Navigation

Skiplink navigation

العراق "تلبنن" رسمياً.. والأمريكيون سعداء

من اليمين إلى اليسار: إياد علاوي، جلال الطالباني، إبراهيم الجعفري، عبد العزيز الحكيم (تاريخ الصورة: 20 أبريل 2005) Keystone

"جعلت الحكومة العراقية الجديدة، العراق يُـشبه إلى حدّ عجيب لبنان في سبعينيات القرن العشرين..

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 مايو 2005 - 08:18 يوليو,

وهنا، يجب أن نتذكّـر أن السياسات الطائفية (في لبنان) أدّت إلى حرب أهلية، وإلى احتلال أجنبي دام 29 عاماً..."

هكذا أطلّ جون ألترمان، خبير الشؤون العراقية في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، على الوضع في بلاد ما بين الرافدين بعد تشكيل حكومة إبراهيم الجعفري الجديدة، وهي إطلالة فيها قدر كبير من الصحة.

فقد غلب على هذه الحكومة الصراعات الطائفية ذاتها، التي ابتلى بها لبنان، مما أدّى إلى تأخير ولادتها ثلاثة أشهر كاملة، برغم أنها حكومة مؤقتة لن تعيش أكثر من ثمانية أشهر، لتأتي بعدها حكومة جديدة بعد وضع الدستور الدائم للعراق.

ومع الصراعات الطائفية، جاءت المحاصصات الطائفية- العرقية التي أطاحت مبدأ الكفاءة، وأحلّت مكانه قاعدة الانتماءات الطائفية. وهكذا، نال الشيعة (كشيعة ليس كمواطنين) 17 وزارة، والأكراد (كأكراد) 8 وزارات، والسنـّة (كسنّة) 6 وزارات، والمسيحيون وزارة واحدة.

البعض، وخاصة في الإدارة الأمريكية، اعتبروا هذا التحاصص الطائفي "دليل عافية"، إذ كتبت "واشنطن تايمز"، الناطقة باسم المحافظين الجدد الأمريكيين: "ما يحدث في العراق هذه الأيام، لا يقل عن كونه حدثاً مُـذهلاً. فثمة الآن رئيس كردي للمرة الأولى في دولة عربية، وهناك رئيس وزراء شيعي للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث، أما السنّـة، فقد جاؤوا في المرتبة الثالثة في السلّـم السياسي، وكل هذا يعني أن الشرق الأوسط يتغيّـر بالفعل".

العراق والشرق الأوسط يتغيّـران بالفعل، ولكن في أي اتجاه؟

"فوضى منظمة"

هنا، قد تبرز أمامنا صورة قد لا تكون زاهية كثيراً. وفي مثل هذه الصورة، سيكتشف المشهد العراقي الحالي عن كونه حالة "فوضى منظّمة" يتصارع فيها الجميع على كل شيء، ويغيب فيها عن بال الجميع الاجماعات الوطنية والتاريخية الضرورية لبناء "الدولة - الأمة":

1 - فالأغلبية الشيعية (60% من السكان)، وبرغم صعودها إلى قمة الهرم السياسي بعد سقوط النظام "البعثي" عام 2003، تعيش تمزقا هائلا.

تقول "واشنطن بوست" في عدد يوم 27 أبريل الماضي: "الخطر الأكبر الآن في العراق، يأتي من القادة الشيعة المتطرفين الذين يسعون إلى فرض حُـكمهم غير المتسامح على السنّـة العرب، والأكراد، وحتى على الشيعة العلمانيين".

ومن هم هؤلاء القادة؟ إنهم هم أنفسهم الذين يُـسيطرون على البرلمان والحكومة، ويتمثلون أساساً في "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" و"حزب الدعوة الإسلامية"، إضافة إلى التيار الشيعي الراديكالي، الذي يمثله مقتدى الصدر.

برنامج العمل الذي يطرحه هؤلاء القادة، طائفي بالكامل، برغم كل الجهود التي يبذلونها لاستيلاد الوطني من الطائفي عبر دعواتهم المتكررة لعدم استبعاد السّـنة من بناء العراق الجديد.

وبرنامج العمل هذا لا يضعهم في حال "حرب أهلية باردة" مع السنـّة والأكراد فحسب، بل يدشّـن أيضاً صراعات مستدامة بينهم، سواء حول النفوذ والسلطة والمغانم، أو حول الاجتهادات الدينية الخاصة.

2 - والأقلية السنّـية (20%)، تسير هي الأخرى على خُـطى الغالبية الشيعية. فهي متكسّـرة أيضاً على أُسس أصولية دينية وقومية، ويغيب عن ذهن قادتها أي برنامج وطني للعراق الجديد. وهذا يبدو واضحاً بالطبع في توجّـهات المقاتلين الأصوليين السنـة، الذين يُـقال إنهم تابعون لأبي مُـصعب الزرقاوي وتنظيم "القاعدة". لكنه أكثر وضوحاً في توجّـهات المقاتلين "البعثيين"، الذين ما زالوا يعتبرون صدام حسين الرئيس الشرعي للبلاد.

3 - ثم هناك الأقلية الكردية (20%) التي تريد كل شيء ولا تبدو مستعدة لتقديم أي شيء. فهي تريد حُـكماً ذاتياً يقترب كثيراً من مستوى الاستقلال الفعلي، إضافة إلى احتلال مراكز رفيعة في كل مؤسسات الدولة العراقية، مما يمنحها حق النقض (الفيتو) على القرارات المصيرية وغير المصيرية في البلاد. لكنها في الوقت ذاته، ترفض تقديم أية تنازلات تساهم في بناء دولة عراقية جديدة وحديثة.

4 - أما الأمريكيون، فقد قرروا، بعد فشلهم في إعادة بناء العراق وفق رؤى بول بريمر، تحريك اللّـعبة من بعيد، قانعين بالسيطرة على نفط العراق وعلى المسيرة العامة لنظامه، ولم يتدخلوا للضغط على الشيعة والأكراد لتشكيل الحكومة (من خلال اتصالات نائب الرئيس تشيني، ووزيرة الخارجية رايس)، إلا بعد أن كادت التجاذبات الطائفية – العرقية الحادّة أن تُـطيح بكل وهج الانتخابات العامة في يناير الماضي.

الهدف الأمريكي الآن لم يعد تحويل العراق إلى نموذج للديمقراطية في الشرق الأوسط، بل الاكتفاء بـ "إدارة العرض" و"إدارة الأزمات" فيه.

كأس لبنان

إذا ما جمعنا كل هذه العناصر الطائفية - العرقية في أنبوب اختبار واحد وهززناه، فعلى ماذا سنحصُـل؟ على مصير لبناني للعراق على الأرجح، كما تكهّـن عن حق جون ألترمان.

وكما هو معروف، تستند التجربة اللبنانية إلى المعادلة الآتية:

- توازن قوى ما بين الطوائف يؤدّي إلى هدنة ما.

- خلل في هذا التوازن لأسباب شتى، ديمغرافية أو اقتصادية – اجتماعية، أو خارجية، تليه حرب أهلية تطول أو تقصر.

- توازن قوى جديدة، ثم خلل في التوازن، ثم حرب أهلية، وهكذا دواليك.

كان هذا حال لبنان، منذ أن كرّست فيه الدول الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر، مبدأ التقاسم الطائفي للسلطة. فهل يتمكن العراقيون الآن من إبداع نظام طائفي يُـجنبهم تجرّع هذه الكأس اللبنانية المرّة؟.

مع وجود كل هذه الأصوليات الطائفية والدينية والقومية والعرقية، ومع غياب أي مشروع وطني عراقي حقيقي، ستكون ذلك شبه مهمة مستحيلة، إن لم تكن مستحيلة بالكامل، وهذا أمر قد لا يُـزعج الأمريكيين كثيراً، طالما أن الانقسامات الطائفية ستجعلهم "يديرون العرض" العراقي كما يشتهون، خاصة بعد أن يبدؤوا تقليص وجودهم العسكري المباشر (كما هو متوقع) مع مطلع عام 2006.

سعد محيو- بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة