Navigation

الحروب العالمية حول الموارد العالمية (2 من 2)

منشأة نفطية عراقية قريبة من مدينة البصرة جنوب العراق (تاريخ الصورة: 22 أغسطس 2005) Keystone

من غير الممكن التنبؤ بموعد أو مكان مثل هذه الحروب. فبعض المناطق قد تنجو من التفجيرات والعنف، فيما البعض الآخر، سيمر بصراعات طويلة

هذا المحتوى تم نشره يوم 14 يناير 2006 - 17:43 يوليو,

لكن في كل الأحوال، ما نشهده هو ظهور جغرافيا جديدة للصراع: مشهد عالمي يصبح فيه التنافس على الموارد الحيوية هو المبدأ الناظم للصراعات الدولية ولاستخدامات القوة العسكرية.

كما لاحظنا في تقرير الأمس، ركّز كتاب غولدشتاين على الجوانب العلمية والتقنية من أزمة الطاقة، وربما هذا ما أفسح المجال واسعاً أمام زميله روبرتس للتركيز على الجوانب الإستراتيجية والدولية لهذه الأزمة.

يبدأ هذا الأخير بالملاحظة (2) أن البترول يشكّـل الآن 40% من طاقة العالم، فيما يأتي الباقي من الفحم (26%) والغاز الطبيعي (24%)، وفي عام 2035، سيكون العالم في حاجة إلى ضعف الإمدادات الراهنة من الطاقة.

فالطلب على النفط سيقفز من 80 مليون برميل إلى نحو 140 مليون برميل في اليوم، وثمة تكهنات على نطاق واسع بأن الغاز الطبيعي سيتوسع أكثر من النفط (أكثر من 120%)، والفحم بنحو 60%، وهذه بالطبع تطورات مدوّخة.

لكن من أين ستأتي الطاقة الهيدروكاربوية الإضافية؟ يوضح روبرتس أنه خلال العقد الماضي استخدم العالم 24 مليار برميل من النفط سنوياً، لكنه لم يجد سوى أقل من 10 مليارات برميل من النفط المتجدد سنوياً.

وبكلمات أخرى، الطلب على النفط يتصاعد، خاصة من جانب الصين والهند الصاعدتين ، فيما يتقلص الاحتياطي والقدرات الإنتاجية، إضافة، استقرار سوق الطاقة العالمي يتفاقم. وفي نهاية العقد الحالي، ستزود أوبك العالم بنحو 40% من نفطه، أي أكثر بكثير من المعدل الحالي الذي يبلغ 28%، هذه الخلفية تعطي، برأيه، فكرة واضحة عن أسباب حرب العراق.

فقبل الحرب، كان العراق ينتج 3،5 مليون برميل في اليوم، والعديد من مسؤولي الإدارة الأمريكية اعتقدوا أن هذا الرقم يمكن أن يتضاعف قبل نهاية عام 2010. وإذا ما كان بالإمكان "إقناع" العراق بتجاهل كوتا أوبك وإنتاج أقصى طاقته، فإن دفق النفط الجديد يمكن أن ينهي سيطرة أوبك على التسعير.

ثم: إذا ما نجحت أمريكا في تفكيك نفط أوبك، ويسبب كونها متقدمة لمدة عقد عن باقي العالم في مجال التكنولوجيا العسكرية، فإن هذا سيضمن لها التفوق لمدة قرن أو أكثر. السيطرة على النفط لن تركـّز على السلطة والقوة الاقتصادية بيد أمريكا فحسب، بل ستكون أيضاً جزءاً من رؤية جيو – سياسية أوسع، لأنها ستعني التحكم بدول أكثر اعتمادا على نفط الخليج، مثل الصين وأوروبا.

بيد أن رد واشنطن على الأزمة النفطية العالمية الوشيكة، والذي يتمثّل في ضمان باقي الموارد من إمدادات النفط بالقوة، إذا لزم الأمر، ستكون له مضاعفات قاتلة على الكوكب.

فانبعاثات الغازات الحبيسة الملوثة الناجمة عن إحراق الوقود الأحفوري، خاصة الغاز والفحم، يتزايد بمعدل 3% سنوياً، وسيصل مع مثل هذا المعدل إلى 12 مليار طن سنوياً عام 2030، وأكثر من 20 مليار طن قبل نهاية هذا القرن.

وعلى هذا الأساس، ستصل غازات الحبيسة في الجو إلى تركز قدره 1100 جزء من المليون (ثلاثة أضعاف المستويات الحالية)، وهذا باعتراف كل علماء المناخ، وسيؤدي إلى كوارث محققة.

المخرج

هل ثمة مخرج من "يوم الآخرة" هذا؟ أجل، إنه برأي روبرتس: التوفير الأمريكي أساساً في استهلاك الطاقة، إذ يقدّر الخبراء هنا بأن مصانع الطاقة الأمريكية تهدر الطاقة في شكل بقايا حرارية أكثر من كل حاجات اليابان من النفط، ويشيرون إلى أن إدخال تحسينات في اقتصاد الوقود الخاص بالسيارات والإنارة بمعدل 2،7 ميل في الغالون الواحد، سيكون كافياً لإنهاء الأزمة من دون الحاجة إلى كل واردات النفط من الخليج، وهذا بالطبع حل أفضل بكثير من تدمير العراق، ومن شن حروب النفط الدموية في كل الكرة الأرضية، لا بل إن الاقتصاد في الطاقة وزيادة فعاليتها قد يوفـّران في الواقع نفطاً أكثر مما يمكن اكتشافه تحت الأرض، وبأسعار أقل من معدل سعر النفط في السوق.

ثم إن مضاعفات مثل هذا الأمر مذهلة: إذا ما تم على سبيل المثال، خفض استهلاك الطاقة بمعدل 3% سنوياً، سيكون ثمة إمكانية لتلبية طلبات العالم عام 2100 من خلال ربع الطاقة التي نستهلك اليوم، بيد أن المعطيات الإيجابية شيء، وتفاعل إدارة بوش معها بشكل إيجابي شيء آخر، إذ أن كل المؤشرات تدل على أن هذه الأخيرة ليست في وارد تقليص أرباح الشركات الكبرى عبر الاقتصاد في استهلاك الطاقة، جل خياراتها تتركز، إما على شن حروب السيطرة على النفط أو إيهام الآخرين بأن التكنولوجيا ستكون قادرة قريباً على إيجاد الحلول لأزمة الطاقة، بيد أن كلا الأمرين مجرد حلول مزيفة ولن يؤديا سوى إلى تفاقم أزمة الطاقة.

وإذا ما واصلت الإدارة الأمريكية التمسك بمثل هذه الحلول - اللاحلول، فقد لا يطول الوقت قبل أن تؤدي ندرة النفط إلى إشعال حرائق جيو - إستراتيجية في كل أنحاء العالم، ويبدو أن هذا الوقت لن يكون طويلاً بالفعل، كما يتنبأ روبرتس.

مايكل كلير

مع كتاب مايكل كلير(3)، نحن على موعد مع صورة أكثر شمولية. صحيح أنه يضع النفط على رأس أولوية اهتمامات الدول، لكنه يلحظ أيضاً صراعاً لا يقل حدّة على موارد طبيعة أخرى مثل الماء واليورانيوم والذهب وألماس والمعادن الطبيعية الأخرى.

نقطة البداية هنا هي نقطتان: الأولى، تغيير ظروف الصراع العالمي في أعقاب الحرب الباردة، والثانية، التراجع الحاد في العرض على النفط والموارد الطبيعية والتزايد الكبير للطلب عليها.

في النقطة الأولى، يشير كلير إلى أنه مع نهاية الحرب الباردة، استعادت قضية الموارد دورها المركزي في التخطيط العسكري الأمريكي أو هي بالأحرى عادت إلى ما كانت عليه خلال البيئة الإستراتيجية التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن العشرين.

وفي صميم هذا التحول في السياسة، يكمن الاعتقاد بأن المعالم المحددة للقوة والنفوذ تغيرت منذ نهاية الحرب الباردة. ففي حين كان يُـعتقد في الماضي أن القوة القومية تكمن في امتلاك ترسانة عسكرية جبارة، والحفاظ على منظومات تحالفية واسعة، فهي راهناً ترتبط بالدينامكية الاقتصادية، ورعاية الابتكار التكنولوجي.

هذه المقاربة للأمن القومي المرتكز على الاقتصاد، أصبحت سياسة أمريكية رسمية، حين تولت إدارة كلينتن السلطة في أوائل عام 1993، وباتت الوظيفة الرئيسية للمؤسسة العسكرية الأمريكية هي حماية إمدادات الموارد التي ستنتقل بشكل حاسم إلى قلب الأحداث في شؤون الأمن العالمي، كلما توغلنا في القرن الحادي والعشرين.

فيما يتعلق بالنقطة الثانية، يرى كلير أن أمربكا ليست الأمة الوحيدة التي أولت أهمية إستراتيجية أكبر لشؤون الموارد والاقتصاد في حقبة ما بعد الحرب الباردة، بسبب بدء ندرة الموارد، خاصة النفط.

فمنذ عام 1990، فعلت ذلك كل حكومة كبرى تقريباً، إذ عدّلت الصين واليابان وروسيا سياساتها الأمنية، وفقاً للأولويات الاقتصادية الجديدة، فقلّص الصينيون قواتهم على الحدود مع روسيا ووسعوها في منطقة بحر جنوب الصين التي تحوي احتياطات هائلة من النفط والغاز الطبيعي. وكذا فعلت اليابان ودول جنوب شرق آسيا التي ترنو ببصرها هي الأخرى على موارد بحر الصين الجنوبي، وتقتني من أجل ذلك أسلحة البحرية والطيران الأكثر تطوراً.

أما ما ساهم، إلى حد بعيد، في تحول الموارد إلى هدف رئيسي للصراعات العالمية، الاختفاء شبه الكامل للصراعات الأيديولوجية في عالم اليوم، والزيادة الكبيرة في الطلب على النفط الذي لا يمكن تلبيته، وارتفاع أعداد البشر المستهلكين، خاصة في الصين وباقي أنحاء آسيا، هذا في وقت تشير آخر الدراسات إلى أن الأرض خسرت نحو ثلث ثرواتها الطبيعية المتاحة (خاصة النفط والماء) في فترة قصيرة للغاية من 1970 إلى 1995، أي أكثر من كل ما خسرته في أي فترة أخرى من التاريخ.

حروب الموارد إذن تبدو محتمة. لكن أين؟

يرى كلير أنه من غير الممكن التنبؤ بموعد أو مكان مثل هذه الحروب. فبعض المناطق قد تنجو من التفجيرات والعنف، فيما البعض الآخر، سيمر بصراعات طويلة. لكن في كل الأحوال، ما نشهده هو ظهور جغرافيا جديدة للصراع: مشهد عالمي يصبح فيه التنافس على الموارد الحيوية هو المبدأ الناظم للصراعات الدولية ولاستخدامات القوة العسكرية.

فهل ثمة ضرورة بعد للتساؤل، عما إذا كان يمكن للولايات المتحدة أن تتخلى عن نفط العراق أو أية نفط آخر في العالم؟ لا نعتقد!

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.