Navigation

العرب وحكومة علاوى .. من التردد الى الانفتاح

الرئيس السوري بشار الأسد لدى استقباله لرئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي في دمشق يوم 24 يوليو 2004 Keystone

ربما فوجئ البعض بمظاهر الحفاوة الكبيرة التى وجدها رئيس وزراء الحكومة العراقية المؤقتة فى العواصم العربية التى حل بها ضيفا رسميا فى النصف الثانى من شهر يوليو.

هذا المحتوى تم نشره يوم 30 يوليو 2004 - 16:29 يوليو,

لكن هذه المفاجأة تختفى جزئيا مع تبين أن الموقف العربى العام بات اكثر قبولا لهذه الحكومة رغم تعيينها من الاحتلال الأمريكى. وهو قبول يعكس انتقالا فعليا من خانة التردد إلى خانة الانفتاح.

هذا القبول الرسمي العربي فيه قدر من الواقعية وشيء التمني كما أن انتقال الحكومات من حالة التردد إلى خانة الإنفتاح كانت له مظاهره التى بدت فى كل العواصم العربية الست، وكان قوامها لغة دبلوماسية ذات طابع تعاونى عال جدا، واستقبال دافئ، واستئناف للعلاقات مع السعودية واتفاق على تشكيل لجان عليا كما مع مصر والأردن لبحث وتنظيم وتنشيط العلاقات بين البلدين فى المستقبل فى كل المجالات، ووعود عراقية بحل القضايا المعلقة لبعض العرب من قبيل رد مستحقات لقطاع خاص أو التزامات كانت مترتبة على الحكومة العراقية السابقة، او تسوية مبالغ مالية موجودة فى مصارف عربية وتحق للعراق كما هو الحال فى سوريا.

والأهم من ذلك وعود بتعاون أمنى لمواجهة التردى الحاصل فى العراق وما فيه من انتشار لغة العنف والخطف والإرهاب، وتراجع لدور جماعات المقاومة العراقية وانغلاق الأفق السياسى أمامها وتجاوز مرحلتها.

ولترجمة ذلك جرت الوعود والاتفاقات من حيث المبدأ على تدريب كوادر وقيادات أمنية عراقية فى كل من مصر والأردن، أو فى تشكيل لجان مشتركة لضبط التسلل عبر الحدود مع الجيران المباشرين. وفى كل برز التوافق على أن انتشار الإرهاب فى العراق سيؤذى جميع جيرانه بلا استثناء.

صك الشرعية العربية

ولعل تزامن زيارة علاوى مع اجتماع القاهرة لوزراء خارجية دول الجوار العراقى ومصر، الذى سادته لغة المصارحة والعتاب المتبادل والسعى إلى إغلاق ثغرات العام الماضى، ثم ما طرحه الاجتماع ذاته من رؤية شاملة نسبيا للتعامل مع الحكومة العراقية المؤقتة والوضع العراقى بوجه عام، يعطى بعدا جديا ومهما للعلاقة بين العراق الجديد وبين جيرانه عربا وغير عرب.

هذا البعد يمكن تلخيصه فى أن العراق الآن - حسب رؤية جيرانه - بات على بداية طريق التعافى السياسى، وان سيادته قابلة للاسترجاع وفق عملية مقررة بالفعل وذات طابع دولى حتى ولو كان رمزيا. والمهم هنا مساعدته على استكمالها حتى النهاية، وان الابتعاد عن العراق فيه خطر عليه وعلى الأطراف المجاورة كلها.

الزيارة والاجتماع يؤكدان أن قدرا كبيرا من الشرعية العربية وأخرى من الجوار غير العربى، قد مُنح للعراق الجديد. وفى هذا التطور رسالة الى الولايات المتحدة وبريطانيا، بأن دورهما فى التدخل المباشر فى العملية السياسية والأمنية فى العراق يقترب من النهاية. وهى رسالة كانت واضحة فى البيان الصادر عن الاجتماع والذى تضمن التأكيد على أهمية دور الأمم المتحدة فى إعادة بناء المؤسسات العراقية وجهود التنمية فيه، والتشديد على انتهاء ولاية دور القوات المتعددة الجنسيات بعد اكتمال العملية السياسية المقرر انتهائها فى ديسمبر 2005، وحتى قبل اكتمالها إذا ما طلبت الحكومة العراقية ذلك.

هذه الشرعية العربية ليست من فراغ، وهي تعكس رؤية واقعية، وتحسبا من أي تردى للعلاقات المستقبلية. فالصحيح أن الحكومة المؤقتة نفسها قد عُـيّـنـت من قبل الاحتلال، الا أنها وحسب القرار الدولى 1546، ارتبطت بإنهاء حالة الاحتلال قانونيا، ومن ثم فإن وضعها العام يسمح بالتعامل معها باعتبارها حكومة عراقية تعكس الطموح فى السيادة والحرية الكاملة. وإذا ما قدر لعملية نقل السيادة ان تستمر بوتيرتها المعلنة، فإن العراق الجديد المعافى كلية أمامه فقط عام وثلاثة أشهر وحسب، وهى مدة ليست طويلة فى عمر الشعوب.

ومن ثم فإن التعاون مع هذه الحكومة لاستكمال هذه المهمة، سيحسب لاي بلد عربى، أما مناوئتها والوقوف منها ببرود وغير حماس، فسيكون موقفا مضادا له تبعاته السلبية على مستقبل وطبيعة العلاقات الثنائية معا. وإذا كان يمكن لبعض الدول العربية البعيدة عن العراق أن تتحمل قدرا من البرودة فى علاقاتها مع العراق الجديد، فإن جيرانه المباشرين لا يتحملون ذلك.

استرداد العراق عربيا

ومن وجهة نظر جيران العراق العرب، إضافة إلى مصر، فإن المهمة الأكبر، والتى تتطلب سياسة تجمع بين الحذر والحكمة، تتعلق أساسا باسترداد العراق عربيا، وتمكينه من مواجهة خطط تقسيمه أو شده بعيدا إلى تحالفات أو تجمعات ضد المصالح العربية العامة، أو أن يبقى تحت طائلة الاحتلال المقنع الى ما لانهاية. وهو أمر لا يستقيم إذا ما ترك العراق وحيدا دون سند عربى.

ففى الوقت الذى يطالب فيه العرب العراق بأن يكون رصيدا لهم ولقضايا العروبة، لابد أن يقدم العرب الكثير من الدعم الشامل. ولذلك فإن النفى العلنى من قبل أياد علاوى لأى تأثير أو دور أو وجود إسرائيلى مباشر فى الشأن العراقى له دلالته الكبرى، فهو يقال بصورة قاطعة، وفيه التزام باستمرار وقوف العراق مع الحق العربى فى فلسطين، أو على الأقل ألا يكون بوابة لمصالح واستراتيجيات أجنبية مضادة للمصالح والحقوق العربية.

وعلى الرغم من التقارير الصحفية وبعض تقارير رسمية عربية تؤكد وجود محاولات إسرائيلية للتأثير على الأوضاع فى العراق عبر بوابة اليهود العراقيين، ومطالبتهم بتعويضات عن أملاكهم أو استعادتها عبر الشراء بمبالغ هائلة، لاسيما فى منطقة الكرادة بالقرب من بغداد وبعض مناطق فى الشمال، فإن نفى علاوى العلنى كما حدث فى القاهرة ودمشق، يسمح بالقول أن هذا الموقف الرسمى يفرض سياسة عراقية نشطة لمحاصرة ااتحركات والأنشطة الإسرائيلية، وربما سيكون ذلك أحد مجالات التعاون غير المعلنة بين العراق الجديد ودول عربية رئيسة فى المنطقة، إضافة إلى تركيا التى عبرت عن تخوفها رسميا من أنشطة الموساد الإسرائيلى فى الشمال العراقى الكردى.

عامل الإرهاب والعنف

واستكمالا لأسباب التحول العربى، فمن المؤكد أن بعض البلدان العربية قدمت تسهيلات مادية إلى جماعات مقاومة عراقية، بهدف جعل الاحتلال الأمريكى البريطانى له ثمن فادح. والمؤكد أيضا أن الخط الفاصل بين أعمال المقاومة الحقة الهادفة الى التحرير ومقاومة الاحتلال، وأعمال الأرهاب والعنف الاعمى والجرائم الموجهة الى العراقيين أنفسهم بات عريضا، وبما يسمح بالخروج من دائرة الالتباس وصعوبة التقييم.

والملاحظة الأبرز هنا أن الجماعات المجهولة الهوية باتت لها الدور الأكبر فى تدمير الوضع الامنى العراقى، وأن هدفها فى تفريغ العراق من كل الجهات الدولية الساعية الى العمل فى سوقه الواعدة، أصبح يمثل عبئا ثقيلا على كل العراقيين، إضافة إلى جيرانهم أيضا.

وفى كثير من وقائع الخطف والمواجهات التى ظهرت فى الشهور الأربعة الماضية تحديدا، فإن سلوك معظم هذه الجماعات بات اقرب إلى الجريمة المنظمة والحصول على المال، والقيام بعمليات لتصفية حسابات ضد أفراد أو علماء لصالح قوى خفية. إضافة إلى أنه لا أحد يمكنه تصور ان مثل هذه الجماعات تستطيع ان تعيد بناء العراق على أسس حديثة، أو أنها تقدم البديل الموضوعى لعملية انتقال السلطة والسيادة التى تتم تحت مظلة دولية ولو كانت واهية إلى حد كبير.

والمرجح أن جيران العراق باتوا أكثر إدراكا بأن تدهور الوضع الأمنى فى العراق يمثل خطوة كبيرة نحو الخلف، وخطوة أكبر تجاه حالة من العنف الأعمى ستصل إليهم لا محالة. ومن هنا جاء القرار بأن التعاون الأمني مدخل لا غنى عنه، سواء لدعم العراق الجديد، أو للحفاظ على الأمن الذاتى نفسه. وهو ما عبر عنه الرئيس السورى بشار الأسد بقوله إن أمن العراق هو من أمن سوريا.

وبالطبع يسمح هذا التطور بالاستنتاج بأن الذين دعموا وساندوا جماعات المقاومة فى العام الأول قد وجدوا أن الظروف تغيرت، وأن هذا النمط من الفعل العسكرى قد استنفذ أغراضه، وأن لا مستقبل لهذه النوعية من المقاومة العسكرية، ومن ثم فإن المقاومة السياسية للاحتلال عبر بوابة دعم ومساندة حكومة عراقية حقيقية وفاعلة، هو الأسلوب الأكثر فعالية.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.