Navigation

السودان: الرهان على الرفض

رغم المواقف المبدئية المرحبة للمبادرة المصرية الليبية فإن الآمال في تحقيقها لأختراق حقيقي تظل ضعيفة swissinfo.ch

اكتسبت المبادرة المصرية الليبية لمعالجة الأزمة السودانية قوة دفع جديدة خلال الأسبوعين الماضيين، وتسارعت الخطوات لإعطائها فاعلية افتقدتها خلال العام والنصف التي مضت منذ إطلاقها في أكتوبر من عام 1999.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 يوليو 2001 - 12:22 يوليو,

فقد تقدم طرفا المبادرة أخيرا بمقترحات عملية تم طرحها على الفرقاء، كما تزامن ذلك مع تحركات دبلوماسية مكثفة شملت الوسطاء وأطراف النزاع. وكان محور التحركات الجديدة مبادئ من ثمان نقاط طرحتها دولتا المبادرة، من أهمها الحفاظ على وحدة السودان على أساس حق المواطنة المتساوية للجميع وإقامة حكومة انتقالية تمهد لانتخابات عامة وإعداد دستور جديد للبلاد تحكم به على أساس الديمقراطية التعددية.

وقد تفاوتت ردود الفعل تجاه هذه المبادرة من أطراف النزاع، حيث أعلن التجمع الوطني المعارض (يضم الآن الحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة السيد محمد عثمان الميرغني، والجيش الشعبي لتحرير السودان بزعامة جون قرنق وتجمعات صغيرة أخرى أبرزها الحزب الشيوعي السوداني) خلال اجتماع له في القاهرة الأسبوع الماضي عن قبوله للمبادرة مع بعض التحفظات، بينما سارع حزب الأمة الذي يتزعمه السيد الصادق المهدي (والذي خرج من التجمع في العام الماضي بعد خلافات مع أطرافه الأخرى) لتأييدها مع تعديل لفظي طفيف، كما قالت الحكومة إنها تدرس المبادرة وترحب بها. ولكن سرعان ما ظهر أن وراء هذا القبول الظاهري رفضا مبطنا يكاد أن يكون حاسما.

رفض مسبب..

فقد صرح باغان أموم، وهو قائد ميداني في الجيش الشعبي يشغل في نفس الوقت موقع الأمين العام للتجمع، بأن المبادرة غير مقبولة في صيغتها الحالية لأنها تهمل ثلاث مطالب رئيسية للتجمع، وهي حق تقرير المصير للجنوب، وفصل الدين عن الدولة وتفكيك النظام الإسلامي الحاكم في السودان.

من جهته فإن نائب الرئيس السوداني السيد علي عثمان محمد طه استبق بعض التفسيرات لفحوى المبادرة بالتأكيد على أن حكومته لن تقبل فكرة تحويلها إلى نظام انتقالي، إلا أنه رحب بتشكيل حكومة وحدة وطنية من الأطراف التي تقبل بالمبادرة بهدف تنفيذ بنودها…

حزب الأمة كان الوحيد الذي قدم اقتراحا إيجابيا حين دعا إلى إضافة كلمة "طوعيه" للبند الأول المتعلق بالتأكيد على وحدة السودان، وذلك للاستجابة لمطلب التجمع والجيش الشعبي حول النص على حق تقرير المصير.

عنصر ترغيب لكل طرف...

المبادرة حاولت أن تقدم شيئا ما لكل طرف، فاشتملت على اقتراح بالإبقاء على البشير رئيسا للبلاد مع قيام حكومة انتقالية تضم كل أطراف المعارضة للإشراف على الانتخابات، وأكدت على وحدة البلاد مع الإصرار على أن تكون المواطنة المتساوية هي أساس هذه الوحدة.

ويستجيب هذا نظريا لمطلب الجنوبيين في أن تكون الوحدة على أساس فصل الدين عن الدولة دون أن تحرج الحكومة بالنص على ذلك صراحة. ولكن الأطراف كلها نظرت إلى الجانب السلبي في المبادرة، حيث رأت حركة التمرد عدم النص على تقرير المصير وفصل الدين عن الدولة إحراجا لها لا يقل عن إحراج الحكومة بالنص على فصل الدين عن الدولة. أما الحكومة فقد رأت في اقتراح الحكومة الانتقالية خطوة نحو تحقيق مطلب المعارضة في إسقاطها ، وتحقيق ما عجزت عنه حربا بوسائل سلمية.

آمال ضعيفة

يمكن إذن أن نخلص إلى القول بأن حظ هذه المبادرة يبدو ضعيفا في هذه المرحلة. وليس السبب هو تمنع الأطراف وحده، ولكن أيضا العوامل الإقليمية والدولية. فالمبادرة المصرية-الليبية وضعت نفسها منافسا لمبادرة الإيجاد المدعومة دوليا والتي تفضلها حركة التمرد، خاصة وأنها تستجيب لمطلبها الأساسي في مسألة تقرير المصير، بينما تصر كل من مصر وليبيا على رفض هذا المبدأ رغم قبول الحكومة السودانية به.

وقد قامت جهود حثيثة في الشهرين الماضيين لإحياء مبادرة الإيجاد، عبر عقد قمة لهذا الغرض في نيروبي في مايو الماضي. وهذه الجهود كانت بدورها محاولة للتصدي لمنافسة محتملة من نيجريا التي أبدت رغبتها في العودة إلى دور الوساطة الذي كانت تضطلع به حتى عام 93، ووجدت في ذلك دعما أمريكيا.

الولايات المتحدة بدأت تتجه بدورها للعب دور مهم في الوساطة تحت ضغوط داخلية ودولية، مما يكثف الضغط على مبادرة الإيجاد التي ظلت تراوح مكانها لأكثر من ثمان سنوات بدون تحقيق أي تقدم، دون أن يعني ذلك دعما لدور مصر وليبيا.
هناك عامل أ آخر لا يقل أهمية، وهو أن كلا من مصر وليبيا تتفقان على تقديم حل ديمقراطي تعددي للسودان، في حين أن البلدين لا يؤمنان بهذا الحل ولا يطبقانه عندهما، مما يضعف قدرتهما على الضغط على الأطراف، وخاصة الحكومة للقبول بمثل هذه الصيغة.

وفي الوقت الحالي من المستبعد أن ترفض الأطراف صراحة الصيغة المصرية-الليبية، لأن الهدف من القبول بالمبادرة أساسا هو تحييد الدولتين في الصراع الدائر في السودان، أو كسبهما لجانب أحد أطرافه. فالحكومة تجتهد في الاستفادة من معارضة دولتي المبادرة لفصل الجنوب لكسبهما إلى جانبها، بينما تعول المعارضة على حساسية الدولتين من الخطر الأصولي المزعوم الذي يمثله الوضع في السودان لكسبهما إلى جانب المعارضة. ولهذا من المتوقع أن يسعى الجميع للمناورة وكسب الوقت بإدخال تعديلات متلاحقة والعيش على أمل أن يكون الطرف الآخر هو الذي يرفض المبادرة فيجنب الآخر الإحراج.

د. عبدالوهاب الافندي/لندن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.