Navigation

السعودية والعراق .. تحذيرات وقلق

وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل وإلى يساره جلست نظيرته الأمريكية كونداليزا رايس في اجتماع وزاري عقد في نيويورك يوم 19 سبتمبر 2005 Keystone

على عكس مألوف الدبلوماسية السعودية، الهادئة والمتكتمة، فاجأت تصريحات الأمير سعود الفيصل الأخيرة في الولايات المتحدة جل المراقبين.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 أكتوبر 2005 - 19:01 يوليو,

تحذيرات وزير الخارجية السعودي عالية عكست قلق دوائر الأسرة السعودية إزاء ما يجري في العراق، وكشفت عن خيبة أمل كبرى تجاه التصرفات الأمريكية.

على عكس مألوف الدبلوماسية السعودية، حيث الكلمات الهادئة، والتصريحات التوافقية، والإصرار على معالجة القضايا وراء الأبواب المغلقة، جاءت تصريحات الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودى حول العراق وسوء الإدارة الأمريكية فيه وتصاعد النفوذ الإيراني والتحذير من الوقوع في أتون نيران حرب أهلية لتعبر عن درجة عالية من القلق لدى دوائر الأسرة السعودية إزاء ما يجري في العراق من جانب، وعن خيبة أمل كبرى تجاه التصرفات الأمريكية من جانب آخر.

تحذير وتوبيخ

شملت التحذيرات ـ التي قيلت أمام مجلس العلاقات الخارجية فى نيويورك يوم 21 سبتمبر الجارى ـ الذي يمثل بؤرة فكرية لتيار المحافظين الجدد الذين كانوا وراء شن الحرب على العراق ـ تعميق الانقسام المجتمعي العراقي على أسس تفرق بين السنة والشيعة من جانب، ومعاملة السُنة باعتبارهم مواطنين من درجة ثانية من جانب آخر، وإفساح المجال أمام إيران للدخول وإرسال الأفراد والأموال وتنصيب المسؤولين، وتشكيل الميليشيات والتحكم في مدن العراق في الجنوب، وذلك تحت حماية القوات البريطانية والأمريكية، ووضع العراق على شفا حرب أهلية، إذا ما حدثت واندلعت ـ لا قدّر الله ـ سينتهي العراق إلى الأبد، ويصبح تدخل الجيران أمرا طبيعيا، سواء من إيران أو تركيا كل لحماية مصالحه، خاصة وأنه لا توجد قوة عراقية متماسكة داخليا تستطيع أن تحمي وحدة البلاد وتحول دون تفككه.

هذه التصريحات، وإن شكلت صورة سوداء للوضع في العراق، وهي حقيقية في مجملها، تعد أقرب إلى توبيخ سعودي علني مباشر لكل المحافظين الذين تصوروا عن جهل مُطبَـق، وفساد رؤية أن غزو العراق سيكون مُحفزا لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة، وإذا بالغزو يفتح أبواب الفوضى والتفكك، ويعجل بالهيمنة الإيرانية على العراق والمنطقة، والتي تعد خصما كبيرا للسياسة الأمريكية.

ويظل التحذير من تسليم هذا البلد العربي إلى إيران هو الأقوى، نظرا لما يعنيه ذلك من إعادة تشكيل المعادلات السياسية والاستراتيجية في منطقة الخليج خاصة، وفي المشرق العربي عامة، ومن ثم تكثيف الضغوط على السعودية نفسها، سياسيا ومعنويا وأمنيا، وذلك لمدى زمني مفتوح على مصراعيه.

تنافس ضمني وتعاون سياسي

قراءة هذه التصريحات ودلالاتها الحقيقية ليست بعيدة عن حال التنافس الضمني والتاريخي بين بلدين جارين، كل منهما يمثل قوة إقليمية معتبرة، ويقيمان شرعيتهما على أسس دينية، ولكن بطريقة مختلفة تناسب المسار التاريخي والطابع المذهبي السائد، والرؤية الذاتية للدور الإقليمي والإسلامي والدولي، وأيضا نشأة النظام السياسي وطبيعة النخبة الحاكمة، وحجم الدور الذي يلعبه رجال الدين.

هذه الحالة من التنافس هي حالة تنافس مشروعة ولا تتعارض مع وجود حالة علاقات ثنائية طبيعية وفق أسس حسن الجوار، واحترام السيادة والتعاون فيما يمكن التعاون فيه.

واستطرادا لحالة التنافس الضمني والتعاون الطبيعي، يمكن أن نلحظ التنسيق بين البلدين في مجال النفط داخل الأوبك وخارجها حين تكون السياسة الثنائية في أفضل الحالات، والعكس أيضا صحيح.

مبررات للقلق وخشية استباقية

وفي تصريحات الأمير سعود الفيصل مزيج من كل هذا، ولكن يبقى للقلق الكبير مبرراته الذاتية والإقليمية معا.

فذاتيا، هناك عوامل سعودية خاصة بالبنية المجتمعية والتوزيع السكاني والوضع المذهبي، تؤكد أن القلق على العراق هو في جزء منه قلق على السعودية نفسها، وما قد تتعرض له من مخاطر إذا حدث تقسيم العراق ـ قسريا أو طوعيا ـ على أسس طائفية مذهبية وجغرافية.

ففي المملكة نفسها ما قد يثير مسألة التقسيم أيضا، خاصة وأن بعض المشروعات حول مستقبل المنطقة التي روج لها اليمين المحافظ الأمريكي قبل الشروع في حرب العراق مباشرة، تضمنت سيناريو خاصا بإعادة هيكلة المملكة السعودية نفسها، بحيث تتشكل ثلاث دويلات، إحداها في المنطقة الشرقية التي تحوي القاسم الأعظم من الثروة النفطية السعودية، ويتركز فيها أيضا القاسم الأعظم من شيعة المملكة.

ورغم أن الهدف الذي قيل وقتها أن هذا التقسيم من شأنه أن يحرم أنصار التيار الوهابي المتشددين باعتبارهم مركزين في الوسط والجنوب من ثروة النفط المتركزة في شرق المملكة، وبما يؤثر على تحركاتهم المضادة للأمن الأمريكي، فإن المبدأ الحاكم هنا هو تفتيت المملكة نفسها.

ولذلك يمكن القول أن الخشية السعودية من تفكك العراق، هي خشية استباقية من أن تصاب هي بأى رذاذ أو عدوى قد تنتقل إلى شرق المملكة، وحينها سيكون التكامل الجغرافي للبلاد محل شك كبير، أو على الأقل واقعا تحت ضغط هائل.

زيادة النفوذ الإيراني في العراق بالطريقة التي يحدث بها بالفعل، ويتجاوز فيها - من خلال المعطيات الميدانية المتوفرة - ما يمكن تسميته بنفوذ طبيعي سلمي، من شأنه أيضا أن ينتج نتائج كارثية على دور المملكة وعلى قدرتها في ضبط حركة أسعار النفط.

ولنا أن نتصور ماذا يمكن أن يحدث في حالة تحالف الحكم في البلدين ـ إيران والعراق المهيمن عليه من قبل طهران ـ على صعيد تخفيض الإنتاج النفطي، أو في حال هيمنة إيرانية كاملة على الجنوب العراقي، إذا ما تحول إلى كيان ذي صلاحيات مستقلة، حسب ما ورد في مسودة الدستور المعروض على الإستفتاء، وبما يسمح بتحكم السلطة الفدرالية للجنوب العراقي بالموارد النفطية فيه، إنتاجا وتصديرا وتوزيعا.

جهود جبارة

ذاتيا أيضا، فإن الوضع العراقي بسيرورته الراهنة يمثل مأزقا كبيرا للسلطات السعودية. فهم بعدُ لم يتعافوا من ضريبة مساندة "الجهاد في افغانستان" في ثمانينات القرن الماضي، وبما أن العراق بوضعه الراهن يشكل بؤرة جذب لكثير من العناصر المتطرفة دينيا، والمؤدلجة على النمط القاعدي، هناك تخوف من أن يتحول العراق إلى ساحة تدريب لهؤلاء على الإطاحة بالأمان والأمن للنظم المجاورة، وهو بالفعل كذلك الآن.

وحسب البيانات السعودية المنشورة في 25 سبتمبر، أي بعد أربعة أيام من تحذيرات سعود الفيصل في نيويورك، فقد تم اعتقال 682 متسللا ومهربا على الحدود مع العراق في ستة أشهر فقط، وتم احتجاز ومنع 63 شخصا ـ لم تحدد جنسياتهم ـ من اجتياز الحدود مع العراق، وأنه تم إغلاق 27 طريقا معروفا للتهريب على الحدود بين السعودية والعراق، فضلا عن اكتشاف عدة أماكن سرية لإخفاء الأسلحة والذخيرة وأجهزة الاتصال والمؤن الغذائية.

ويصل عدد القوات السعودية العاملة على إحكام الحدود الشمالية للمملكة 35 ألف جندي يتبعون جهات مختلفة من الحرس الوطني ووزارة الداخلية ووحدات الجيش. وهذا الرقم يدل على مدى صلابة الموقف الرسمي في السيطرة الكاملة أو شبه الكاملة على الحركة على الحدود الشمالية للمملكة، خاصة وأنه تمت الاستعانة بتقنيات حديثة، كأنظمة التحكم الحراري والكاميرات الحديثة التي تعمل ليلا وتراقب الحدود على مدار الساعة، حيث توجد 34 وحدة ثابتة وحوالي 37 وحدة متحركة، ويجري حاليا تثبيت 17 وحدة مراقبة جديدة.

أما عن التكاليف، فقد ناهزت الأربعة مليارات دولار حتى نهاية أغسطس الماضي، في حين كانت قبل عام في حدود 1.2 مليار دولار وحسب. والفارق بين الرقمين، يوضح حجم الحرص على الضبط الكامل لحركة الحدود من جهة، وإغلاق منافذ العدوى القادمة من العراق من جهة أخرى، وهما أمران يقولان شيئا واحدا، إن الرياض تشعر بالقلق مما يجري فى العراق، وما قد يحدث في المملكة أيضا.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.