تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

العرب في 2006.. بين الضغط والمقاومة

جنود أمريكيون يقومون بعملية تفتيش في أحد الأحياء السكنية في العاصمة العراقية بغداد يوم 25 ديسمبر 2006

(Keystone)

لم يكن عام 2006 عاما طبيعيا بالنسبة للعرب، شرقا وغربا، فهو عام الأزمات بامتياز وعام الضغوط الكثيفة وعام المقاومة من قِـبل البعض على الأقل، وعام الانكسارات المتتالية والقليل من الانتصارات، وإن وجدت فهي محل شك ولها ثمن غال ونتائجها ليست مضمونة.

بدأ العام بأزمات محدودة وانتهى بأزمات عريضة وخيبات أمل ومواجهات أخذت في الاتساع داخل بعض البلدان العربية وفيما حولها.

لم يمر العام، إلا وحرب شديدة الوطأة يتعرّض لها لبنان، وبعدها أزمة داخلية، انتهى العام وهي مستعصية على الحل، تصحبها أزمة سورية لبنانية، تبدو بدورها مقدمة لما هو أسوأ في علاقات البلدين، وعراق وصل إلى مرحلة الاحتضار كدولة وكمؤسسات، وسودان ينزف في واحد من أكبر أقاليمه، ويتعرض بدوره لضغوط هائلة لقبول قرارات دولية تحمل كل عناصر الوصاية الدولية ونزع السيادة، وأرض فلسطينية محتلة، تشهد تراجعا في الوحدة الداخلية ومواجهات بين رموز القضية اقتربت من الخطوط الحمراء، خطوط الدم الفلسطيني برصاص فلسطيني، ومن الخلف يستمر الاحتلال في مناوراته السياسية والعسكرية معا.

في الجنوب العربي

وفي الجنوب من العالم العربي، تظهر في الصومال وهو البلد المحطّـم منذ عقد ونصف، قوة أمر واقع، سُـميت بالمحاكم الإسلامية، مدّت نفوذها في مناطق عدّة من البلاد وهدّدت وضع الحكومة الانتقالية المتواضعة المستوى، والتي بدورها استعانت بقوة إقليمية لم تخف يوما من قبل نزعتها للهيمنة على الوضع الصومال وجزء كبير من سياسات القرن الأفريقي.

ولما كانت قوة الآمر الواقع تُـسمي نفسها بالإسلامية، بدأ القرن الإفريقي مرشّـحا لجولة أخرى من الصٍّـراع بين منظمات جهادية عابرة للحدود وبين دول لا تتوانى عن تطبيق استراتيجيات استباقية تشبها بما قامت به القوة العظمى الأولى في العالم تجاه العراق قبل ثلاث سنوات ونصف، فأوقعت نفسها في ورطة تبدو بلا مخرج مشرّف، وذهبت بالدولة العراقية الحديثة إلى غياهب التاريخ.

نماذج فاقعة اللون

الحالات السابقة مُـجرد نماذج فجّـة وفاقعة اللّـون لما جرى في أماكن عربية عدة، ورغم اختلاف تفاصيلها ومسمياتها وأبطالها ورموزها وامتدادتها الإقليمية والدولية، فهي تعبير عن علاقة عكسية بين ضغط خارجي ورد فعل داخلي، بين مسعى للتوجيه والسيطرة والهيمنة، وآخر للمقاومة والممانعة والرفض.

ولكن الاستطراد هنا واجب، فليس كل فعل للرّفض خال من الهوى الإقليمي، كما أن ليس كل ضغط خارجي بعيد الصّـلة بمصالح واستراتيجيات عربية لهذا الطرف أو ذاك، وفي مواجهة طرف عربي آخر. وحالة لبنان عاكسة لهذه التوليفة من المصالح العربية المتضاربة، المصحوبة بتدخلات خارجية واضحة المعالم، سواء قبل العدوان الإسرائيلي أو بعده.

الفوضى تنقلب إلى مقاومة

الجانب الأكبر من العام كان على الصعيد العربي تطبيقا لما تُـسميه الإدارة الأمريكية الفوضى الخلاقة، وبهذا التعبير المثير الذي حاول أن يمزج بين نقيضين ويقدمهما باعتبارهما طريقا للتغيير والتطور الذي لا مردّ له، ويتجاهل ما يجري على الأرض وما يُـعانيه الناس في العراق وفي دار فور وفي لبنان إبّـان العدوان الإسرائيلي، وفي الأرض الفلسطينية المحتلة، ولا يهم هنا من معه الحق ومن معه الباطل والضلال.

والفوضى في اللغة، هم قوم ليس لهم رئيس، والأصل هو فضض أو فضّ، أي قطعه وكسره، وإن كان جمعا فيعني التفرق والتشتت. والفض من الناس، فهم البشر المتفرّقون، وبهذا المعنى اللغوي، تبرز الأهداف الكبرى وراء تلك الإستراتيجية الخطيرة، فالمطلوب، أمريكيا وإسرائيليا، هو نسف الحد الأدنى من الترابط بين عناصر المنطقة وشعوبها ومجتمعاتها ودولها، سواء تمثل ذلك في لغة أو ثقافة أو دين أو مصالح جارية أو تاريخ مشترك، وهو ما فهمته وأدركته شعوب المنطقة وغالبية قياداتها.

بيد أن هذا الإدراك العام، لم يتلوه تحرّك تضامني موحّـد أو شبه موحد. فكل كان له أسلوبه إما في التكيف مع هذه الأهداف أو في رفضها وإفشالها.

ومن مظاهر التكيّـف، إعلان تعديلات دستورية وإجراء انتخابات بلدية وتشريعية لم تخلُ من بعض نزاهة وكثير من التدخل المستور والمكشوف معا. وفي هذا السياق، بدا العالم العربي مُـعرّضا لتقسيم جديد بين من وُصفوا بالمعتدلين وهؤلاء الذين وُصفوا بالمتشدّدين أو الإرهابيين أو المتطرفين أو الذين لديهم أولوية إقليمية تمتَـد إلى إيران.

توسع النفوذ الإيراني

هذا التقسيم بدوره جاء على خلفية توسّـع النفوذ الإيراني غير المسبوق في العراق، والذي بدوره قلب المعادلات الأمريكية في العراق وأثر على معادلات إسرائيل في فلسطين المحتلة وفيؤ لبنان إبّـان العدوان الإسرائيلي في الصيف، وكذلك على مواقف سوريا إزاء العديد من الملفات، العربية والإقليمية، كما اثر أيضا على مواقف الدول العربية الكبرى.

وفي هذا التقسيم بين معتدلين ومتشدّدين، تُـبرز نوايا شريرة في إثارة نزاع سُـني شيعي لن يحصد منه أحد سوى الخراب المؤكد.

إن توسع النفوذ الإيراني يعني خصما من نفوذ عربي تقليدي، والعراق ولبنان مثلان بارزان، ويمكن أن نضيف سوريا، التي تبدو علاقاتها الراهنة مع إيران أقوى من علاقاتها التقليدية مع كل من مصر والسعودية، الأمر الذي يؤثر بدوره على احتمالات رأب الصدع اللبناني، ويمده بأسباب الاستمرار إلى مدى أطول.

العمق الشعبي هو الأساس

وفي حالة فلسطين، تختلط الظنون بالحقائق، لكن المؤكّـد أن حماس كحركة وكحكومة استطاعت أن تصمد في وجه العزل السياسي والحصار الاقتصادي والضغط العسكري، مقدمة بذلك حالة فريدة لحكومة انقطعت الغالبية عن دعمها، سوى من يؤمنون برفض المطالب الإسرائيلية والأمريكية، وهم قلة في المحيط العربي.

والمؤكد أيضا أن شعبية الحركة لم تتأثر، كما أراد الذين قاطعوها أو شاركوها في حصارها، ومن هنا، تبدو قيمة المقاومة المسنودة شعبيا، فبدون سند شعبي وقناعة المواطنين، يمكن أن يتبدد في لحظة واحدة أي عمل مقاوم، والأمر نفسه، ينطبق على حالة حزب الله اللبناني، إذ لولا العمق الشعبي اللبناني، الذي يتمتع به الحزب لما استطاع أن يصمد في وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية الضخمة، ولما استطاع أن يحافظ على دوره كلاعب لبناني مُـهم في الساحة الداخلية اللبنانية.

وبينما تنطبٍـق القاعدة على حالة المحاكم الإسلامية في الصومال التي استطاعت أن تتمدد بسرعة وسهولة نسبية في المناطق التي خضعت لأهواء لوردات الحرب ومظالمهم، وأن تصبح قوة أمر واقع لعدة أشهر في معظم الصومال، فإن شعبيتها تواجٍـه اختبارا هائلا في مواجهة العدوان الإثيوبي في نهاية العام ومطلع العام الجديد، فإن القاعدة نفسها تبدو ملتبسة في الحالة العراقية.

فالصحيح أن حالات المقاومة لقوات الاحتلال الأمريكي تتزايد، لكن حالات العنف الأعمى ضد المدنيين الأبرياء تتزايد أيضا، وهو عنف ممزوج بنزعات طائفية من أجل اقتلاع جماعات من أماكنها ومناطقها ودفعها إلى الهجرة والنزوح إلى الخارج. وفي هذه الحالة، تنتفي نزعة المقاومة وينحصر الأمر في نزعة تسلّـط وانتقام من جماعة على أخرى، وكانت الحالة العراقية تطرح كل الاتجاهات المتناقضة في آن واحد.

مفارقات العدوان الإسرائيلي

لقد أظهر العدوان الإسرائيلي على لبنان مزيجا من الضغوط، ليس فقط على جزء من لبنان، ممثلا في حزب الله، بل أيضا على قطاع عريض من العرب، بغضّ النظر عن موقفهم من حزب الله اللبناني، الأمر الذي جسدته مشاركة الولايات المتحدة دبلوماسيا في دعم العدوان وإفشال كل محاولات وقف الحرب إلى أن ثبت فشل الآلة العسكرية الإسرائيلية في كسر حزب الله وتحطيمه، وكان التلكؤ الأمريكي قائما على أساس أن الحرب ستجر المنطقة إلى وضع جديد، يتحقق فيه التفوق الإسرائيلي، وتغيب عنه قوى المقاومة العربية والإسلامية، ولا يبقى فيه سوى المعتدلون وفق المقاييس الأمريكية.

واقع الأمر، أن هذا العدوان، وإن سعى مقترفوه إلى أن يكون نقطة فاصلة في تطور المنطقة العربية والإسلامية، وأن يكون مقدمة لتشكيل شرق أوسط جديد ومختلف وأكثر انسجاما مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية، فإن نتائجه الكلية لا تصبّ في هذا الاتجاه، بل في جزء كبير منها تطرح وإن على سبيل الاحتمال القوى شرق أوسط جديدا، أو بالأحرى إقليما عربيا إسلاميا أكثر إيمانا بقيمة المقاومة والتمسّـك بالحقوق، والأهم أكثر ثقة بالنفس في مواجهة الآلة العسكرية الإٍسرائيلية، وأقل اكتراثا بقدرة الردع الإسرائيلية التي بدا تآكلها أكثر وضوحا من ذي قبل، وذلك بالرغم من كل تقدمها التقني.

إن المفارقة الأكبر في حالة العدوان الإسرائيلي المدعوم أمريكيا بلا حدود، أن الدولة العبرية، وهي المالكة لقوة عسكرية جبّـارة مقارنة بجيوش الدول المحيطة بها، أنها هي التي تشعر بالخوف وبالقلق على وجودها وبقائها، وبحيث ينقلب حالها رأسا على عقب لمجرد أسر جندي أو أكثر من قبل منظمة سياسية عسكرية لا تملك من الإمكانات العسكرية، سوى النذر المحدود جدا، قياسا لما تملكه إٍسرائيل ذاتها، ويكون دائما ردها هو الاستخدام شديد الإفراط في القوة وشديد الرعونة في التخطيط، وشديد الإهتراء في التطبيق.

ولعل في العدوان ونتائجه الكلية، وحتى في مساره، ما يثبت أن افتراض القوة ليس دائما رادعا للأخر، لاسيما إن كان هذا الآخر هو القواعد الشعبية، التي تخرج من بينها قوى جديدة، شعارها الوحيد هو المقاومة والتمسك بالحق والاستعداد للتضحية إلى أقصى حد ممكن.

د. حسن أبوطالب - القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×