تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الشيعة في دول الخليج: تطلّع نحو الأفضل

هل سيؤدي التغيير الذي حدث في العراق إلى تحسين أوضاع الطوائف الشيعية في دول الخليج المجاورة؟

(Keystone)

أحيى سقوط النظام العراقي آمال الطوائف الشيعية في البلدان العربية المجاورة للعراق، ولاسيما دول الخليج، بتعزيز حقوق الشيعة ومشاركتهم في الحياة العامة.

فالدول الخليجية الست لا تخلو من أقليات شيعية متفاوتة الأهمية، باستثناء البحرين، التي يُـشكِّـل فيها الشيعة أغلبية السكان.

لا أحد يستطيع اليوم تحديد نسبة الطائفة الشيعة في النسيج السكاني الخليجي. لكن لا أحد بوسعه اليوم أن يُـنكِـر أنهم أصبحوا رقما مُـهِـمّـا، وحاسما أحيانا، في المعادلات السياسية والاجتماعية الخليجية، ناهيك عن الثقافية والاقتصادية في منطقة كان تاريخها مشحونا بالتوجس من الشيعة منذ سنة 1500م، تاريخ أفول آخر إمبراطورية شيعية حكمت كامل شرق الجزيرة العربية، فيما كان يسمى "البحرين الكبرى".

وتشير تقديرات بعض رموز الشيعة إلى أن أتباع هذه الطائفة يمثلون في البحرين أغلبية ما بين 65 و70% من السكان، فيما يمثل الشيعة في المملكة العربية السعودية ما بين 15 و25%، وفي الكويت ما بين 10 و15%، ثم الإمارات العربية المتحدة بما بين 5 و10%، ويأتي أقل الشيعة عددا وأكثرهم غنى في سلطنة عمان ما بين 3 و7%، في الوقت الذي لا توجد أرقام محددة لهم في دولة قطر.

وتعني هذه النسب بوضوح أن أتباع الطائفة الشيعية يعدون أقلية متفاوتة الأهمية في كل دول الخليج، ما عدا البحرين التي يشكلون فيها أغلبية سكانية، لكنهم لم يلمسوا التساوي في الحقوق والواجبات مع الأقلية السنية إلا منذ استلم الملك حمد بن عيسى آل خليفة الحكم بعد وفاة والده عام 1999، وإثر سنوات دامية كانت المواجهات فيها على أشُـدها بين النظام والشارع الهائج بمطالب الشيعة على رأس مطالب الإصلاح الأخرى.

أما خارج البحرين، فقد كان شيعة الخليج يكتفون بمطالب خجولة تتماشى وحجمهم القليل في السعودية، وفي الكويت على وجه الخصوص، إلى أن وضعت الحرب على العراق أوزارها ليظهر شيعة السعودية على سطح الأحداث كعنصر من عناصر التغيير المطلوبة في زمن ما بعد الحرب.

الفصل الطائفي

لكن محمد محفوظ، الكاتب السعودي في صحيفة الرياض، والمقرب إلى الرمز الشيعي السعودي الشيخ حسن الصفار، يرى أن "الشيعة كانوا دائما موجودين على الساحة السعودية، لكن الإعلام هو الذي التفت اليهم واهتم بهم على خلفية ما يجري في العراق، فظهروا وكأنهم خارجون من نفق التاريخ".

وسواء كانوا داخل النفق أو خارجه، فإن الثابت هو أن الأنظمة الحاكمة والسلطات الرسمية في الخليج بوجه عام، كانت تتوخى الحيطة والحذر في التعاطي مع الملف الشيعي قبل أن يصبح الخوض فيه مباحا منذ وقت يسير، لاسيما بعد استعراض القوة الشيعي العراقي بمناسبة ذكرى وفاة الإمام الحسين.

وفيما يرى محمد محفوظ أنه من الأفضل التوجه بالسؤال عن سبب هذا التوجس التاريخي من الشيعة إلى المتوجسين أنفسهم، يقول الدكتور منصور الجمري، رئيس تحرير صحيفة "الوسط" البحرينية، ونجل أحد كبار رموز الشيعة البحرينيين، "إن تاريخ المنطقة كان قائما على الصراع بين قبائل وأخرى، وبين طوائف وأخرى". ويذهب الدكتور الجمري إلى القول "إن النظام العربي هو نظام سني بالأساس منذ أيام الإمبراطورية العثمانية".

وبالفعل، فالباحث في تاريخ المنطقة يجد أن النظام الحديث في شبه الجزيرة العربية، الذي قام على أنقاض الاستعمار البريطاني قد ورث عنهم أيضا استبعاده للشيعة الذين كان البريطانيون عاقبوهم في أوائل القرن الماضي بحرمانهم من المشاركة في الحكم، بعد ما عرف بثورة العشرين في العراق والمناطق المجاورة. ومنذ ذلك الوقت، تنامى التمييز ضدهم إلى درجة استبعادهم من الخدمة العسكرية ومن المناصب السياسية المهمة، فضلا عن التقييد على ممارسة طقوسهم الخاصة والتوجس الدائم منهم.

الزلزال العراقي

لكن الليلة لم تعد تشبه البارحة. ففي الأثناء، ومنذ إصلاحات البحرين والتقارب الإيراني الخليجي، علاوة على الحرب على العراق وسقوط نظام صدام حسين وظهور الشيعة كقوة محورية في المعادلة العراقية الجديدة، جرت تحت النهر مياه كثيرة وظهر الشيعة كطائفة أقلية مقهورة لابد للانظمة التي تريد انتهاج الإصلاح المطلوب أن تبدأ بالتعاطي معها وفق المعطيات الإقليمية والدولية الجديدة.


ومن ذلك، ظهرت في وسائل الإعلام السعودية حركة الذهاب والإياب بين رموز الشيعة في المملكة وبين أعلى هرم في السلطة، وبدا ذلك بمثابة الإشارة الواضحة لاستعداد السعودية للإصلاح ابتداء من هذا الملف المغيب.

لكن محمد محفوظ يرى أن الشيعة لا يملكون أجندة خاصة بهم وإنما يتحركون ضمن ملف الإصلاح السعودي الوطني كاملا. ويضيف بأن "انفجارات الرياض كشفت الحاجة الماسة إلى الدخول في مشروع إصلاحي وطني، يمارس قطيعة معرفية مع ثقافة الإقصاء والتعصب، التي تتعارض مع مصالح الوطن".

ومن ثمة، فإن شيعة السعودية اختاروا أن يتمركزوا في خانة الأغلبية السعودية المطالبة بالإصلاح، وهم يعلمون أن ذلك سوف يفضي إلى تطوير حياتهم الثقافية والسياسية والاقتصادية بالتبعية العامة.

وفي نفس السياق، يعتقد الدكتور منصور الجمري أن "الشيعة لا يشكلون تحديا سياسيا منفردا، بل على العكس من ذلك. فقد كانوا دائما في صدارة الحركات الوطنية الإقليمية".

مطالب وطنية لا طائفية

ويستشهد الجمري بما حدث في الكويت أثناء الغزو العراقي، عندما ظهرت بواكير المقاومة الكويتية من طرف الطائفة الشيعية، في الوقت الذي كانت الحكومة الكويتية قد بدأت ضدهم قبل الغزو بفترة قصيرة، حملة مضايقات شبيهة بالتي كانت شهدتها البحرين في وقت سابق. ويستطرد السيد الجمري "أنه مع ذلك، كان هاجس الوطنية أقوى من التشيع أو الرغبة في الانتقام، مما أحدث هزة في المعتقد الرسمي الكويتي".

ولا يرى أي من رموز الشيعة في الخليج اليوم أن خيار التعبير عن أنفسهم سياسيا أمر حكيم، ويؤكد كل من رئيس تحرير "الوسط" البحرينية، والكاتب في صحيفة "الرياض" السعودية، أن العلاقة الدينية والتواصل الثقافي والاجتماعي هما الرابط الأوحد بين شيعة الخليج، بل يرفض محمد محفوظ أن تكون الإصلاحات السعودية المنظورة "على قاعدة مذهبية أو طائفية، وإنما يجب أن تكون على قاعدة وطنية عامة".

ويرى الدكتور الجمري أن المستقبل الشيعي في المنطقة "مستقبل اندماج وليس انفصال". لكن مهما تواضعت مطالب الشيعة واندمجت اليوم في إطار المطالب الوطنية العامة، فلابد من الإقرار بأن شيئا ما قد تغير بالفعل بعد كل الهزات السياسية والأمنية والثقافية التي عاشتها منطقة الخليج. وليس أقل التغييرات أن "يأخذ الشيعة ثقلا سياسيا جديدا، بعد أن كانت إيران تحتضنهم عن بعد"، كما يقول الدكتور منصور الجمري.

فيصل البعطوط - سويس انفو


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×