Navigation

الحرب الفلسطينية الصغيرة

عرفات .. "الأخ العزيز" Keystone

لا تلبث الضفة الغربية وقطاع غزة تغفو على وقع الرصاص الإسرائيلي، حتى تصحو على ضربات أكثر إيلاما.

هذا المحتوى تم نشره يوم 05 مارس 2004 - 12:40 يوليو,

والمصدر هو الداخل الفلسطيني الذي راحت مراحيله تغلي مع انسداد الأفق أمام تحقيق أي انفراج سياسي وميداني.

لعل اغتيال خليل الزبن، مستشار الرئيس ياسر عرفات لشؤون منظمات حقوق الإنسان، شكّـل الضربة الداخلية الأكبر مع تواتر اعتداءات طالت خلال العام الأخير مؤسسات وأفرادا من مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني.

وعملية الاغتيال متصلة بسياق عام. فهي أتت لتشكل ذروة وضع متوتر داخلي ازداد تعقيدا مع استمرار حبس الرئيس ياسر عرفات في مقره المدمر بمدينة رام الله بالضفة الغربية، وتعطل واستنزاف الجهود المحلية والإقليمية والدولية الخاصة بانتشال عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية من النفق الدموي المُـظلم الذي علقت فيه منذ اندلاع الانتفاضة.

ولمثل هذا الإطار أن يحمل بين دفتيه ما يكفي من الاحتقان والتراكمات ليفعل فعله في مسألة بالغة الدقة والحساسية، كالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وليرسل منها شتى النتائج القاسية والمُـضنية على طرفي النزاع.

وفي حين دخلت علاقة الطرفين في الانتفاضة الحالية المستمرة لأربعة أعوام أسوأ مراحلها منذ نكبة عام 1948، فإن تداعياتها الداخلية لم تكن أفضل من ذلك على الإطلاق، لاسيما على صعيد الطرف الفلسطيني الأكثر هشاشة.

وفي حين دخلت علاقة الطرفين في الانتفاضة الحالية المستمرة لأربعة أعوام أسوأ مراحلها منذ نكبة عام 1948، فإن تداعياتها الداخلية لم تكن أفضل من ذلك على الإطلاق، لاسيما على صعيد الطرف الفلسطيني الأكثر هشاشة.

وفي الوقت الذي تجد فيه إسرائيل في مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية ملاذا من حمأة المعركة الضارية، وملجأ لحل النزاعات واحتواء التداعيات، يذهب الفلسطينيون إلى قلب الحرب بسلاح متكسر ويعودن إلى مواجهة وضعهم الداخلي المهلهل بسياط لا تجلد الذات، وبأصوات لا تعرف سوى المرارة.

وليس أدل على هذه المعركة المتعددة الوجوه من مثال إعلان إسرائيل عزمها الانسحاب من قطاع غزة وإخلاء معظم مستوطناتها فيها.

غزة أولا

وقد أشعل الإعلان الذي أطلقه رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون سهاما أصابت مكامن ضعف كبير لدى القيادة الفلسطينية المشتتة والمنقسمة على نفسها، بحكم إجراءات الميدان التي تفرضها إسرائيل، وكذلك بسبب التناقضات الداخلية التي تتنازعها.

وفي حين راحت العيون تتجه صوب إسرائيل لمراقبة الانقسام المتوقع في صفوف الائتلاف اليميني الحاكم، كانت الحقيقة الوحيدة في الأمر تتبلور في أركان الصف الفلسطيني وليس الإسرائيلي.

الإشارة الوحيدة اليتيمة إلى ما يكمن أن تفعله الخطة الإسرائيلية المقترحة، جاءت من حركة حماس الإسلامية المعارضة وعلى لسان أحد متحدثيها محمود الزهار، الذي قال في مقابلة صحفية" إن من شأن الانسحاب الإسرائيلي أن يفتح المجال أمام أقتتال الأجهزة الأمنية الفلسطينية المتناحرة.

ومرت تصريحات الزهار، الذي تُـدرك وتعلم حركته الوضع الفلسطيني، دون إثارة أي اهتمام كبير، وربما كانت تصريحاته غير الواضحة تماما، التحذير الوحيد عما يمكن أن تحمله الأيام اللاحقة لاقتراح شارون بخطة فصل أحادي الجانب.

وغزة التي يجري تناولها بهذه البساطة ليست أي مكان، ولا يكفي المرور عنها دون تحمص. ففي الجزء المغلق تماما من الأراضي الفلسطينية عن إسرائيل، وهي ربما الترجمة الوحيدة لما يُـمكن أن تعنيه الدولة الفلسطينية عند رجل سياسة مخضرم وداهية مثل الجنرال ارييل شارون.

وغزة هي كذلك المركز الفلسطيني الوحيد، حيث يمارس الفلسطينيون (سلطة أو معارضة أو فصائل) نوعا من السيادة والسيطرة، وتشهر المجوعات المسلحة المختلفة من حماس، ومرورا بفتح وانتهاء بأصغر فصيل أسلحتها، وتمارس فرصة القوة والسيادة.

وفي غزة أيضا، تنكفئ الأجهزة الأمنية التي تحدث عنها الزهار (مجازا ربما) أمام سطوة الفصائل والحركات والتنظيمات، وهي أيضا لم تعد مركز القيادة الفلسطينية مع استمرار حصار عرفات في رام الله وإبعاده عن غزة.

وهكذا هبطت تصريحات شارون المبللة بزيت المعركة على سطح صفيح غزة الساخن لتشعل مكامن الانقسام، وشهوة السلطة والسيطرة التي تلف المدينة.

فتح "القوية - الضعيفة"

لم يعد ثمة مجال للخلط بين من يقتلون أو يُـستهدفون من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وأولئك ممن يصنفون في الشارع الفلسطيني على أنهم ضحايا ما يُـطلق عليه: صراع مراكز النفوذ والقوى داخل مؤسسة القيادة الوطنية، أو حركة فتح.

وليس هناك مجال للشك أيضا أن حركة فتح هي القيادة الفلسطينية، وأن ما يصيب أيهما، إنما يصيب الفلسطينيين في مفاصل حياتهم وفي مقاديرهم.

وبينما شكّـلت خطة شارون المقترحة أساسا لاختبار قوة جديدة بين المراكز التي تتنازع الحركة، كانت سيرة الصراع والتنافس قد أخذت أشكالا متعددة ومختلفة على مدار الأشهر الأخيرة، وكذلك خضوع عرفات لقبول منصب رئيس وزراء السلطة الفلسطينية.

وعلى القائمة أمثلة كثيرة، ابتداء من اغتيال الزبن، الذي يوصف في دوائر مغلقة على أنه "من عيون عرفات"، ومرورا بحوادث ماثلة كاغتيال براق الشكعة، شقيق رئيس بلدية نابلس (كبرى مدن الضفة) والمقرب من عرفات أيضا.

وتشمل اللائحة اعتداءات أقل أذى وأكثر دلالة، مثل التهجم، وعمليا طرد وزير الصحة جواد الطيبي من مدينة جنين أو إطلاق النار وقيام مسلحين بتحطيم الأثاث في مكتب إبراهيم أبو النجا، نائب رئيس المجلس التشريعي (البرلمان) الفلسطيني في خان يونس جنوب قطاع غزة.

وأكثر من هذا، التهجم على قائد الشرطة اللواء غازي الجبالي والاعتداء عليه داخل مكتبه في غزة، وأيضا قيام مسلحين باقتياد رمزي خوري، مدير مكتب الرئيس عرفات إلى معبر رفح عنوة بعد أن أطلقوا النار في الهواء ليرافقهم ليتطلع على الدمار الذي لحق بمخيم رفح.

وثمة اعتداءات أخرى مشابهة على مقر التلفزيون الفلسطيني في خان يونس أو اقتحام مقر صحيفة "الدار"، كلها تحمل قاسمين مشتركين رئيسيين، أولهما صلة مباشرة للمعتدى عليهم بالرئيس عرفات، وثانيهما، أنها جميعا تجري داخل حركة فتح، بل على مستوى أركانها.

مطالب دحلان

وكثيرا ما يقدم العقيد محمد دحلان، وزير الشؤون الداخلية السابق، على أنه الرجل القوي الآخر (أو ند عرفات) في حركة فتح، القادر على ضبط الأمور، وهو توصيف مجازي لاحتمالات مسؤوليته على صراع القوى الدائر في الحركة التي لم تتمكن من حسم أمرها.

ودحلان، القيادي الشاب صاحب السيرة الطويلة، والمقرب لسنوات من عرفات، وكذلك من الإدارة الأمريكية والحكومة المصرية، لم يتخلف أبدا عن تقديم نفسه على أنه الخليفة المنتظر لعرفات.

ويرى مقربون، أن دحلان تقدم بثلاثة مطالب خلال الاجتماع الأخير الذي جمعه بالرئيس عرفات في رام الله عشية اجتماع المجلس الثوري للحركة، وهو الاجتماع المفترض أن يكون قد حسم خلافات القوة بين الأشقاء.

وتضمنت مطالب دحلان الثلاثة: إجراء تعديل وزاري يسمح له بدخول الحكومة مرة ثانية، وعقد المؤتمر العام للحركة ليتسنى له دخول اللجنة المركزية، آخر المعاقل لتحقيق التأهل للرئاسة، وأيضا المساهمة في تغيير قادة الأجهزة الأمنية.

لم تحسم فتح أمرها، إذ انفض الاجتماع تاركا جميع مسائل الخلاف على ما هي عليه، كأن حديث دحلان في ختام لقائه مع الرئيس أخرج لهجة الند إلى العلن، عندما تحدث لأول مرة عن "عرفات الأخ العزيز"، دون أي إشارة إلى المصطلح التقليدي "الأخ القائد".

هشام عبد الله - رام الله

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.