Navigation

العراق والجامعة.. ما بعد رفع العتب

أي دور للجامعة العربية في العراق يظل مرهوناً بموقف القوى العراقية منه Keystone

لعل النجاح الأكبر لزيارة عمرو موسى يكمُـن في انتهاء حالة الجذر والمرارة العراقية في علاقات الجامعة العربية بالعراق الجديد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 نوفمبر 2005 - 17:00 يوليو,

فهل العراق بحاجة إلى مصالحة بين أبنائه برعاية عربية، أم يكفي للجامعة أن تقوم بفتح مكتب لها في بغداد ليضفي شرعية عربية على ما يجري هناك...

رغم سعادة عمرو موسى من قيامه بمهمته كممثل لكل العرب ـ في نادرة لم تحدث من قبل ـ بزيارة العراق، ولقاء كثير من قياداتها وممثلي القوى السياسية المختلفة فيها، فإن الاستمرار في مهمة تأسيس مؤتمر للمصالحة أو للوفاق العراقي تحت مظلة الجامعة، ما زال بحاجة إلى جهود واتصالات كبرى، خاصة لحسم النقاط المعلقة حول من يشارك ومن يستبعد، وجدول الأعمال وخطوات ما بعد المؤتمر وحجم الدعم العربي المطلوب، وهو جوهر المهمة التي يفترض أن يستكملهاالسفير احمد بن حلي في زيارة أخرى لبغداد تمهيدا لعقد مؤتمر وفاق تمهيدي في مقر الجامعة العربية في القاهرة في منتصف نوفمبر المقبل.

بين مد وجذر

لعل النجاح الأكبر للزيارة يكمُـن في انتهاء حالة الجذر والمرارة العراقية في علاقات الجامعة العربية بالعراق الجديد، وبداية مرحلة من المدّ لم تتبلور بعد كافة أبعادها، لاسيما في ضوء التباين العراقي حول المطلوب من الجامعة مستقبلا، واختلاف الإجابة العراقية حول سؤال: هل العراق بحاجة إلى مصالحة بين أبنائه برعاية عربية، أم يكفي للجامعة أن تقوم بفتح مكتب لها في بغداد ليضفي شرعية عربية على ما يجري هناك من عملية سياسية وفقا للتصور الوارد في قانون إدارة الدولة المؤقت، الذي يحمل بصمات الاحتلال الأمريكي وحسب؟

والفارق بين الأمرين، يشكّـل مأزقا كبيرا للعراقيين أنفسهم، لاسيما في ضوء وجود تمنيات وشروط ومطالب عديدة من الجامعة، أقل ما توصف بأنها متضاربة، بل أن بعضها وضع من أجل منع الجامعة من القيام بأي دور في الشأن العراقي أصلاً، وكذلك للجامعة العربية التي يبدو مأزقها واضحا في كيفية الاستمرار في عملية مُصممة أصلا لجمع كل الفرقاء بمن فيهم بعض ـ وليس كل ـ الذين يحملون السلاح في وجه الاحتلال، باعتبار أن إقصاء أي طرف عراقي لن يقود إلى أي وفاق أو مصالحة.

نهاية مرحلة العتاب

القول إذن بأن مرحلة العتاب المتبادل قد انتهت يبدو صحيحا إلى حد كبير، لاسيما مع القوى المنتصرة والتي جاء حكمها وعلوها على أنقاض نظام الرئيس صدام.

ولكن هناك أيضا عتاب من قوى لم يستطع عمرو موسى الوصول إليها، نظرا لتحفظات الحكومة العراقية. فالجامعة، وعلى لسان أمينها العام، اعترفت بأن هناك عراقا جديدا، وأن مرحلة النظام السابق انتهت وإلى غير رجعة، وأن العملية السياسية الجارية، ورغم أنها تتم تحت لواء الاحتلال وهيمنته، إلا أنها مقبولة إجمالا، طالما أنها قد تساعد العراقيين على إنهاء الاحتلال نفسه في مرحلة لاحقة، وأن العراق الجديد متنوع وله خصوصية، لاسيما بشأن الوضع الكردي، وأنه قد يفيده نظاما فدراليا يقود إلى استقرار وأمن للجميع، وأن العمليات التي تستهدف العراقيين الأبرياء مرفوضة تماما.

ولعل جميع هذه النقاط ترضي الفئات المنتصرة، والتي تحالفت بحكم الأمر الواقع مع الاحتلال.

أما باقي النقاط التي عبّـر عنها عمرو موسى، لاسيما بشأن الحاجة إلى استيعاب الجميع تحت مظلة وفاق وطني ومصالحة شاملة، والتلميح بأن نهاية النفق لابد أن تتضمن خطة أو برنامج لإنهاء الاحتلال الأمريكي، فهي عناصر وجدت الترحيب من القوى السُـنية، والتي منها من يتعاطف ويقدر أعمال "المقاومة العراقية"، بما فيها التي تنفذها عناصر "بعثية" سابقة.

شروط متناقضة

لم يمنع هذا الخطاب من أن يقوم كل طرف عراقي بوضع شروطه التي يرضاها تحمل الأمن والمستقبل الأفضل للعراق الجديد، والتي ستوجه موقفه النهائي إيجابا أو سلبا بشأن دور الجامعة مستقبلا.

ومن جملة الشروط والمطالب، يتّـضح وجود ثلاثة قضايا رئيسة ستحدد بدورها السقف الذي سيعمل تحته مؤتمر الوفاق العراقي التمهيدي المقرر عقده في القاهرة.

الأولى، العلاقة بين العملية السياسية الجارية بالفعل، وبين دور الجامعة العربية، وستقصر الأمر على من يسهمون في العملية السياسية من انتخابات والمشاركة في أعمال الجمعية الوطنية، ووضع الدستور والاستفتاء عليه وهكذا. ولما كان من الصعب وغير المنطقي أيضا الحديث عن أن تكون مبادرة الجامعة بديلا عاجلا للعملية السياسية الجارية بالفعل في العراق، فتصبح أمامنا مرحلة انتقالية تسير فيها العمليتان بجوار بعضهما البعض، ربما ساعدت جهود الجامعة في حال تجاوبت معها كل القوى العراقية بدرجة عالية من الصدق والإيجابية والاستعداد للوصول إلى منتصف الطريق على أن تنجح العملية الأولى، وأن تصبح أكثر شمولا مما هي عليه الآن.

وتتعلق الثانية بمدى الشمول من عدمه في جهود الجامعة العربية. فالعملية السياسية الجارية، تستبعد أطرافا عراقية مهمة، منهم من يحمل السلاح، ومنهم من يقاطع العملية السياسية لأنها فاقدة الشرعية ولا معنى لها بالنسبة لهم، طالما ظل العراق محتلا. في حين أن رؤية الجامعة تقوم على دمج كل الأطراف في عملية سياسية موازية لما يجري بالفعل، من أجل عراق مستقر وآمن، وأنه لا يستقيم إقصاء "البعثيين" مثلا غير المتورطين في أعمال عنف، وربما شكلت الرؤية العربية لاحقا، إذا نجحت بديلا عمليا ومنطقيا للعملية السياسية التي جرت في العام الماضي، وثبت يقينا أنها لم تَقـُد إلى استقرار البلاد، ولم تساعد على احتواء العنف والعمليات العسكرية، بل ساهمت في اشتعالها.

الوجود الأمريكي

أما المعضلة الثالثة، فتخص مستقبل الوجود العسكري الأمريكي والأجنبي عموما. والمفهوم ضمنا، أن هناك علاقة إيجابية بين نجاح العملية السياسية الجارية في تأسيس نظام سياسي عراقي جديد ومقبول من كل الأطراف العراقية، وبين مناقشة تفصيلية لمستقبل الوجود الأمريكي، بما في ذلك الانسحاب الكلّـي مع ضمانات أمنية أجنبية لحماية العراق من أطماع بعض جيرانه الإقليميين.

لكن ما يجري على الأرض يختلف عن مثل الفهم الضمني، وذلك لسببين: الأول، يتعلق بحالة المقاومة وجماعات العنف في الداخل، والتي تجعل الانسحاب الأمريكي بمثابة هزيمة نكراء، وهو أمر غير وارد في ظل إدارة أمريكية يمينية محافظة ترى العراق مصلحة أمريكية بالدرجة الأولى، تتطلب المزيد من التضحيات، حتى على الرغم من تصاعد موجة الرفض الشعبي الأمريكي للبقاء العسكري في العراق.

والسبب الثاني، أن بناء المؤسسات الأمنية العراقية يصطدم بعقبة كبرى تتمثل في هيمنة الروح الطائفية عليها، فضلا عن ضعف قدراتها وإمكاناتها، وعدم قدرتها على أن تحل بديلا للقوات الأمريكية والأجنبية، وتصبح الحافظ لأمن العراق كله، على الأقل في المدى الزمني المنظور.

ومجمل الأمرين يثير قضية إحلال قوات عربية بديلا للقوات الأجنبية، إذا ما تقرر انسحابها، وتلك بدورها لا تخلو من معضلات كبرى، لعل أبرزها وجود ممانعات عربية بإرسال قوات إلى العراق للقيام بدور قوات سلام، وأيضا عدم وجود توافق عراقي شامل حول دور عربي عسكري في إنهاء الاحتلال الأجنبي للعراق.

والمشكلة هنا أن عدم التوافق يأتي من المنخرطين في العملية السياسية، والذين يريدون بقاء عسكريا أمريكيا لسنوات طويلة مقبلة، وأيضا من قبل جماعات العنف التي ترى وجود أي قوات عربية سيعني مشاركتها في تقوية مشروع الاحتلال، وليس إنهائه، وإنها لذلك ستكون هدفا لهذه الجماعات.

المعضلات الثلاثة، تعني أن نجاح الجامعة مرهون أساسا بتوافق عراقي يرى أهمية الدور العربي في تأمين العراق ووحدته، وفي تفاهم عريض مع الولايات المتحدة حول ما يجب عمله.

وإذا كانت النقطة الثانية قد تثير غضب بعض العرب، الذين يرون أن الجامعة هكذا ستعين الاحتلال ومشروعه في العراق، فإن وقائع الأمور تجعل من التنسيق مع واشنطن أمرا لازما، وهو ما دعاه عمرو موسى بضرورة عدم التحسس من أن يكون هناك توافق ما مع واشنطن في مرحلة ما.

حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.