Navigation

الطريق إلى غزة

يضع الانسحاب الإسرائيلي من غزة القيادة الفلسطينية في مواجهة مستويات عدّة من التحديات، سواء على المستوى الداخلي المتشعب أو على مستوى النضال من أجل تحقيق حُـلم الدولة المستقلة Keystone

قد تكون غزة مـُتعَـبة ومنهَـكة ومضطَـربة جرّاء كل السنوات التي خلت.

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 أغسطس 2005 - 18:01 يوليو,

لكن اندحار الاحتلال عن هذا القطاع المتربّع على ساحل المتوسط الشرقي، والذي اعتاد القَـهر وتعوّد المجابهة، لا يعني بالضرورة الانتقال من درب الحرب إلى مرفأ الهدوء والسكينة.

لعل السلطة الفلسطينية المنهكة والمتعبة أيضا لأسباب شتّـى، تُـدرك أن ولوج بحر غزة المتلاطم يتطلّـب مراكب قوية وملاّحين مَـهرة، وأن الأمر لا ينتهي عند وضع خُـطط وتفاهمات محلية وإقليمية، بل يعني بالأساس استعدادا لخوض مواجهة لفرض الذات واختبار ما سيكون عليه حال القيادة الفلسطينية.

ربما تكون تجربة ما يسمى بفك الارتباط عن غزة امتحانا لنوايا إسرائيل لإزاء الفلسطينيين، وكذلك لنوايا المجتمع الدولي أمام التجربة الأولى الجديدة لبداية انتهاء الاحتلال. لكن المشهد السياسي والميداني في القطاع وحوله ينبّـئ بما هو أقسى وأصعب للفلسطينين أنفسهم.

فالمسألة لا تقف عند حدود خروج قوات غازية واندحار عهد قاس من الاحتلال، ولا هي كذلك مجرّد توقيع اتفاقية وانعقاد مراسم وطقوس احتفالية تغادر بموجبها ثلّـة الموت والقتل لتحل مكانها كوكبة المحرّرين إلى ساحة الحرية والاستقلال.

ليس في غزة ما يوحي سوى بالقتل والدّمار، ولا على حدودها المفروضة بقوة السّلاح والاحتلال ما يتحدّث إلا عن عاصفة أخرى تتهيأ للانقضاض على ما تبقى من حياة من عمر أفني في مقارعة الاحتلال، ومن جسد عليل انشغل في درء سوء الأقدار المقدرة.

ها هي غزة الآن، بهذه السيرة المثقلة الثقيلة تبدأ العدّ العسكي لما يفترض أن يكون عهد ما بعد الاحتلال، وتسعتد للانخراط في اختبار قد يحكم مستقبل الفلسطينيين السياسي في المسقبل، وما يمكن أن يكون بُـرهانا يُـستعان به للاستمرار في موكب التحرير أو التراجع إلى دائرة المربع الأول الدموي.

وفي هذا السياق، تجد القيادة الفلسطينية نفسها في مواجهة مستويات عدّة من التحديات، سواء على المستوى الداخلي المتشعب أو على مستوى درجات النزاع والنضال من أجل تحقيق حُـلم الدولة المستقلة والتأكيد أن الفلسطينيين يستحقون ما يليق بهم من حرية وكرامة، بل إن التحديات المقبلة مع العهد المفترض لما بعد احتلال غزة، تشمل كل ذلك معا وتَـطال علاقات الفلسطينيين بجيرانهم وبمحيطهم العربي والدولي، وما يترتّـب على كل ذلك من تداعيات ونتائج واستحقاقات.

بداية مقلقة

ثمة دلائل عديدة على هذه البداية المقلقة، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون قد استهلّـها منذ أكثر من عام عندما فاجأ الجميع وراح يتحدّث عن خطته الخاصة بالانسحاب من قطاع غزة من طرف واحد. ربما صدّقه قليلون وقتها، لكن الأهم ما أراد هو من ذلك كله.

عندما أخذ شارون الجميع على حين غرّة، كانت غزة، ولا زالت، تئن تحت وطاة انقسامات داخلية تمثلت بالنمو والصّعود المطرد لحركة المقاومة الإسلامية حماس، التي راحت تصعّـد من عملياتها وتوسّـع من نفوذها على أرض غزة المحترقة والمحروقة.

وما لبثت الحركة الإسلامية أن ازدادات شعبية وتأييدا بعد اغتيال قادتها الرئيسيين، الشيخ ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي، واسماعيل ابو شنب وغيرهم، حتى راح شارون يصبّ على النار زيتا مع التّصميم على فك الارتباط عن غزة من طرف واحد، دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية.

وبالرغم من استتباب أمور السلطة بعد رحيل الزعيم التاريخي ياسر عرفات، وانفراط التوقعات والرهانات بانهيارها، صمّمت إسرائيل على المُضي قُـدما في مخطّـطها بالانسحاب من غزة ومن مستوطناتها أيضا.

لكن ذلك كله تَـرافق مع تصميم إسرائيل أيضا على عزل السلطة وعدم منحها الفرصة لتريب أوضاعها، لا في الضفة الغربية، حيث الاحتلال الكامل ومعه الجدار الفاصل الذي حوّل دولة الكانتونات إلى أمر واقع قبل تحقيقه على الأرض.

الظاهر والباطن

تبدو الصورة الآن وكأن الأمر مرتبط باتفاق سريع يُـظهر من يحكم غزة، حماس أو السلطة. حتى اللحظة، فإن اتفاق التهدئة الداخلي ليس سوى ظاهر يخفي باطنا أسود، حيث لم تلتزم حماس بحل مجموعاتها المسلحة ولا بإلقاء ما تقول إنه سلاح المقاومة.

ثمة مهام صعبة وشائكة تنتظر الرئيس محمود عباس، الذي يدرك أن المواجهة بين حماس والسلطة لا تقاس فقط بمن يملك عدة وعدادا أكثر، بأن المسالة منوطة بالتداعيات الخطيرة لأي مواجهة ممكنة، لاسيما وأن المصير الفلسطيني برمّـته مرتبط بها.

يُـصر عباس على مواصلة الحوار مع حماس، وإن كان هذه المرة قد رفض محاورتهم بنفسه، كوسيلة ضغط جديدة، وهو كذلك مصمم على أن يواجه يافطة سلاح المقاومة الذي تستخدمه حماس بأداة تطبيق القانون وفرض سيادة السلطة التي لا تطبقها حماس، لكنها لا تريد أن تبدو وأنها تعرقل النظام والقانون.

بيد أن عباس يدرك، وهو الذي يحاول أن يترجم خطة الانسحاب الأحادي إلى ربح وليس خسارة، أنه لا يملك إلا القليل من مقاليد اللعبة مع إسرائيل المستأثرة بفضل الأمر الواقع على الارض، وفي تجيير خلافات الفلسطينيين الداخلية إلى مصلحتها.

يريد عباس كذلك أن يمنع وقوع مواجهة دموية بين حماس والسلطة، الأمر الذي يعني دخول المصير الفلسطيني في أتون لا يدرك أحد غاياته ودروبه، ولكنه أيضا لا يملك كل المقاليد التي يمكن أن تمنع ذلك.

لا أحد يريد أن يكون في موقع عباس ولا القيادة الفلسطينية، والطريق إلى غزة ما بعد الاحتلال هي ما عليه الآن تطفح بمؤشرات لا تشي إلا تشاؤما وقسوة.

هشام عبد الله - رام الله

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.