الحوارات المصرية الفلسطينية .. مسار ثلاثي وعقبات

الرئيس المصري حسنى لدى استقباله رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع في مقر إقامته بالإسكندرية يوم 31 أغسطس 2004 Keystone

منذ أن أعلنت مصر مبادرتها بشأن اليوم التالي للانسحاب الاسرائيلي الأحادي من غزة، وردّات الفعل الفلسطينية تختلف ما بين الترحيب الحذر والمعارضة الظاهرة، ولكل من الفريقين حجته.

هذا المحتوى تم نشره يوم 31 أغسطس 2004 - 10:30 يوليو,

كما أن لمصر أيضا حُـجتها ودوافعها الوطنية البحتة، جنبا إلى جنب الدوافع القومية والفلسطينية معا.

في آخر تجليات المبادرة المصرية، ما تم إعلانه عن تفاهمات جرى التوصل إليها بين الجانب المصري وكل من حركتي حماس والجهاد، حول ترتيبات ما بعد الانسحاب الاسرائيلي من غزة، ولكن دون أن يعلن ما هي تلك الترتيبات تفصيلا. والمفهوم أن هذه الترتيبات تتعلّـق أساسا بطريقة إدارة القطاع وعلاقة الشراكة أو التعاون بين السلطة والفصائل الفلسطينية لضبط الأمن ومنع الانفلات أو الفوضى.

وهناك جولة مباحثات منتظرة مع وفد من حركة فتح التى تمثل عصب السلطة الفلسطينية، وربما زيارة سيقوم بها الوزير عمر سليمان ووزير الخارجية أحمد أبو الغيط إلى رام الله لمقابلة الرئيس عرفات.

وفى خلفية ذلك، إشارات مصرية، حسب تأكيدات د. أسامه الباز، مستشار الرئيس مبارك، بأن منتصف سبتمبر سيشهد تطورات مهمة من الجانب الأمريكي، وأن الفلسطينيين عليهم أن يكونوا جاهزين برؤية متكاملة فيما بينهم.

ولكي تكتمل الصورة وتتضح بعض معالمها، فإن إعلان التفاهمات التي تم التوصل إليها مع حركتي حماس والجهاد، لم يسبقه أي إشارات بوجود اتصالات مع قيادات هاتين الحركتين أو أن ممثلين لهما كانوا في القاهرة مؤخرا.

والمثير هنا يتعلّـق بتقنية المباحثات المصرية مع الفصائل الفلسطينية. فقد تمّت بصورة ثنائية ومحاطة بسرية شديدة ولم يتسرب عنها تفاصيل ما جرى، وذلك عكس ما جرى نهاية 2002 ومطلع 2003 ومايو من العام نفسه، حين سعت مصر إلى توفير بيئة مناسبة لإجراء حوار فلسطينى فلسطينى شاركت هي فيه بغية التوصل إلى وثيقة فلسطينية محددة بشأن مستقبل التحركات الفلسطينية. أما هذه المرة، فالحوارات تجري بين مصر وهذه الفصائل، وهي كلها تقريبا متهمة أمريكيا وأوربيا وإسرائيليا بأنها منظمات إرهابية.

ورغم أن الهدف من الحوارات لم يتغيّـر إجمالا، أي التوصل إلى رؤية فلسطينية موحدة مع التركيز على أعباء اليوم التالي للانسحاب الشاروني المنتظر من غزة، لكن ما حدث، أي المباحثات المنفصلة، يعني أن هناك أمورا تفصيلية يجب بحثها مع كل طرف على حدة، ربما لإنهاء التضارب حول موقف كل فصيل بشأن أي دور ذي طابع أمني قد تقوم به مصر، وتحديدا ما يتعلق بتدريب قيادات أمن فلسطينية في القاهرة، إضافة إلى الإجراءات التي يفترض أن تقوم بها مصر لحماية الحدود على الجانب المصري.

اتهامات وانتقادات فلسطينية

هذه التقنية الجديدة في المباحثات المصرية مع الفصائل الفلسطينية أثارت بدورها مواقف فلسطينية متباينة، بعضها تجاوز حدود اللياقة من قبيل الادعاء بأن مصر باتت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في الحياة الفلسطينية، وأنها تقايض دورها الجديد في غزة بتخفيف الضغوط الأمريكية عليها من أجل الإصلاح السياسي، وأن الفلسطينيين الذين نضجوا بما فيه الكفاية لن يقبلوا اليوم باستبدال احتلال إسرائيلي باحتلال عربي، وأن مصر تعمل على توفير غطاء شرعي عربي لمجرد إعادة الانتشار الإسرائيلي في غزة، وكيف يمكن لمصر أن تلعب دورا اقرب إلى الشرطي لحماية أمن إسرائيل.

وقد تطرف البعض في كلماته إلى حد القول بأن مصر تريد أن تحرر سيناء عن طريق غزة، في إشارة إلى الاتفاق الخاص بشأن تغيير طبيعة القوات المصرية التي ستشرف على الحدود مع غزة من قوات شرطة إلى قوات حرس حدود، وأنها تفعل كل ذلك ضد إرادة الرئيس عرفات الذي لم يتجاوب مع المطالب المصرية بإعادة هيكلة أجهزة الأمن، والتي يعتبرها ضده شخصيا أو على الأقل ستقلص من صلاحياته وستحوله إلى رئيس رمزي. ولعل أكثر الانتقادات سخفا أن مصر تفعل كل ذلك "لإرضاء شارون وأمريكا".

وفي كل هذه الإنتقادات والاتهامات، تم تجاهل حقوق مصر كدولة في حماية أمنها وحدودها، وفي مصلحتها المباشرة أن ترى القطاع حرا وآمنا ومتصلا بالعالم دون قيود، وفي أنها تحمل على كتفها عبئا قوميا وفلسطينيا لا يبيح لها التملص من واجبات دعم ومساندة الفلسطينيين مهما كانت الأعباء. وبعض من هذه الانتقادات هو تكرار لما قيل من قبل تجاه المبادرة المصرية عند إعلانها قبل شهرين ونصف، والبعض الآخر انصبّ على إعلان التفاهمات الأخيرة مع حركتي حماس والجهاد. ومع ذلك، فإن مصر تبدو مُـصرة على استكمال الطريق.

طريق ذو مسارات ثلاث

المتأمّـل في التحركات المصرية يلحظ أنها بمثابة طريق ذي ثلاث مسارات مترابطة. أولها، مسار يتعلق بالسلطة الفلسطينية ذاتها، والعنوان الأبرز يتعلق بالإصلاحات الهيكلية في الأجهزة الأمنية ودمجها في ثلاث رئيسية، ووفقا للرؤية المصرية يمثل هذا الإصلاح الأمني جزءا لا غنى عنه لتقوية السلطة الفلسطينية وإبقاء دورها فاعلا في غزة وفي الضفة على السواء، كما أن هذا الإصلاح الامني يجب أن يكون جزءا من كل، وليس نهاية المطاف، أي أنه يتعلق بإعادة تحديد الصلاحيات للمناصب القيادية العليا، كالرئيس، ورئيس الوزراء والوزراء وباقى المؤسسات. ومن ثم، فهو ليس موجها ضد أفراد بعينهم أو لمصلحة أفراد بعينهم، وإنما هو للسلطة وبقائها وتفعيل دورها وتقويته.

المسار الثانى موجه إلى الفصائل الفلسطينية، لاسيما الكبرى منها، كحماس والجهاد وكتائب الأقصى ومن ورائها فتح وغيرهم ممن يحملون السلاح ويتحملون عبء المقاومة العسكرية للاحتلال، ويتحملون التضحيات الجسام، وهم في المقام الأول والأخير المطاردون والمطلوبون والمتهمون بالإرهاب والملاحقون من قبل الآلة العسكرية الإسرائيلية صباح مساء. وهؤلاء لهم رؤيتهم المناقضة تماما لرؤية السلطة، وبعضهم يرى أن تقوية السلطة أمنيا يعني خصما من قدراتهم وإمكانات قيامهم بالمقاومة العسكرية ضد الاحتلال، والبعض الآخر يُـصر على أنه غير معني بأي جهود سياسية من تلك التي تسعى إليها السلطة، بل ربما يعمد إلى إفشال جهودها لأن تلك الجهود تتضمن وقفا للمقاومة ومحاصرة لمن يقومون بها.

من جانبها، ترى مصر أن هؤلاء يمثلون أرقاما مهمة في الساحة الفلسطينية، ولكن الخلافات القائمة بينهم وبين السلطة يمكن تسويتها من خلال التوصل إلى رؤية موحدة تحدد آفاق العمل السياسي والعسكري والتنظيمي، بحيث تراعي المتغيرات الدولية والإقليمية الجارية. وتعتقد مصر هنا أنه يمكنها أن تلعب دورا إيجابيا في تسهيل التوصل إلى هذه الرؤية، بحيث تتضمن تصورا مشتركا لمهمات ما بعد انسحاب الاسرائيلي من غزة، بحيث لا يقع المحظور، وتعم الفوضى على النحو الذي شهده القطاع في شهر يوليو الماضي. كما أن مصر يمكنها أن تسهم فى تأكيد الأمن بالأيدى الفلسطينية، عبر تدريب الكوادر الفلسطينية في مصر، وليس عبر إرسال قوات أو خبراء إلى القطاع أو الضفة.

عقبات شارونية

المسار الثالث هو إسرائيل، وتحديدا حكومة شارون التي تطرح تصورا للدور المصري يقتصر على لعب دور أمني مباشر لحماية الإسرائيليين، وكأن مصر مجرد أداة إسرائيلية يتم توجيهها عن بُـعد، وهو ما لا صلة له مع واقع الأمور، لكنها الطموحات الإسرائيلية المريضة. ولا شك أن هذا المسار هو الأكثر صعوبة.

وعمليا، فإن له جانبين. الأول، يتعلق بحماية الحدود المصرية مع القطاع، وهي مهمة ذات صلة بما ورد في المعاهدة المصرية الإسرائيلية لعام 1979، ومن هنا جاء الاتفاق من حيث المبدأ على "تعديل طبيعة القوات" التي ستقوم بحماية الحدود من الجانب المصري. فبدلا من قوات الشرطة خفيفة التسليح، ستكون هناك قوات من حرس الحدود، وهو تعديل سيكون أقرب إلى بروتوكول سيتم إلحاقه بالمعاهدة دون تعديلها. وحتى اللحظة لا توجد خطوات محددة لذلك، والمرجح أن تؤخذ خطوات عملية في هذا السياق في غضون شهر سبتمبر الجاري.

أما الجانب الثانى فيتعلق بمدى قبول شارون للمبادرة المصرية ككل، بمعنى قبول أن يكون الدور المصري لدى الجانب الفلسطيني سلطة وفصائل، والانسحاب الاحادي المزمع مجرد خطوات للعودة مرة أخرى للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وفقا لخطة خريطة الطريق، وهو أمر مرهون بتوافر ضمانات إسرائيلية واضحة لا لبس فيها، تخص عدم العودة مرة أخرى لاحتلال القطاع، وربطه جغرافيا بالضفة، وترك معابره البرية والبحرية والجوية مفتوحة على العالم دون قيود إسرائيلية من أي نوع، والتوقف عن سياسة الاغتيال للكوادر الفلسطينية. وحتى اللحظة، ليست هناك أي ضمانات، ولا توجد مؤشرات على ذلك.

وليس بخاف أن غياب تلك الضمانات يعني أن إسرائيل لا تؤيد الجهود المصرية إلا بالقدر الذى يتوافق مع مصالحها وأهدافها الكبرى، وليس هناك أدنى مشقة فى القول بأنه ليس من مصلحة إسرائيل أن تقوى السلطة الوطنية الفلسطينية ويشتد عودها، كما تسعى إلى ذلك الجهود المصرية، أو أن يتوافق الفلسطينيون فيما بينهم على برنامج سياسي ينال تأييد الجميع، ولا يلغي الحق في المقاومة من حيث المبدأ، ولا يدين من يقوم بها طالما أنها ضد احتلال بغيض وغير شرعي. كما أنه خارج المصالح الإسرائيلية أن تكون هناك أي إشارة بأن حركتي الجهاد وحماس الفلسطينيتين حركات شرعية، ومن ثم تعد خارج نطاق مفهوم الإرهاب الذي تتذرع به إسرائيل في قتل كوادرها واغتيال العناصر المنتمية لهما.

معنى ما سبق أن المبادرة المصرية دونها عقبات جمة، وما يحدث في إحدى الجبهات أو المسارات الثلاثة ما زال يفتقر إلى الربطة العضوية مع المسارات الأخرى. ومع ذلك، يبدو أن مصر لا ترى بديلا سوى المحاولة بإخلاص، فلعل وعسى!

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة