Navigation

الجزائر على حافة البركان

على الرغم من انتشار أعمال العنف والشغب في الجزائر إلا أنها تبقى محلية التحرك وليست من قبيل الثورة العامة. Keystone

تعيش الجزائر منذ ما يقرب من عام ونصف، على وقع إضرابات واضطرابات واحتجاجات، في كل مناطق البلاد من دون استثناء.

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 نوفمبر 2002 - 16:46 يوليو,

إلا أن ما تخلفه من خسائر بشرية ومادية فظيع جدا، لدرجة دفعت الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى التفكير الجدي بأن ما يحدث سوى مؤامرة للإطاحة به...

آخر المناطق الثائرة هي القرى الجبلية والنائية في شرق البلاد. فقد قطع سكان منطقة العثمانية في ولاية ميلة، 450 كلم شرق العاصمة، الطريق الوطنية التي تربط بين شرق وغرب البلاد، و طالبوا بالماء الصالح للشرب وبالعمل وبوسائل نقل توصل أبنائهم بأمان إلى المدارس.

وتُشبه مطالب سكان العثمانية مطالب كل الشبان الذين خرجوا في مناطق أخرى من الجزائر وأحرقوا ما يزيد على خمسين دار بلدية، وما يُماثل نفس العدد من مراكز دفع الضرائب والبريد ومقرات الشرطة والدرك.

ووصل الحد إلى احتجاز رئيس مجلس أحد المقاطعات في جنوب شرق البلاد. واضطر الوالي إلى التدخل من أجل إنقاذه من موت محقق. كما احتجز طلبة الجامعات بعض أساتذتهم وعددا آخر من مديري الأحياء الجامعية بسبب تردي الأوضاع السكنية وسوء التغذية.

نفط .. وفقر؟!

وفي الجنوب، وبالتحديد في المناطق التي يُستخرج منها البترول والغاز، دأب الكثير من الشباب على الخروج للتظاهر وإحراق ما يمكن إحراقه، مُطالبين بأحقيتهم في نتاج ثروة البترول والغاز لأنها تُُستخرج من أرضهم، وبالرغم من ذلك فهم يظلون أفقر سكان الجزائر.

وبحكم أن النسبة الهائلة من الغاضبين من الشباب، فقد كثر الحديث عن البطالة الهائلة التي جاوزت نسبتها 50% ودفعت الباحث التاريخي الجزائري دحو جربال إلى القول: "نحن الآن أمام جيل ليس له مكان في آليات المجتمع، لا في الإنتاج ولا في التوزيع، لا في الخدمات ولا في أي شيء آخر، جيل يريد الاندماج ويريد الاعتراف بكرامته وبحقه كباقي الأجيال".

ويُؤكد المجلس الوطني الاجتماعي والاقتصادي، أهم هيئة جزائرية لتقييم الأوضاع المالية والاجتماعية في البلاد، أن الجزائر في حالة خطر هائلة، وأن أكثر من نصف الجزائريين يعيشون تحت خط الفقر وبدخل لا يتجاوز دولارا واحدا في اليوم. ويُضيف المجلس أن سبب الكارثة هي السياسات المالية والاقتصادية للحكومة ولأصحاب القرار الذين لا يملكون الشجاعة الكافية لاتخاذ القرارات الجريئة.

"الاصلاحات الاقتصادية" حبر على ورق

ويُؤكد هذه الفكرة عبد الحق برارحي وزير التعليم العالي السابق، وأحد الأعيان الأربعة الذين انسحبوا من مجلس الشيوخ احتجاجا على سياسات الحكومة الاقتصادية والتعليمية، حيث يقول "يجب أن نغير المنظومة التربوية، وأن نفهم ما يجري داخل عقول الشباب. لقد انتهى عهد التسيير الإداري المتسلط، علما بأن في الجزائر مجتمعا مدنيا يعيش في واد، والسلطات في واد آخر. لقد أكدنا مرارا لأصحاب القرار، أن غضب شباب القرى البعيدة ليس سوى علامة شؤم، إذ لو خرج شباب العاصمة والمدن الكبرى إلى الشوارع، لأحرقوا كل من يملك عملا وبيتا وسيارة".

وعلى الرغم من القرارات اليومية التي يصدرها الرئيس بوتفليقة لوزرائه ولمستشاريه من أجل البدء في الإصلاحات الاقتصادية وتنفيذها، فليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل على الإطلاق، إذ أن الأوامر تبقى حبرا على ورق بسبب الخوف من تحمل المسؤولية وعدم الرغبة في المغامرة. فالرئيس يُعطي كامل الصلاحيات لمن يأمرهم بفعل شيء ما، غير أن ردود فعله في حالة الفشل غاضبة جدا.

أما رئيس الحكومة علي بن فليس، فيمكن القول بأنه في وضعية نفسية لا يُحْسَدُ عليها، حيث تقول مصادر كثيرة إن الرئيس استشاط منه غضبا بسبب بطء الإصلاحات، فرد رئيس الحكومة أنه لا يرغب في تحمل نتائج اقتحام المجهول.

مثل هذا الجواب، إن صحت المصادر التي نقلته، دفع الرئيس الجزائري إلى الإشراف على ملفات لا يُشرف عليها رؤساء الدول غالبا مثل التدخل لإنقاذ مستثمرين جزائريين وسوريين من ظلم رؤساء البلديات الذين يستولون على العقارات التي يستثمرون فيها بدون وجه حق، ومثل هذه الملفات تستنفذ وقتا طويلا، لا سيما إذا تولاها رئيس الجمهورية.

من يتحمل المسؤولية؟

ويقول الباحث التاريخي دحو جربال: "لم يتأخر الاقتصاد الموازي على الانتظام بأشكال تُكرس نوعا جديدا من الاحتكار، واستولى على جزء من أجهزة الدولة وجزء آخر من التمثيل السياسي، وله الآن علاقات في الأحزاب السياسية وفي البرلمان وفي العدالة والشرطة والجيش والدرك."

وإذا كان من المحتمل أن يكون عجز الجهاز التنفيذي على تطبيق الإصلاحات المنشودة راجع إلى قوة هذه السلطة الاقتصادية الموازية، فهل يُغني هذا الوضع عن تحمل المسؤولية؟.

كل الشباب الغاضب يُهاجم أهم رموز السلطة والحكومة بشكل عام، ممثلة في البلديات ومراكز الشرطة وجمع الضرائب؛ بل حتى السجناء يحرقون زنازينهم احتجاجا على الوضعية المزرية التي يعيشون فيها، بالإضافة إلى حالات الانتحار المرتفعة خاصة في المناطق الريفية و النائية. إن الحل ليس سحريا، كما أنه ليس مستحيلا، بل إن بداية العمل بالإصلاحات كفيلة بإعطاء نوع من الأمل لدى الشباب الغاضب، من باب "أن الخير سيصل إليَّّ بعد وصوله إلى غيري".

وتبقى التساؤلات الجدية مطروحة: من يتحمل الشجاعة للبدء في الإصلاحات؟ وهل توجد شخصية سياسية حكومية أو حزبية أو تكنوقراطية مستعدة للعمل في اتجاه دعوة المستثمرين الجزائريين والأجانب من دون خوف؟ أو أنها مستعدة بالفعل لجعل النظامين المصرفي والضريبي شفافا؟

يؤكد الكثيرون حتى داخل أعمدة الصحافة الجزائرية، أن عددا من المسؤولين الجزائريين يتوقعون في أي لحظة انقلاب ظهر المجن، وأنهم على استعداد نفسي ومادي كامل لركوب طائرات الهروب إلى أوربا وفي الوقت المناسب. ولكن ماذا لو فكر بعض الشباب في الاستيلاء على المطارات قبل مهاجمة المقرات الرسمية؟

قد تكون هذه الفكرة غير مقنعة، ولكنها طُرحت بالفعل على أصحاب القرار من باب التخويف، ولقائل أن يقول، إنها ربما طُرحت من باب النصح والمحبة.

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.