Navigation

العراق: عربة الدستور أمام حصان الحرب؟

مشهد من مؤتمر جمع مؤخرا ممثلين عن أهم الأطراف الممثلة للعرب السنة في العراق لمناقشة مسودة الدستور في العاصمة بغداد يوم 3 سبتمبر 2005 Keystone

المشهد في بلاد الرافدين يبدو في غاية السريالية: بدلاً من أن يكون الدستور وسيلة لتحقيق غاية السلام الأهلي والتضامن الإجتماعي، كما الحال في معظم تاريخ الدساتير، يثبت أنه مدخل لحرب أهلية وتفكك إجتماعي، أو على الأقل بأنه عربة حلول وضعت عمداً قبل حصان حرب أهلية جامحة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 سبتمبر 2005 - 17:00 يوليو,

ولكن لماذا وصلت الأمور إلى هذا الحد؟

ببساطة لان مشروع الدستور في صيغته الراهنة لا يأتي، كما الدساتير الاخرى في التاريخ، نتيجة لعقد إجتماعي بين مكونات الأمة لحل صراعاتها السياسية والإقتصادية بالطرق السلمية – القانونية، بل كحصيلة لما يصفه البعض بـ "صفقة" بين بعض عناصر هذه الامة ضد المكونات الأخرى.

في الحالة العراقية الراهنة، هذه المكونات الأخرى لا تقتصر على سنّة الوسط، بل تطاول أيضاً كل القوى السياسية اللاطائفية والعلمانية والديمقراطية في البلاد. وهذا كله يتكرس الأن في مشروع الدستور عبر وسيلتين إثنتين: تمكين رجال الدين الشيعة من أن يكونوا سلطة فوق سلطة البرلمان التشريعي المنتخب (تماما كما الامر في إيران المجاورة)، وتقسيم البلاد إلى مقاطعات فدرالية نظرية تكون فعلياً دولاً مستقلة تحكمها قوى الأمر الواقع الطائفية والأثنية.

الدستور الجديد، بهذا المعنى، هو إستمرار للحرب بوسائل أخرى. وهو، بالتالي، لن يكون مدخلاً للسلام الأهلي بل لحرب أهلية منفلتة من عقالها. وهذه حصيلة دقيقة حين نضع في الاعتبار ما يقوله العديد من الباحثين الغربيين من ان هذه الحرب الأهلية بدأت بالفعل في بلاد الرافدين.

يوضح بافل باييف، رئيس مركز دراسات الحرب الأهلية في مؤسسة أبحاث السلام في العاصمة السويدية ستوكهولم: "الحرب الأهلية في العراق ليست تهديداً، ليست إحتمالاً. إنها حقيقة حيّة الان. وهي نزاع متعدد الأبعاد. صحيح أن هناك الأرهاب الدولي، واللصوصية، والوجود العسكري الأجنبي، لكن الحرب الأهلية هي الجذوة الرئيسة لهذا النزاع، وهي تتمظهر من خلال التسابق العنيف على السلطة داخل البلاد".

هذا الرأي يقرّه العديد من الباحثين العراقيين. وعلى سبيل المثال، يرى نبيل يونس، رئيس الشؤون السياسية في حزب "الكرامة" السنّي: "إننا نعيش الان حرباً أهلية غير معلنة بين الأطياف السياسية العراقية. لقد أصبح العنف أسوأ ودخلنا مرحلة خطيرة" .

ولكن علام يتقاتل العراقيون؟ وفي أي إطار دولي ( إقرأ أميركي ) يدور هذا التقاتل؟

النفط أولاً

الاسباب تبدو عديدة ومعقدة: حصص السلطة، طبيعة الحكم الجديد (إسلامي شيعي أم سنّي)، الدولة المركزية أم الدولة الفدرالية أو الكنفديرالية، العلاقات الخارجية خاصة مع الأمريكيين والإيرانيين، إلخ.

كل من هذه الخلافات، كاف بحد ذاته لتفجير حرب أهلية. لكن المحّرك الأهم في كل هذه اللعبة أمر آخر. أمر إسمه النفط. وهذا بالطبع عند العراقيين كما الامريكيين.

فالدستور الفدرالي الجديد فصلّ على مقاس المقاطعات النفطية، بحيث يسيطر الشيعة (أو بالأحرى القوى الطائفية التي تحكمهم الان من "المجلس الاعلى للثورة الاسلامية" إلى حزب "الدعوة") على كانتونات - محافظات الجنوب التي تحتوي على ما بين 80 إلى 90 بالمائة من نفط العراق، وبحيث يسيطر الأكراد (أو بالأحرى مسعود البرزاني وجلال الطالباني) على نفط الشمال.

وهذا بالطبع يخرج سنّة المناطق الوسطى، التي لا تتضمن بترولاً، من المحاصصة النفطية ويضعهم أمام خيارين: إما الرضوخ لشروط الأطراف العراقية الأخرى ولقيود الأميركيين، او الفقر والحرمان.

النفط هنا تحولّ إلى سلاح سياسي من الطراز الأول. والدستور العتيد يعطي هذا السلاح سلطة القانون و "الشرعية الديمقراطية". ولأن السنّة لن يقبلوا بأن يهمشوا على هذا النحو المريع نفطياً وسياسياً، ستكون الحرب الأهلية هي المخرج الوحيد.

واشنطن تغير تكتيكاتها

ولكن أين الأمريكيون من هذه اللعبة النفطية الكبرى؟

فلندع جون تشابمان ، مساعد وزير بريطاني سابق ، يجيب: "الرئيس بوش سيطر على حقول النفط العراقية بهدف تحسين أمن إمدادات النفط الامريكية. فهذه الدولة تقع في قلب منطقة الخليج التي تنتج ربع البترول العالمي وتحتوي على 60 في المائة من إحتياطي النفط على الارض. ومع وجود إحتياطي في العراق يقدّر بنحو 112 مليار برميل، ومع حقيقة ان 90 في المائة من الاراضي العراقية لما تستكشف بعد، فأن العراق قادر ببساطة على أن يلعب دورا كبيرا في مجال ضمان أمن الطاقة بالنسبة لاميركا".

ويضيف محللون اوروبيون آخرون إلى هذا أن واشنطن بوجودها في قلب منطقة الخليج، سيكون في وسعها الامساك بكل صنابير البترول الشرق اوسطي، والتحكّم بأسعاره، وربما أيضا تدمير منظمة "أوبك " عبر سحب العراق منها.

لكن هنا ثمة سؤال ملح: ألا تحتاج الولايات المتحدة إلى الإستقرار في العراق لـ "التمتع" بأمنها النفطي فيه؟ ألن تكون الحرب الأهلية وصفة سامة لقطعة الحلوى هذه؟ بلى. لكن الولايات المتحدة لا تتحرك وفق الرغبات بل الوقائع. وهذه الأخيرة تشير إلى أن ثورة المناطق الوسطى من العراق على السيطرة الأمريكية قد تستمر ما بين 5 إلى 15 سنة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تغيير تكتيكاتها: بدل قمع المقاومة العراقية بنفسها، ستحيل الامر إلى العراقيين أنفسهم.

كيف ذلك؟

ببساطة، عبر الانسحاب مع منتصف العام المقبل من المدن العراقية وإقامة قواعد عسكرية تشرف على حقول النفط الرئيسة (وهذا على أي حال أول ما فعلته القوات الأميركية حين بدأت الغزو)، ثم ترك العراقيين يتقاتلون على حصص كل منهم في النفط والسلطة.

بالتأكيد ثمة مخاطر في هذا السيناريو، خاصة مع إحتمال دخول القوى الأقليمية الرئيسة (إيران، تركيا، السعودية، سوريا، الاردن) على خط الحرب الأهلية العراقية لاقتطاع جزء من الحلوى العراقية. بيد أن هذا يبقى أقل ضرراً بكثير من الوضع الأستنزافي الراهن الذي تتعرض له القوات الأميركية . كما ان هذا الضرر يتقلص إلى حد كبير إذا ما نجحت واشنطن في ضمان إستمرار السيطرة على النفط وضخه وإستكشاف حقول جديدة منه.

ماذا يعني كل ذلك؟

إنه يعني بوضوح أن الظروف المحلية العراقية والخارجية الامريكية باتت جاهزة لأستقبال حرب أهلية يتقرر فيها مصير الوطن العراقي نفسه. حرب شعارتها طائفية- إثنية ووقودها النفط والناس، وما تبقى من حجارة في بلاد العباسيين المنكوبة بلعنة البترول.

والارجح ان الدستور الجديد، سيكون الطلقة الأولى المدشّنة "رسمياً" لمثل هذه الحرب العبثية المدمّرة.

إيجابيات، إيجابيات

الأن ، وبعد قول كل شيء عن السلبيات الخطرة الكامنة في الدستور- الصفقة، نأتي إلى النصف الأخر المليء من الكوب، حيث سنرى (برغم كل مخاطر وضبابية المرحلة الراهنة) إيجابيات "غير مقصودة" برزت من خلال النقاشات الدستورية اهمها:

- برغم أن النقاشات ترقص على إيقاع الحرب الاهلية، إلا أن هذه ربما تكون المرة الأولى في تاريخ العراق التي تطرح فيها الخلافات على طاولة الصراع السياسي بدل السحل والقتل والأنقلابات التي تميزت بها حقبات ما بعد الأستقلال.

- كل الدلائل تشي بأن مقترح الدستور العراقي الجديد لن ير النور، بفعل اللغم القانوني المزروع فيه. هذا اللغم لم يضعه السنّة وشيعة مقتدى الصدر والعلمانيون المعارضون لدستور يدعو إلى الفدرالية ويضعف الهوية العربية للعراق وحقوق المرأة، كما يقولون، بل الأكراد الذين أرادوا ضمان حق النقض (الفيتو) على أي صيغة جديدة للدولة العراقية. وهذا تم من خلال بند دستوري ينص على أنه إذا ما صّوت ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات من المحافظات العراقية الـ 18 على رفض الدستور، فإنه يسقط قانوناً.
والان، السحر يكاد ينقلب على الساحر. والمعارضون سيستخدمون هذا النص في إستفتاء 15 تشرين الأول- أكتوبر المقبل، لإسقاط الدستور. والأرجح أنهم سينجحون. وحينها، ستعود عملية إعادة بناء الدولة العراقية إلى نقطة الصفر.

- كل هذا يعني، بكلمات أوضح، أنه إذا ما كان مشروع الدستور سلبياً، إلا ان المعارك السياسية- الفكرية الضخمة التي أثارها كانت إيجابية.

فمسودة الدستور، كما أشرنا، يمكن ان تنعت بشتى الأوصاف السلبية بدون أن يجانب المرء الصواب. لكن المعارك التي أثارها تعج بكل أنواع الأيجابيات. وهنا كان الرئيس الأميركي بوش على حق هذه المرة. فالوثيقة "مهمة ومصدر إلهام"، لكن ليس بسبب بنودها بل لأنها "جعلت كل العراقيين يشاركون في العملية الدستورية عبر مناقشة ميزاتها" .

هذه النقطة بالتحديد ستكون هي الأهم تاريخياً ليس فقط في العراق بل في كل المنطقة العربية، وهذا بغض النظر عن سقوط أو نجاح الوثيقة في الأستفتاء.

لماذا؟ لانها ببساطة ستدشن مرحلة جديدة في الشرق الأوسط العربي- الإسلامي، يتم بموجبها لا إنتقال المجتمعات المدنية من الحقبة التوتاليتارية إلى الحقبة الدستوروية، بل عودتها إلى هذه الحقبة الدستوروية التي عاشتها منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.

قد لا تبدو هذه الأيجابيات واضحة للعيان الأن. لكنها ستتضح بعد أن يكون العراقيون قد أنهكوا أنفسهم في حربهم الأهلية وبدأوا يبحثون عن وسائل أخرى غير العنف للحفاظ على وطنهم وأوراحهم وممتلكاتهم. وحينها سيجدون طاولة النقاشات الدستورية السابقة في انتظارهم كنقطة إنطلاق يبنى عليها.

إلا بالطبع إذا ما وقعت المعجزة وسارع العراقيون إلى وضع عربة الدستور في مكانها الصحيح: أي وراء الحصان، لا أمامه.

سعد محيو- بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.