الحادث الذي ألقى بظلاله على أمن وسياسة قطر

بقايا السيارة الملغومة التي كانت تقل الرئيس الشيشاني الأسبق سليم خان يندربييف الذي لقي حتفه يوم الجمعة 13 فبراير 2004 في ضواحي العاصمة القطرية الدوحة Keystone

كانت 15 يوما كافية للسلطات الأمنية القطرية لكي تميط اللثام عن فصل من فصول اغتيال الرئيس الشيشاني الأسبق سليم خان يندربييف على أرضها.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 مارس 2004 - 12:28 يوليو,

وفي انتظار الإعلان الرسمي عن الاتهامات الموجهة لمواطنين روسيين، ألقت هذه العملية بظلالها على العلاقات القطرية الدولية وعلى السياسة الخارجية للدوحة.

يتوقع أن تصدر السلطات القطرية إيجازا بشأن نتائج التحقيق الأولى الذي جرى مع المتهمين طيلة الأسبوع الأخير من شهر فبراير. وفي حين ينتظر المراقبون معرفة ما إذا كان حادث تفجير سيارة الزعيم الشيشاني قد تم بزرع قنبلة بداخلها إبان أدائه لصلاة الجمعة في أحد مساجد الدوحة، أم انه تم استهداف السيارة من الخارج، تقول المصادر القطرية إنه لم يعد لديها ما تعلق به على القضية سوى انتظار إحالة المتهمين على العدالة لتقول كلمتها الأخيرة بشأنهم. وإلى حد الآن يحجم الرسميون القطريون عن التعليق على احتجاج وزارة الخارجية الروسية الذي يرى في الأمر "مؤامرة".

وكان وزير الخارجية الروسي قد استدعى السفير القطري لدى موسكو يوم الأربعاء 25 فبراير الماضي للاحتجاج على اعتقال مواطنين روس "بلا أسانيد"، مثلما جاء في نص البيان الرسمي الروسي. لكن المفارقة أن ذات البيان قال أيضا إن المعتقلين الاثنين كانا يخدمان في مهمة تتعلق بمكافحة الإرهاب.

وفي الأثناء، لم يكن لدى السفير الروسي لدى قطر فيكتور كودريافدسيف ما يضيف على بيان حكومته سوى أنه يجري الاتصالات الديبلوماسية اللازمة لمحاولة حل القضية بالطرق الديبلوماسية.

لكن السفير الروسي قال أيضا إن مُوظفا يحمل الجواز الديبلوماسي قد تم إطلاق سراحه بعد أن كانت السلطات الأمنية القطرية قد ألقت القبض عليه مع المتهمين الاثنين اللذين أحيلا على النائب العام. وأكد السفير أن الديبلوماسي المعني موجود في السفارة حاليا بدون التوضيح إن كان يعمل فيها أم انه جاء زائرا.

أنباء متضاربة

من جهة أخرى، علمت "سويس انفو" من مصادر غير رسمية أنه قد يكون تم إلقاء القبض على المتهمين في منزل قريب من موقع حادثة الاغتيال (منطقة الدفنة). وقد يكون تم تبادل إطلاق نار انتهى بالقبض على المشتبه فيهم بعد أسبوع من وقوع الحادث.

وقبل ذلك تعددت الفرضيات وتضاربت أحيانا حول الأطراف التي قد تكون وراء العملية. وفيما ذهبت بعض الفرضيات إلى احتمال وقوع خلاف مالي بين الضحية وبعض شركائه في دار للنشر أدت إلى تصفية الحسابات بتلك الطريقة الدموية، لم تستبعد فرضيات أخرى ضلوع المخابرات الروسية في الحادث، باعتبارها الرابح الأكبر من رحيله، رغم مسارعة هذه الأخيرة بالتبرؤ مما حدث في الإبان.

إلا أن تطور الأحداث بالطريقة المعلن عنها يرشح العلاقات القطرية الروسية إلى التوتر بعد أن كانت شهدت سيرا حسنا خلال السنوات الماضية توج بافتتاح خط طيران مباشر بين موسكو والدوحة، وبتنسيق حثيث في مجالات الطاقة على وجه الخصوص.

"دور أكبر من حجمها"؟

على صعيد آخر، ألقت حادثة الاغتيال بظلالها على السياسة الخارجية القطرية التي تجلب لها الاتهام بأنها "تلعب أدوارا أكبر من حجمها". وفي هذا الإطار بدا للمراقبين أن قطر تعمدت الرد سياسيا على حادث الاغتيال بالإعلان عن نجاحها في إطلاق سراح مائة أسير مغربي بعد وساطة مثمرة مع جبهة "البوليساريو"، ساعتان فقط بعد وقوع الحادث.

وقد أوحى الاختراق الديبلوماسي الجديد بان الحادث لن يغير السياسة الخارجية القطرية التي تقبل استضافة شخصيات "مثيرة للجدل" أو معالجة قضايا إقليمية ودولية.

ثم جاء مقال رئيس تحرير صحيفة "الشرق" القريبة من وزارة الخارجية القطرية ليشير إلى أن الحادث "أضعف بكثير من أن يغير في قواعد المعادلة القطرية التي فرضت احترامها على البعيد قبل القريب"، واصفا بـ"سوء الاعتقاد وسخفه في أن يوحي البعض بأن هذا ما تجنيه قطر من نشاطها السياسي المميز على الخريطة العالمية" على حد تعبير عبد اللطيف آل محمود.

وكانت قطر قد لعبت طيلة السنوات الماضية أدوارا سياسية متقدمة وقامت بوساطات في قضايا معقدة منها بين الفلسطينيين والإسرائيليين وبين الفرقاء السودانيين، وبين السودان وإريتريا، وبين العراق وليبيا من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى. بالإضافة إلى ما يتردد عن مساعيها لترطيب الأجواء بين سوريا وإيران مع واشنطن، مستفيدة من موقعها كحليف قريب من أمريكا أثناء وبعد الحرب على العراق.

نقطة فاصلة؟

كما درجت الدوحة على أن تكون وجهة لبعض الشخصيات السياسية المثيرة للجدل مثل أعضاء المكتب السياسي لحركة "حماس" والزعيم الشيشاني سليم خان يندربييف، الذي كانت روسيا تطالب بتسليمه قبل اغتياله، وزعيم جبهة الإنقاذ الجزائرية المحظورة عباسي مدني الذي يقيم الآن في الدوحة ويقول إنه "غير خائف من أن يلقى مصير يندربييف"، مضيفا انه "اختار قطر لأنه اطمأن إليها، وعلى خصومه تحمل مسؤوليتهم إذا فكروا في قتله". ذلك علاوة على الشخصيات التي تستضيفها قناة "الجزيرة" وتصدع بآراء تثير حساسيات أنظمة كثيرة.

وفي مُقابل إحجام عباسي مدني عن التعليق حول ما إذا كان حادث بندربييف سيؤدي إلى مراجعة قطر لسياسة استضافة شخصيات جدلية على شاكلته، قال عبد اللطيف آل محمود رئيس تحرير صحيفة الشرق القطرية، إنها "مناسبة للتمسك بثوابتنا وثقافتنا وأعرافنا وبمنهجية العمل السياسي القطري الذي أينع علاقات متميزة مع العالم".

ويرى الدكتور محمد المسفر أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر أن الحادث سيزيد في تصميم قطر على مواصلة السياسة نفسها. لكن مهما بدا الإصرار على اتباع نفس السياسات الماضية، فان مراقبين في الدوحة يرون أن اغتيال شخصية سياسية بهذا الوزن على الأراضي القطرية لا بد أن يكون نقطة فاصلة بين أمس وغد، خصوصا وان ظاهرة الإرهاب والعنف تمددت في منطقة الخليج بشكل غير مسبوق خلال الأشهر والأعوام الماضية.

فلم يكن أحد يتوقع قبل فترة قليلة أن تصبح المملكة العربية السعودية مسرحا مفتوحا للصراع الدموي، بما أوجب على جميع دول المنطقة تغيير نمط حياتها المفتوح والأمن باتجاه مزيد من الحذر. ومن المحتمل أن تستدعي هذه التطورات قراءة حسابات أخرى لم تكن في حسبان السياسات الخارجية الخليجية من قبل.

فيصل البعطوط – الدوحة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة