Navigation

السودان ومجلس الأمن.. القرار الاستثنائي

يان برونك، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى السودان يوقع في نيروبي (باعتباره شاهدا) على اتفاق تتعهد بموجبه الحكومة السودانية ومتمردي الجنوب على وضع حد للحرب الأهلية قبل موفى العام الجاري Keystone

إن مجرد وجود تاريخ محدد لا يُـتيح أكثر من أربعين يوما، وشهد عليه أعضاء مجلس الأمن جميعا، لم يعُـد يوفر مجالا لمناورة أو نوع من الالتفاف الذكي.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 نوفمبر 2004 - 19:20 يوليو,

فليس هناك من مفر إلا اتفاق تسوية نهائي قبل نهاية العام، أما البديل، فسيكون ضياع لكل ما تحقّـق، وتقديم المبررات على طبق من ذهب لأي طرف كان لتوقيع عقوبات فورية، وليس مجرد التلويح بها.

في موقف استثنائي لا يخلو من دلالة، خرج مجلس الأمن المنعقد استثنائيا في العاصمة الكينية نيروبى بقرار لم يتضمن تلويحا بعقوبات ضد بلد عربي منذ فترة طويلة جدا، رغم أن هذا البلد، وهو السودان، كان محلا لضغوط دولية عبر مجلس الأمن نفسه طوال العام الماضي، وكان سيف العقوبات، حسب القرار رقم 1564 الصادر فى سبتمبر الماضي، مُـسلّـطا على رقبة الحكومة في الخرطوم.

ولكن السيف تحوّل في القرار الأخير رقم 1574 إلى لغة مرنة خالية من الضغوط المباشرة، وإلى دعوة والتزام دولي بتقديم المساعدات السخية، شريطة التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الحرب في الجنوب قبل مرور العام الحالي.

مرونة ومفاجأة

والحق يقال هنا، أن القرار الجديد بصيغته المرنة يمثل مفاجأة كبرى لكل من يتابع الأزمات السودانية وامتداداتها الدولية. وكثيرون كانوا ينظرون إلى اجتماع مجلس الأمن في نيروبي باعتباره خطوة أخرى في عملية حشد دولية إفريقية لحشر حكومة الخرطوم في زاوية أكثر ضيقا عما كانت عليه في القرارين الدوليين السابقين، 1556 الصادر فى يوليو الماضي والمليء بالفخاخ السياسية والقانونية، والقرار 1564 الصادر فى سبتمبر الماضي، والذي حدّد بدوره خريطة التحرك الدولي والإفريقي والسوداني بالنسبة لأزمة دارفور، وألزم الحكومة السودانية بعدد من الخطوات في اتجاهات عدة، في حين لم يُـلزم حركتي التمرد (حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان) إلا بهوامش الأمور.

يمثل القرار الجديد 1574 بدوره، بشكله المرن والواعد، انفراجا للحكومة كما للحركة الشعبية لتحرير السودان. وسبحان مغير الأحوال الذي حوّل قناعات وإدراكات دول كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وبريطانيا من النقيض إلى النقيض.

وتبدو كلمات جون دانفورث، المندوب الأمريكي في مجلس الأمن ورئيس المجلس في دورته الحالية، وصاحب دعوة عقد مجلس الأمن فى نيروبي بكامل أعضائه معبّـرة عن هذا التحول خير تعبير. فالقرار، هدفه التعبير عن المساندة لبناء أكبر دولة إفريقية وفق أساس متين وسلمي، مشيرا إلى أن الاجتماع "غير عادي وهو الدليل على الاهتمام الكبير الذي يوليه مجلس الأمن للوضع في السودان"، وأن المجلس "عازم على أن يكون للسودان مستقبل ثابت ومتين".

ملامح استثنائية

يبدو القرار الصادر عن اجتماع مجلس الأمن الاستثنائي في نيروبي إيجابيا من وجهتي نظر الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، إذ ركّـز اأساسا على ضرورة الإسراع بالتوصّـل إلى تسوية شاملة في الجنوب، فيما أعاد الزخم إلى هذه القضية باعتبارها القضية الأم فى مستقبل السودان ككل، متخليا نسبيا عن تسليط الضوء المفتعل بقوة على ما يجرى في دارفور، وإن لم ينكر ضرورة وضع حد وبسرعة للمأساة الإنسانية في هذا الإقليم المنكوب، وأن يتخلّـى كل الأطراف عن العنف.

وكان لافتا هنا إصرار المندوب الأمريكي على أن جلسة مجلس الأمن هذه ليست المكان المناسب لاستقبال ممثلين عن حركتي التمرد في إقليم دارفور، وإصراره على أن المكان المناسب لهما هو فى أبوجا، العاصمة النيجيرية التي تحتضن المفاوضات بين الحكومة والحركتين. فيما يؤشر إلى أن تركيز المجلس وأولويته هو على تسوية نهائية فى الجنوب السوداني.

مبررات معلنة وخفية

التحول إلى تسوية الجنوب كأولوية، له مبرراته المعلنة والخفية معا. فمن جانب، هناك جهد دولي وإفريقي تحت مظلة الإيجاد قد بذل طوال العامين الماضيين، وانتج بالفعل ستة بروتوكولات تمثل أساسا صالحا لاتفاق نهائي وشامل، ويصبح من العبث الشديد التخلي عن هذا الجهد مقابل الانشغال المُـفرط بأزمة دارفور التي يعلم الجميع أنها قابلة للحل من خلال نظرة متوازنة، وعبر مساعدة الحكومة على القيام بواجباتها، وليس من خلال حشرها بين لحظة وأخرى في زاوية العقوبات ولغة التشدد.

ناهيك عن أن هذا الجهد الدولي ارتبط بدور أمريكي كبير لا سبيل لإنكاره، وبدور شخصي مهم لجون دانفورث نفسه، وكان له تأثيره في التوصل إلى البروتوكولات الست حول تقسيم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية والترتيبات الخاصة بالفترة الانتقالية.

ومن ثم، وبعد أن هدأ غُـبار الانتخابات الرئاسية الأمريكية وما رافقها من مزايدات غير مبررة بين المرشحين الرئاسيين، أصبح المطلوب هو استثمار ما كان، وليس البدء من نقطة الصفر. ومعنى ذلك العودة مرة أخرى بصورة عقلانية لإنهاء الحرب في الجنوب نهاية حقيقية، وليست مفتعلة، لأنها أولا وأخيرا البوابة التي لا غنى عنها لإعادة الاستقرار والسلام في السودان ككل.

من جانب ثالث، ومن خلال التمعن في لغة القرار رقم 1574 يتّـضح أن ما يُـمكن وصفه بالإدراك الكامن وقوامه، أن إنهاء الحرب في الجنوب من شأنه أن يساعد على وقف التوترات في دارفور، ومنع توترات محتملة أخرى في شرق السودان.

فالتسوية في الجنوب يُـمكن أن تقدّم النموذج السلمي الذي قد يقبل التكرار في مناطق وأقاليم سودانية أخرى. كما أن سلام الجنوب من شأنه أن يُـعيد بناء التحالفات السياسية السودانية برمّـتها، ومن ثم يُـوفر أساسا لمصالحة حقيقية في دارفور، كما يمنع أي توتر محتمل في شرق البلاد.

وهنا، يجب الذكر أن الحركة الشعبية لتحرير السودان كان لها دورها الدعائي والإعلامي في تأجيج ما جرى في دارفور كنكاية في الحكومة، لاسيما قبل عام من الآن. والصحيح أنها راجعت موقفها وأخذت تقلل من إشاراتها الخاطئة لحركتي التمرد في دارفور بعد ذلك في ضوء تحذيرات حكومة الخرطوم لها، بأن مثل هذا السلوك من شأنه أن ينعكس سلبا على سلام الجنوب وتسوياته الهشة.

ولذلك فمن شأن أن تكون الحركة الشعبية جزءا من نظام الحكم بعد التوصل إلى اتفاق شامل، أن تتحول إلى التعامل الإيجابي المانع لبدء التوترات هنا وهناك. بعبارة أخرى، أن تتحوّل إلى طرف مسؤول بدلا من طرف متمرّد مُحفـز على التمرد لأسباب ذاتية محضة.

استراتيجية حكومية ذكية، ولكن!

لا تبدو الصورة مكتملة، إذا تجاهلنا الدور الذي لعبته الاستراتيجية الحكومية في تعديل إدراكات بعض القوى الدولية.

هذه الاستراتيجية التي قامت أساسا على التجاوب والتعامل مع القرارات الدولية بقدر من الجدية في ضوء القدرات المتاحة بالفعل، والسعي إلى حشد حالة تأييد عربي وإفريقي لإقناع أعضاء مجلس الأمن الدائمين، بأن الحكومة تفعل أقصى ما تستطيع، وأن أزمات السودان تحتاج إلى يد العون، وليس إلى عقوبات ستزيد الأزمات سخونة وتعقيدا، وأنها تنظر إلى أزمات السودان كوحدة واحدة، وليست كأزمات متفرقة، إضافة إلى التجاوب مع المبادرات التى طُـرحت من قبل أكثر من طرف عربي وإفريقي لحل واحتواء أي جزء من الأزمة السودانية، وهو الأمر الذي أعطى الحكومة بالفعل يدا عُـليا على أطراف الأزمة السودانية الآخرين، سواء كانوا متمردين حاملين للسلاح، أم مجرد قوى سياسية معارضة لا تملك سوى البيانات وتأليب الأنصار في الداخل والخارج.

لكن المهم هنا أن التعهّـد الذي قطعته الحكومة على نفسها مع الحركة الشعبية لتحرير السودان للتوصل إلى اتفاق سلام شامل ونهائي قبل نهاية 2004، بات يمثل التحدي الأكبر. فمجرد وجود تاريخ محدد لا يُـتيح أكثر من أربعين يوما، وشهد عليه أعضاء مجلس الأمن جميعا، لم يعُـد يوفر مجالا لمناورة أو نوع من الالتفاف الذكي. فليس هناك من مفر إلا اتفاق تسوية نهائي قبل نهاية العام، أما البديل، فسيكون ضياع لكل ما تحقّـق، وتقديم المبررات على طبق من ذهب لأي طرف كان لتوقيع عقوبات فورية، وليس مجرد التلويح بها.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.