Navigation

الديمقراطية على الطريقة الأمريكية

كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية أثناء إجابتها على أسئلة أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ يوم 15 فبراير 2006 Keystone

"تأتي الرياح بما لا يشتهي السّـفـن"! هكذا أتت الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير التي قالت واشنطن إنها أولوية لفترة بوش الثانية بحركة حماس إلى سدة الحكم وبالإخوان المسلمين ليحتلوا خُمس مقاعد مجلس الشعب المصري.

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 فبراير 2006 - 03:01 يوليو,

فما الذي ستعنيه هذه التطورات بالنسبة لهدف واشنطن الخاص بنشر الحرية والديمقراطية في تلك المنطقة؟

رغم فوز حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني واستعدادها لتشكيل أول سلطة فلسطينية غالبيتها من حركة المقاومة الإسلامية التي تدرجها وزارة الخارجية الأمريكية على قائمة المنظمات الإرهابية، فإن التحركات والتصريحات الأمريكية تشير إلى استمرار رغبة الولايات المتحدة في دعم عملية التحول الديمقراطي في العالم العربي باعتباره هدفا استراتيجيا وثيق الصلة بالأمن القومي الأمريكي بعد أن تبين للولايات المتحدة أن القمع ونقص الفرص السياسية والاقتصادية في العالم العربي واستمرار الدعم الأمريكي لنخبة من الحكام المستبدين الذين لم ينتخبهم أحد في الدول العربية تسهم إلى حد كبير في تجنيد الإرهابيين ضد الولايات المتحدة ومصالحها الحيوية في المنطقة.

ففي كلمتها أمام مجلس الشيوخ الأمريكي قبل أيام، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إن الميزانية التي طلبها الرئيس بوش من الكونجرس هذا العام هي لدعم سياسة خارجية أمريكية مكرسة لخلق مناخ أكثر ترحيبا وتشجيعا لمسيرة الحرية ونشر الديمقراطية في العالم وهي مسيرة يتعين تأييدها ومساندتها.

وقالت وزيرة الخارجية الأمريكية: "إن هناك فترات انتقالية في بعض مناطق العالم مثل الشرق الأوسط، وتتسم التحولات الانتقالية الديمقراطية بالصعوبة في حقيقة الأمر، ولكن من حق الشعوب أن تعبر عن نفسها ويتعين على الولايات المتحدة أن تقف إلى جانب مبدأ أن العملية الديمقراطية مهما بلغت صعوبتها أفضل دائما من استقرار زائف توفره النظم الدكتاتورية".

وربطت وزيرة الخارجية الأمريكية بين هدف هزيمة الإرهاب وبين بناء مستقبل تنتعش فيه الحرية ويسود فيه الأمل بين الشعوب واستشهدت بقول الرئيس بوش إنه على المدى الطويل فإن الحرية والديمقراطية هما الركيزتان القويتان القادرتان على دحر أيديولوجية الكراهية والعنف. ولذلك تعهدت بأن تواصل الولايات المتحدة فتح المسارات أمام تقدم مسيرة التحول الديمقراطي.

نعم للديمقراطية.. لا لحماس؟

وانطوت كلمة وزيرة الخارجية الأمريكية على تناقض يوضح المأزق الذي تواجهه الإدارة الأمريكية في التعامل مع الفلسطينيين بعد أن اختاروا حركة حماس في أكثر عمليات التصويت نزاهة في العالم العربي إذ قالت كوندوليزا رايس: "إن الولايات المتحدة تريد أن تهنئ الشعب الفلسطيني على إجراء انتخابات خلت تقريبا من العنف واتسمت بقدر عظيم من الحرية والنزاهة. لقد صوت الشعب الفلسطيني من أجل التغيير، ونعتقد أنه صوت للتغيير ضد ممارسات شابها الفساد لفترة طويلة من الزمن وأدت إلى جعل حياة الفلسطينيين أكثر صعوبة وحالت دون التقدم وكان الشعب الفلسطيني دائما يتطلع إلى حياة أفضل وأكثر حرية. ولذلك فإن حركة حماس التي فازت بتلك الانتخابات عليها التزام بتحقيق رغبة الشعب الفلسطيني في أن ينعم بحياة أفضل وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا في مناخ سلمي لا يمكن توفيره إلا بحل قيام دولة فلسطينية تعيش في سلام جنبا إلى جنب بجوار إسرائيل."

وعلى غرار لاءات الخرطوم الثلاث الشهيرة، وضعت الولايات المتحدة ثلاثة شروط وصفتها بالخيار الوحيد أمام حماس :الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وتفكيك الجناح العسكري لحماس، ونبذ العنف وإلا فلن يساند المجتمع الدولي الحكومة الفلسطينية القادمة.

ومن ناحية أخرى تظهر تصريحات مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأدنى ديفيد ويلش أن المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة في التعامل مع حماس لا ترجع لكونها حركة إسلامية وإنما لأنها مدرجة على قائمة المنظمات الإرهابية.

وفي هذا يقول السفير ديفيد ويلش: "إن الولايات المتحدة لا تختار من يفوز في الانتخابات وهي على استعداد للتعامل مع حكومات وأحزاب من مختلف التوجهات السياسية ولكنها لن تقيم أية علاقات مع منظمات إرهابية مثل حماس بغض النظر عما إذا كانت في السلطة أم خارج الحكومة".

ومع أن الحكومة الأمريكية نفت ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز عن وجود خطة أمريكية إسرائيلية لزعزعة استقرار أي حكومة قد تشكلها حركة حماس، فإنها لم تخف اعتزامها إعادة النظر في المساعدات الأمريكية للفلسطينيين إذا تشكلت مثل تلك الحكومة ولم تستجب للشروط الثلاث التي وضعتها واشنطن والشروط الإضافية التي وضعتها اللجنة الرباعية ومنها الاعتراف بكل الاتفاقيات المبرمة في السابق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.

وفي سباق محموم لإجبار الإدارة الأمريكية على قطع المساعدات المقدمة للفلسطينيين سارعت مجموعة من أعضاء مجلس النواب الأمريكي المعروفين بانحيازهم التام لإسرائيل بتقديم مشروع قانون بتعليق المعونات الأمريكية للفلسطينيين إلى أن تستجيب حماس للشروط الأمريكية بل يدعو مشروع القانون الذي يقود الدعوة إلى تمريره النائب البارز في لجنة العلاقات الخارجية توم لانتوس إلى قطع الروابط الدبلوماسية مع السلطة الفلسطينية ومعاملتها ككيان إرهابي وإغلاق مكاتبها في الولايات المتحدة.

وردا على سؤال لسويس إنفو عن آثار فوز حماس على الحملة الأمريكية لدعم الديمقراطية في العالم العربي قال السيد يوجين بيرد رئيس مجلس المصلحة القومية الأمريكية لسويس إنفو: "إن الشعب الأمريكي يتقبل نتائج التصويت الحر في أي نظام يسعى للديمقراطية ولا تعكس تلك الأصوات في الكونجرس تلك الروح كما أن الإدارة الأمريكية تقبل بنتائج الانتخابات في أراضي السلطة الفلسطينية ولكنها لا تعرف بعد كيف تتعامل مع الإسلاميين ولذلك فليس بوسع الحكومة الأمريكية أن توقف مسيرة التحول الديمقراطي وإنما أن تدرك أن مجتمعات الشرق الأوسط تفضل الإسلاميين على النظم الدكتاتورية الفاسدة ولذلك يتعين على إدارة الرئيس بوش أن تراجع قوائمها للمنظمات الإرهابية وترفع منها حماس وحزب الله مقابل تخليهما عن العنف".

رد المنظمات العربية والإنسانية

في سياق متصل، حضرت سويس إنفو مؤتمرا صحفيا في واشنطن عقب مؤتمر عقدته أكثر من عشرين منظمة عربية أمريكية بالمشاركة مع العديد من المنظمات الإنسانية العاملة في أراضي السلطة الفلسطينية دعت فيه الإدارة الأمريكية إلى رفض ضغوط الكونجرس لتعليق مساهمات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مساعدة الشعب الفلسطيني.

وصرح الدكتور جيمس زغبي، رئيس المعهد العربي الأمريكي بأن على إدارة الرئيس بوش أن تدرك زيف الإدعاء بأن المساعدات الأمريكية للفلسطينيين ستذهب إلى حركة حماس، وأوضح أن المساعدات الأمريكية توجه لبرامج تخدم الشعب الفلسطيني بشكل مباشر. وقال الدكتور بيتر جوبسر مدير برنامج المساعدات الأمريكية للاجئين الفلسطينيين إنه "يجب أن تبقي الحكومة الأمريكية على دعمها الإنساني للشعب الفلسطيني فيما تتدهور أحواله المعيشية".

وأكد الدكتور زياد العسلي رئيس فريق العمل الأمريكي من أجل فلسطين بعد لقاء المنظمات العربية والأمريكية بمساعد وزير الخارجية الأمريكية ديفيد ويلش أن الحكومة الأمريكية لم تتخذ قرارا بعد بتعليق المعونات المقدمة للفلسطينيين ولكنه دعا الإدارة الأمريكية إلى أن تبحث عن السبل الكفيلة بتوصيل المساعدات التي تمس إليها الحاجة إلى الشعب الفلسطيني من خلال البرامج والمؤسسات الموثوق بها.

وصرح الدكتور العسلي لسويس إنفو بأن وزارة الخارجية الأمريكية وافقت على تشكيل لجنة من العرب الأمريكيين لبحث السبل الكفيلة بتوصيل برامج المساعدات الإنسانية للفلسطينيين دون تدخل من حماس. وقال إنه لا يعتقد أن الموقف الأمريكي من حماس هو عقاب للفلسطينيين على اختيارهم وإنما وكما شرح مساعد وزير الخارجية ديفيد ويلش محظور قانوني نظرا لوجود حماس على قائمة المنظمات الإرهابية بالإضافة إلى رفض الولايات المتحدة لبرنامج حماس السياسي الذي يبقي على خيار المقاومة المسلحة. وقال الدكتور العسلي: "ما أشبه الليلة بالبارحة فالولايات المتحدة تعيد الموقف إلى الوراء 25 سنة حينما كانت ترفض التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية لأنها كانت تعتبرها منظمة إرهابية".

مصداقية واشنطن على المحك

وقد بعث مؤتمر المنظمات العربية الأمريكية والمنظمات الدولية المساندة للشعب الفلسطيني برسالة إلى وزيرة الخارجية الأمريكية جاء فيها: "لقد قال الرئيس بوش في خطابه عن حالة الاتحاد إن عملية بناء الديمقراطية في بلد ما تتطلب حكم القانون وحماية الأقليات وإقامة مؤسسات قوية تخضع للمساءلة، فإذا كنا نؤمن بتعزيز التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط فيتعين علينا أن نواصل التزامنا ببناء المؤسسات التي تساند الديمقراطية وحكم القانون والقضاء المستقل وحركة نشطة للمجتمع المدني وحرية الصحافة، وكلها أهداف تعمل على تحقيقها برامج المساعدات الأمريكية للفلسطينيين".

وحذرت الرسالة من أن "وقف المساعدات للفلسطينيين يمكن أن يسفر عن انهيار السلطة الفلسطينية وتحويل الضفة الغربية وغزة إلى دولة فاشلة تسودها الفوضى ويعمها العنف".

وفي مقابلة مع الدكتور جيمس زغبي بعد المؤتمر قال رئيس المعهد العربي الأمريكي لسويس إنفو:"إنه لو تعاملت الإدارة الأمريكية مع حماس بشكل عقابي يعكس رفضها لإرادة الشعب الفلسطيني ورغبته الحرة في اختيار من يمثله بعد انتخابات نزيهة بشهادة الجميع فإن هذا سيرسل رسالة خاطئة للشعوب التي تسعى للتحول الديمقراطي وستقتنع تلك الشعوب بأن الولايات المتحدة تفعل ما لا تقول وتقول ما لا تفعل، ومن شأن هذا أن يلحق المزيد من الضرر بمصداقية الولايات المتحدة وصورتها في العالم وهي صورة بالغة السوء أصلا في العقل العربي الراهن".

في المقابل، نفى الدكتور زغبي أن تكون تجربة وصول الإسلاميين إلى السلطة في فلسطين ونجاح الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب المصري سببا يجعل الإدارة الأمريكية تتخلى أو تبطئ من مساندتها للتحول الديمقراطي في العالم العربي"، واعتبر أن "كل ما في الأمر أن الإدارة الأمريكية أخفقت في تفهم ديناميكيات المجتمعات العربية، ولذلك شعرت بصدمة مفاجئة عندما أبلى الإسلاميون بلاء حسنا في صناديق الاقتراع".

وخلص الدكتور جيمس زغبي في مقابلته مع سويس إنفو إلى أن "غلاة المحافظين الجدد هم الذين يقودون الحملة الآن في الولايات المتحدة لمعاقبة الفلسطينيين على اختيارهم لحماس في الانتخابات. وهؤلاء المحافظون الجدد هم أنفسهم الذين ساندوا الإجراءات الأحادية الإسرائيلية التي تسببت في توقف مسيرة عملية السلام وخلقت موجات من الفوضى في أراضي السلطة الفلسطينية"، على حد قوله.

محمد ماضي - واشنطن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.