Navigation

الصحفيون العرب مطاردون ومهددون .. لـمـاذا؟

مشهد من جنازة الصحافي اللبناني سمير قصير الذي اغتيل بتفجير سيارته (بيروت، 4 يونيو 2005) Keystone

لماذا يشهد قمع الصحافة والصحفيين العرب إنفجاراً غير مسبوق في حجمه ووتائره هذه الأيام؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 يوليو 2005 - 19:52 يوليو,

ولماذا تركّـز الأنظمة العربية في هذه الفترة على ملاحقة الصحفيين وتعذيبهم، وحتى قتلهم في بعض الاحيان؟ أسئلة محيرة..

لماذا يشهد قمع الصحافة والصحفيين العرب إنفجاراً غير مسبوق في حجمه ووتائره هذه الأيام، إلى درجة دفعت بعض المحللين إلى التكهّـن بأن "دم الصحفيين العرب ودموعهم وأرواحهم ستكون الأضاحي الأولى على مذبح المرحلة الانتقالية الخطرة الراهنة "في الشرق الأوسط؟

ولماذا تركّـز الأنظمة العربية في هذه الفترة على ملاحقة الصحفيين وتعذيبهم، وحتى قتلهم في بعض الاحيان؟ هل الخوف منهم هو السبب، أم أنهم يريدون تخويف المجتمعات المدنية بهم وبمصيرهم؟

سنأتي إلى هذه الأسئلة بعد قليل. لكن قبل ذلك، إستعراض سريع للوقائع المذهلة التي يشهدها عالم الصحافة العربية في هذه الفترة:

- يونيو 2005: إغتيال الصحافي والكاتب والمفكر سمير قصير، الذي يعتبر من أبرز وأشجع الوجوه التقدمية الداعية إلى الديمقراطية والحداثة العربيتين، والمعارضة بقوة للديكتاتوريات العربية والهيمنة الغربية في آن.

- 21 مايو 2005: إختطاف الصحفي الليبي ضيف غزال في مدينة بنغازي على يد مسلحين، ثم تعذيبه وقتله والتمثيل بجثته، بسبب نشره مقالات على الإنترنت ينتقد فيها سلطوية وفساد "اللجان الثورية" التي كان هو عضواً فيها. والخطير هنا، أن السلطات الليبية التي نفت مسؤوليتها عن عملية الاغتيال، حاولت التخفيف من هول الجريمة باستخدام تعابير عنصرية كالقول أن الشهيد "كان من أصول مصرية"، برغم أنه ينتمي إلى واحدة من أكبر القبائل والعائلات الليبية المشهورة (عائلة الشهيبات)، وبرغم أن هذا التوصيف يتناقض مع الإعلان العالمي لشرعية حقوق الإنسان الذي أقرته وزارة العدل الليبية، والذي يمنع التمييز بين الناس بسبب اللون أو العنصر أو الدين.

- 25 مايو 2005: إعتداءات بالضرب والتحرش الجنسي على صحفيات مصريات كنّ يتظاهرن في إطار حركة "كفاية" المصرية ضد التجديد للرئيس حسني مبارك ، بينهم أمثال عبير العسكري وشيماء أبو الخير وغيرهن. وقبل هذه الاعتداءات، كان عبد الحليم قنديل، مدير التحرير التنفيذي لصحيفة "العربي" المصرية يتعرّض للاختطاف والاعتداء بالضرب لأسباب تتعلّـق بكتاباته الصحفية "عن الناس الكبار"، كما قال له خاطفوه.

كما كان الكاتب الصحفي جمال بدوي يتعرض للضرب المبرح على يد عشرة أشخاص مجهولي الهوية، ويعاين الكاتب الصحفي محمد عبد القدوس إعتداءً مماثلا، ربما على يد نفس الأشخاص، ويتعرض العديد من الصحفيين، ومن أبرزهم المرحوم مصطفى شردي، وأيمن نور، الذي أسس لاحقاً حزب "الغد"، وعبد العظيم مناف، الذي كان رئيس تحرير صحيفة "العرب"، إلى تحرشات أمنية متواصلة. كما تم التحقيق مع عشرات الصحفيين وسجن العديد منهم لمدة سنتين.

ورداً على هذه الانتهاكات، تشكلت في مصر الشهر الماضي منظمة "صحفيون من أجل التغيير"، وأصدرت بياناً أعلنت فيه أن الصحفيين "أعلنوا إنطلاق حركتهم بسسب ما كابدوا من سطوة الحكم وأجهزته الأمنية، مما أدى إلى غياب الحقائق تبريراً للاستبداد والفساد"، وطالبت بالتغيير الشامل وإطلاق الحريات العامة، وعلى رأسها حرية الصحافة.

- 14 يونيو 2005: تواصل السلطات الجزائرية مطاردة الصحفيين المستقلين، وتزج بثلاثة منهم في السجن، وهم: كامل عمراني من صحيفة "لوسوار"، وفؤاد غانم، مدير الصحيفة ورسام الكاريكاتور علي دثيلام، مع تكبيدهم غرامات مالية فادحة. وفي أواخر الشهر الماضي نفسه، إحتجزت السلطات أربعة صحفيين مغاربة في مطار الجزائر وأبعدتهم بالقوة إلى مطار روما بعد إخضاعهم لتحقيقات مشددة، مما أدى إلى تدهور صحة الصحفية إزانة لعروسي.

- وفي المغرب، في 9 يونيو 2005، قررت الحكومة ملاحقة عبد العزيز كوكاس، مدير تحرير صحيفة "الأسبوعية الجديدة" بتهمة "المس بالنظام الملكي"، وسحبت جواز سفر الصحفي إدريس شحتان.

- وفي سوريا والسعودية وتونس والعديد من الدول العربية الأخرى، يتعرض الصحفيون للملاحقة أو الطرد من الوظيفة (كما حدث للسعودي جمال الخاشقجي، رئيس تحرير الوطن)، أو حتى الطرد إلى خارج البلاد.

مسألتان وزواج أبـدي

عودة الآن إلى أسئلتنا الأولى: ما هذا الذي يجري (وما أوردناه ليس سوى حصيلة ثلاثة أشهر فقط) بحق الصحافة والصحفيين العرب، ولماذا؟

ثمة مسألتان: الأولى ظرفية، والثانية تاريخية. تتعلّـق المسألة الظرفية بالطبع، بالضغوط الكبيرة التي تتعرّض لها حالياً الأنظمة العربية من جانب أمريكا وأوروبا لفتح مجتمعاتها وإصلاح أنظمة الحكم فيها وإطلاق الحريات. وبما أن الصحافة الحرة هي الشرط المسبق للديمقراطية في العالم العربي، كما يقول جويل كامبانا، منسق برنامج حماية الصحفيين، فإن الحكومات العربية تستهدف الصحفيين لإجهاض هذا الشرط المسبق.

وبكلمات أوضح، الديكتاتوريات العربية المقاومة لبرامج الإصلاح الديمقراطي باتت تعتبر الصحافة الحرّة هي الخطر الداهم عليها إلى درجة أن بعضها قرر وضع الصحفيين على لائحة الاغتيالات (كما في ليبيا وسوريا وغيرهما).

وهذه النقطة الأخيرة حذرّت منها كريستيان ساينس مونيتور قبل أيام، حين قالت: "يتعيّـن على الأنظمة العربية أن تفهم بأن الصحافة الحرة هي أساس الديمقراطية، وأن تتوقف بالتالي عن إعتبار الصحفيين أعداء للدولة".

هذا عن العامل الظرفي، أما بالنسبة للعامل التاريخي فهو يكمُـن في الحقيقة بأن الصحافة والإعلام العربيين يناضلان منذ أكثر من قرنين، وليس الآن فقط، لنيل الحريات.

فالصحف التي صدرت في القرن الثامن عشر كانت مضطرة لأن تكون أداة في يد السلطات العثمانية التركية أو السفارات الأجنبية، وقد تطلب الأمر الانتظار حتى منتصف القرن التاسع عشر لتبرز صحافة مستقلة في مصر أساساً (في عهد الخديوي إسماعيل)، ونسبياً في سوريا ولبنان. وفي أواخر ذلك القرن، أطلق الصحفيون السوريون واللبنانيون مرحلة الصحافة الحديثة، ومعها تيارات القومية العربية والإسلام الليبرالي.

بيد أن هذا التطور لم يسر في خط مستقيم. فقد تعرّضت الصحافة الحرة إلى إضطهاد العثمانيين، وقيود السلطات الإستعمارية الفرنسية والبريطانية وقمعها. ثم عانت بعد ذلك الأمرّين من حِـقبة الانظمة الجمهورية السلطوية طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، التي أمّـمت الصحافة وحولّت الصحفيين إلى موظفي دولة.

الآن، ثمة مرحلة جديدة للصحافة العربية تتغذى من الشرخ الكبير الذي نشأ بين أمريكا وبين الأنظمة العربية الحليفة لها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. فهل تدشّـن هذه المرحلة بلوغ حرية الصحافة العربية سن الرشد، أخيراً؟

حتماً، لكن ليس الآن أو ليس على المدى القصير على الأقل. فمن الآن وحتى إنتهاء المرحلة الانتقالية الحالية في المنطقة العربية، ستبقى الصحافة الحرة "العدو الرقم واحد" الذي يقض مضاجع الحكام، وسيبقى الصحفيون العرب ملاحَقين ومطارّدين ومهدَّدين بحياتهم وأرزاقهم، وهذه، على أي حال، هي ضريبة الزواج الأبدي بين الحرية والصحافة.

سعد محيو- بيروت

مقالات مُدرجة في هذا المحتوى

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.