه الإصلاحات والأموال الضخمة التي تقرر صرفها على مشاريع عامة من بينها الطريق السريع "شرق - غرب" الذي يربط الحدود التونسية بالحدود المغربية، وعشرات السدود التي ستسقي الأراضي الزراعية وتروي ظمأ سكان المدن الرئيسية، وآلاف المشاريع المتعلقة بإعادة بناء الشبكة التحتية للقرى والمدن.

عام المجهول .. وسؤال بسيط

ليس عام 2005 وحده هو الذي أثبت أن الجزائر قائمة على "قرن ثور" مثلما يقال، بل كل الفترة التي رأس فيها بوتفليقة البلاد قد أثبتت ذلك، لأن توازن الأجهزة التي صرح بوتفليقة بوجودها، وهي التي اقترحته على الجزائريين عام 1999، تتعامل فيما بينها ضمن توازن غامض ليست له قوانين معروفة أو مفهومة. كما أن كل المنتسبين إلى هذه الأجهزة لا يملكون القدرة على التواصل الجماهيري، كتلك التي يملكها بوتفليقة أو أويحي.

لذلك تظهر أهمية وجود رجل يمثل المجموعة، تؤمن به الجماهير، ويضمن التوازن؛ ومرض بوتفليقة أظهر هشاشة هذا الأسلوب، فكل شيء في الدولة يقوم به "فخامة الرئيس وسيادته ومعاليه"، ونادرا ما يتجرأ وزير في الحكومية كي يقوم بشيء من تلقاء نفسه.

في العام 2005، عقد بوتفليقة وأشرف على كل المؤتمرات والتجمعات، بدءا بالقمة العربية التي نظمت في شهر مارس، ووصولا إلى أبسط الندوات الفكرية والشعرية، كما أنه أشرف على كل السياسات والخطوات المتعلقة بالأحداث الأمنية التي لا زالت تدمي المجتمع الجزائري.

تحركات ماراثونية أرهقت الرجل - الذي هو إنسان في المقام الأول - ولو أن مداخيل البترول القياسية التي بلغت 60 مليار دولار قد أسالت لعاب الكثيرين، وزادت من أمل كثريين آخرين في تحسن أوضاعهم الاجتماعية والمادية، إلا أن العام 2006 سيكون عام المجهول بكل المقاييس السياسية والأمنية. فمخاطر انفجار اجتماعي ضخم قائمة، واحتمالات مواجهات سياسية كبيرة قائمة هي الأخرى.

و للأسف لا زال الجزائري البسيط يطرح السؤال الأبسط: "هل الجهاز والدولة هما في خدمة الشعب، أم أن الشعب هو الذي يستعبد من أجلهما ومن أجل بقاءهما؟".

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.