تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الشيعة: قوة محورية في المعادلة العراقية

كان إحياء أربعينية الإمام الحسين مناسبة استعرضت فيها الطائفة الشيعية في العراق قوتها

(Keystone)

شهدت مدينة كربلاء بمناسبة إحياء أربعينية الإمام الحسين بن علي تجمعا شعبيا لم يسبق حدوثه في العراق منذ سنوات طويلة.

وقد وجّـه زعماء الحوزة العلمية العراقية، التي هي بمثابة المرجعية العليا للشيعة من خلال هذا التجمع، رسالة واضحة ظاهرها ديني وجوهرها سياسي.

أربعينية الإمام الحسين عند الشيعة، التي تم الاحتفاء بها يومي 22 و23 أبريل الجاري وما جرى فيها من ممارسة طقوس التمتع بالحزن والندم في كربلاء العراق بعد ربع قرن من الحصار والمنع، ظاهرها مناسبة روحية حسب المعتقد الشيعي، أما جوهرها الذي عبر عن نفسه بجلاء ووضوح، فهو سياسي ورمزي يتعدى حدود المدينة الصغيرة إلى ما وراء العراق كله، وتحديدا إلى الأمريكيين والدول المجاورة معا.

وإذا كانت السياسة بمعنى الإقامة على أمر الناس وتدبير احتياجاتهم وحفظ أمنهم ودفع الظلم عنهم، فإن حسن التنظيم الذي ميز حركات الشباب في اللّـطم على الصدور وشج الرؤوس وضرب الظهور، والقدوم من كل مكان داخل العراق ومن جواره في مجموعات متناسقة سيرا على الأقدام أو تعلقا بدابة ما، واستتباب الأمن وخلو الحدث رغم ضخامة العدد من أعمال الفوضى، وشيوع مظاهر التضامن الاجتماعي بين أغنياء الطائفة وفقرائهم، يدفع إلى البحث عن معنى سياسي، ولو في حده الأدنى، أي القدرة على التنظيم والسيطرة على حركة مجموعات من البشر في انسجام وتناسق شديدين، تفتقر إليهما الكثير من مظاهر وآليات التعبئة السياسية الحديثة من أحزاب عقائدية وسياسية أو نقابات مهنية أو منظمات غير حكومية.

التنظيم .. مدهش وصاعق

إنه الجانب التنظيمي الذي لا يمكن أن يكون عفويا أو متعلقا ببعد روحي وحسب، وإنما بتوجيه رسالة سياسية ورمزية واضحة لمن يهمه الأمر، وبالدرجة الأولى إلى الأمريكيين القابضين الآن على مقاليد الشأن العراقي بحكم القوة العسكرية الظاهرة، وإن كانوا بدءوا يُـدركون أن واقع العراق أكثر تعقيدا مما تصوروه أو صُـوِّر لهم من قبل مستشارين يجهلون الحد الأدنى من تاريخ المنطقة وتياراتها الطائفية وصراعاتها المذهبية وغير ذلك مما يكشف عن نفسه الآن رويدا رويدا.

هذا البعد التنظيمي الذي بدا كصاعقة ومبعث للذهول والدهشة، واللافتات ذات المغزى السياسي المباشر، والداعية إلى وحدة المسلمين وتقدير دور الحوزة العلمية الدينية، والمطالبة برحيل الأجنبي وإدانة نظام صدام حسين البائد، كلها أمور جاءت عن سبق إصرار، وعن خبرة متراكمة عبر قرون طويلة، وعن ولاء وطاعة شعبية للحوزة العلمية برموزها الدينية ذات المكانة العالية، والتي دعت شيعة العراق إلى استغلال مناسبة زوال النظام للتعبير عن الحرية في المعتقد من جانب، وتجسيد القدرة على تحريك المجاميع الحاشدة من جانب آخر، وكلاهما يصبان في عرض للقوة وتأكيد بالحضور على الساحة بعد غياب قسري لمدة تزيد عن أربعة عقود.

وبقدر من التعمق، فإن عدد المليونين من ذوي القدرة على الحركة والالتزام والطاعة في بلد يناهز فيه مجموع من يستحقون التصويت في أي انتخابات مزمعة مقبلة 9 ملايين فرد، فهذا يعني أن الصوت الشيعي، الذي يقارب 60% من العدد الإجمالي المفترض، يمكن أن تذهب غالبيته العظمى إلى أي وجهة تتفق عليها الحوزة العلمية، سواء لتفضيل أشخاص بعينهم أو صيغة محددة لدستور جديد.

إدارات محلية شيعية

لم تقتصر الرسائل السياسية الشيعية على أربعينية الحسين وحسب. فموازاة لها وفي قلب بغداد، كانت هناك التجمعات التي دعت إليها الحوزة للتعبير عن الاحتجاج على قيام القوات الأمريكية باحتجاز رجل الدين الشيعي محمد الفرطوسي عند عودته ورهط من الحرس والتابعين إلى بغداد قادمين من النجف الأشرف، بعد استطلاع بعض الأمور حول الإدارة المحلية التي عُـيّـن أو اختير رئيسا لها من قبل الحوزة العلمية الدينية، وممثلا أو وكيلا لباقر صادق الصدر، لمراعاة شؤون المواطنين في منطقة الرصافة شرق العاصمة.

فقد مثل ضغط هذه التجمعات وما حملته من رسالة للقوات الأمريكية، بالاستمرار في التظاهر إلى حين الإفراج عن الشيخ الفرطوسي، نموذجا آخر لما يمكن أن تقوم به الحوزة في تعبئة الموالين لها لتحقيق أهداف معينة، منها تشكيل إدارات محلية في مناطق بعينها، للسيطرة على أوضاعها وتأمين احتياجاتها المختلفة، وهو الأمر الذي حدث في بغداد وفي مدن أخرى عديدة، ومنها أيضا توجيه الذهن الأمريكي إلى الحضور الشيعي في البلاد، ومن ثم عدم تجاهله في أي صيغة تسعى إلى بلورة شكل معين للحكم مستقبلا.

خلافات المرجعيات

لكن الدور الشيعي المتجانس ووحدة الحوزة العلمية الشيعية، لا يبدو صحيحا تماما. فثمة عقبات وتنافسات وشكوك وهواجس عميقة بين المرجعيات الأساسية الكبرى.

فإذا كان التنافس العلمي والاجتهاد في الرأي من سمات الحركة الشيعية ككل، وفيه بُـعد إيجابي، فإن وضع شيعة العراق يبدو محملا بهواجس وشكوك سياسية على نحو يؤدي إلى انقسام في اتجاهين.

أولهما، ذو طابع تاريخي سياسي ما بين المرجعيات داخل العراق وخارجه، وهنا يبرز التنافس بين قم في إيران والنجف الأشرف في العراق.

وثانيهما، مرتبط بالوضع العراقي نفسه، أي ما بين الذين بقوا في الداخل تحت سطوة النظام الصدامي وعانوا منه الكثير، وهؤلاء الذين عارضوا أو هادنوا النظام الصدامي من الخارج، ومن ثم لم يعانوا بطشه وجبروته.

وفى سياق البعدين معا، يمكن فهم تردد عودة أحد الرموز العراقية الشيعية البارزة، السيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية. فرغم معارضته للنظام لمدة تزيد عن العقدين، وتشكيله لفيلق بدر ذي العشرة آلاف مقاتل لمقاومة النظام البعثي المنهار، فهو في نظر بعض رموز الحوزة في الداخل كان بعيدا ومرتبطا بقوة خارجية تسعى لمنافسة الحوزة في النجف.

كما يمكن فهم مقتل عبد المجيد الخوئي، نجل الإمام الخوئي على يد أناس بدوا أنهم مناصرون لمقتدى نجل الإمام الصدر المقتول على يد النظام البعثي قبل خمسة أعوام، وكلا الأمرين يصب في أن حوزة الداخل ترى أنها الأحق بتمثيل شيعة العراق عن هؤلاء الذين عاشوا في الخارج وفقدوا الصلة مع الداخل.

وكلا الأمرين يكشف عن عقبات أمام الدور الشيعي سياسيا، هذا إذا افترضنا أن الحوزة في النجف الأشرف متفقة على تصور موحد بشأن مستقبل العراق، الأمر الذي يصعب قبوله.

ففي حين يبرز اتفاق على رفض دور قوات بدر أو الأحزاب الدينية الأخرى والعلمانية والحديثة، والتعامل مع الاحتلال في مرحلته الحالية عبر الوسائل السلمية، هناك دلائل على تنافس شديد بين اتباع الصدر المغدور، والسيد السيستاني في فرض السطوة على الأحياء والمدن المختلفة، والادعاء بأحقية تمثيل شيعة العراق.

تأثيرات الصحوة الشيعية

صحوة الشيعة العراقيين لها تبعاتها وتأثيراتها، وهنا يتعين ملاحظة ثلاث دوائر. أولها، يتعلق بالاحتلال الأمريكي ومشروعاته الخاصة بمستقبل العراق، والظاهر أن مخططي الحملة الأمريكية فوجئوا بالدور التعبوي للحوزة الشيعية، الأمر الذي أطاح بالخطط المعدة سلفا لتعيين شخص شيعي في لباس حديث كأحمد الجلبي، الذي تأكدت محدودية شعبيته في الداخل وعدم قدرته على منافسة دور الحوزة. وتمتد هذه المفاجأة أيضا إلى مقتل عبد المجيد الخوئي، والذي اعتبر شيخا معتدلا يؤمن بفصل الدين عن السياسة وبعلمانية الدولة وبالدور الإيجابي للحملة الأنجلو أمريكية.

والآن يبدو الخيار أمام سلطة الاحتلال أكثر من مجرد إعادة تقييم الموقف على الطبيعة. وحسب كلمات مارتن انديك، السفير الأمريكي السابق يوم 23 أبريل، ونقلتها بعض الفضائيات العربية، فإن الخيار هو البحث عن قيادات شيعية وسنية جديدة، وأن الأمر قد يفرض استخدام أساليب قذرة في بعض المراحل لاحقا، أو بعبارة أخرى اتباع نفس الأساليب الاستعمارية القديمة في ضرب القيادات الدينية بعضها ببعض، واستغلال الخلافات الطائفية بين السنة والشيعة، مما ينذر بأن العراق قد يشهد ما هو أكثر من تنافسات واجتهادات فقهية بين المرجعيات المختلفة.

وفي الأخبار أن مجموعة لدراسة التراث السياسي والفقهي الشيعي بدأت أعمالها في مؤسسات البحث الأمريكية، لعلها تفيد صانع القرار وتوصيه على نحو أو آخر، وتعينه على فهم تاريخ طويل لمنطقة ظل عصيا على الفهم من قبل، ويبدو أنه سيظل كذلك في المستقبل.

أما عراقيا، فإن ديموقراطية مفصلة أمريكيا تبدو الآن في مهب الريح، وبدائل محلية تقول بدولة إسلامية على نحو مخالف للنموذج الإيراني هي أمر مشروع، والمهم أولا أن يخرج الاحتلال من الأرض ويترك العراقيين يقيمون نموذجهم السياسي - الديني بإرادتهم الحرة. لكن المعارضين لدولة دينية قد يجدون البديل في التعاون أكثر مع الوجود الأمريكي، والتمسك ببقائه مرحلة أطول مما يرغبون.

إقليميا، من المؤكد أن عيون الشيعة في بلدان الخليج العربية شاخصة على صحوة إخوانهم في العراق. فكل نجاح لشيعة العراق من جهة، وحصولهم على دور سياسي بارز ومشروع، واستعادة حقوق لم تتوافر من قبل، وتخلص من مظلومية تاريخية يؤمن بها الشيعة في كل مكان، سوف تنفذ إلى النفوس وتثير الحمية للحصول على ما ينظرون إليه كحقوق مغتصبة أو مهدورة في مجتمعاتهم المحلية.

وفي الأفق، دعوات شيعية سعودية لإنهاء التمييز المفروض واقعيا على شيعة بلدان الخليج العربي، والمتمثل في الأبعاد عن مؤسسات الجيش والأمن التمثيل الخارجي، إضافة إلى منع بعض طقوس خاصة، وحظر تداول وطباعة الكتب الشيعية.

صحوة شيعية عراقية نعم، لكن إشكالياتها الكبرى ستفيض على المنطقة بأسرها.

د. حسن أبو طالب - القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×