العملية صـفـر

عرفات يحتفي أمام وسائل الإعلام بإعلان أحمد قريع سحب استقالته يوم 27 يوليو 2004 في رام الله Keystone

تشبه السياسة الفلسطينية أحجية تقليدية لا يحتاج فك طلاسمها تفكيرا عميقا، لكن الانشغال فيها يستثير الفكر ويدفع إلى تنشيط العقل.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 أغسطس 2004 - 10:28 يوليو,

وفي أزمة استقالة رئيس الوزراء أحمد قريع ورجوعه عنها على خلفية تمرد غزة الاخير ما يعيد الامور في الساحة الفلسطينية إلى نقطة الصفر لا أكثر إن لم يكن .. أقل.

لذلك فإن عرض المسالة من زوايا لا تتعلق بحجة الخلاف حول صلاحيات الرئيس ورئيس الوزراء، يضفي رونقا ويفتح الباب على أسباب وعناصر حملت الازمة الاخيرة الى ما هو أبعد من نزاع قوة.

ربما ظلت قضية تولي رئيس الوزراء صلاحيات الامن، تستحوذ على أجندة المراقبين وتؤشر الى ان الرئيس المخضرم والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، لم يستوعب حتى اللحظة مسالة وجود منصب آخر على رأس الهرم السياسي الفلسطيني.

ولعل تداعيات الضغوط الخارجية والداخلية على مدار العام الاخير ذهبت هباء منثورا، ليتبين سدنة الاصلاح السياسي والادارى والمالي في السلطة الفلسطينية أن ثمة جدارا مانعا يتشكل في كل مرة يثور فيها لغم مزروع في ساحة البيت الفلسطيني.

ويؤكد مسؤولون ومصادر مطلعة ان تخوفات كبيرة، محلية واقليمية ودولية، من مغبة قيام عرفات بالغاء منصب رئيس الوزراء كانت وراء الدفع الكبير لتراجع قريع عن استقالته رغم إصراره عليها ورغم توصية المجلس التشريعي بها ايضا.

وإن كان في اصرار عرفات على عدم قبول استقالة قريع ما يتناقض مع التخوف من قيامه بالغاء منصب رئيس الوزراء، فان أحجية السياسة الفلسطينية البسيطة، تظل قادرة على تكثيف الكثير في القليل ورفد التناقضات بماء لا ينضب.

وفي دليل ذلك، أن تمرد غزة الذي انطلق تحت لواء راية الاصلاح واخفق في التحول الى حالة عامة، سوى من حالات محددة، تغير بقدرة قادر إلى مسالة استقالة الحكومة وانحصر في كواليس المصالحة بين الرئيس ورئيس وزرائه.

وما لبثت الازمة أن اشتدت، حتى طوقت من جديد، وبعد قطيعة ايام عاد عرفات وقريع يتعانقان امام كاميرات الصحافيين ويؤكدان أنه لا وجود لخلافات بينهما وأنهما يعملان ضمن فريق واحد.

حتى مسالة صلاحيات أجهزة الامن، التي روج أن عرفات وافق على نقلها الى قريع، لم تحسم بالقطع بالرغم من الاعلانات المتكررة أن الرئيس المخضرم وافق عليها وأنه أجاز أيضا ورقة الاصلاح العامة التي أعدها المجلس التشريعي قبل نحو عامين.

المعركة المستمرة

في الوقت الذي انشغل فيه الجميع في تحليل معطيات تمرد غزة ومن يقف وراءه بالتحدييد، كانت ثمة قوى اقليمة تطالب رئيس الوزراء الفلسطيني بالرجوع عن استقالته والثبات في مكانه، حتى وان لم يسجل اي انجاز او يتولى اي صلاحيات حقيقية.

أول المبادرين، حسب مسؤول كبير، كان زعيم المعارضة العمالية في اسرائيل، شيمون بيريس، الذي يتربص للدخول في حكومة وحدة جديدة مع رئيس الوزراء اريييل شارون.

المعلومات الواردة تقول، ان بيريس، الذي لم يقطع ابدا اتصالاته مع قريع، طلب من رئيس الوزراء الفلسطيني البقاء في منصبة مبشرا اياه بانه عائد الى ساحة العمل السياسي وانه سيقنع شارون بضرورة التنسيق مع الجانب الفلسطيني في مسالة الانسحاب الاحادي من غزة.

عين بيريس، استنادا الى ذات المصادر، كانت على عرفات الذي ظل يثبت طوال الوقت انه الرجل الاول، رغم جميع المحاولات باقصائه. كان طلب بيريس من قريع بالثبات يشير الى رغبة اسرائيلية في منح رئيس الوزراء الضعيف فرصة مستقبلية لتحقيق "انجاز".

مصر، بوصفها الوسيط الرئيسي بين الفلسطينيين والاسرائيليين، كانت هي الاخرى تعمل بجد لابقاء قريع في منصبه. ويقول احد المسوؤلين الكبار ان الرئيس المصري حسني مبارك قام شخصيا بالتحدث الى قريع وقال له استنادا الى ذات المسؤول: "استقالتك مرفوضة. أنا شخصيا أرفضها".

مصر الوسيط القوي والوحيد على الساحة، لا ترغب بضياع المبادرة التي طرحتها، وتريد في نفس الوقت أن تطرد عن نفسها تهمة الوقوف وراء تمرد غزة، وهي لذلك تريد ان تعمل على ابقاء الوضع في إطار الشرعية الفلسطينية الصرفة البعيدة عن قواعد الاحتراب.

كانت جميع الاطراف الرئيسية، بمن فيها عرفات، ترفض استقالة قريع. اصبح الامر تعبيرا واضحا عن رغبة قوية من جميع اللاعبين بالحفاظ على منصب رئيس الوزراء الفلسطيني، وإن كان المنصب لا زال يفتقد أي صلاحيات حقيقية.

المعركة الحقيقية هي في استمرار المنصب والمعركة المستمرة، تكمن في الفوز بغنيمة الصلاحيات، لكن الصلاحيات لاتصطدم بعرفات فقط، وانما بمجموعة التعقيدات السياسية التي تتعلق بالنزاع الاسرائيلي الفلسطيني.

العاصفة التي لم تهب

هبت عاصفة غزة في صيف قائظ ووسط اجواء تفتقر الى دفع الريح وهدير الامواج، ربما كما يحلو للكثيرين ان يصفوا الامر انه مولود خداج في غير اوانه تنقصه الخبرة او تمتزج به دوافع وملابسات صراع القوى والنفوذ.

اشارة ذلك تتعلق بالطريقة التي تعامل بها قريع مع المسالة ولجوئه الى اخراج نفسه من دائرة المسؤولية والاسراع في القاء اللوم على حقيقة عدم حصوله على صلاحيات حقيقة تمكنه من ضبط الامور تحت لواء مركزية السلطة.

اختار رئيس الوزراء عدم المواجهة والهرب الى الامام. كان يمكن ان يتصدى رئيس الوزراء لتمرد غزة او ان يعمل على مجاراته، لكنه غير قادر على الاثنين:امران احلاهما مر: لايمكن له ان يوالى المتمردين ويقع في فخهم ضد الرئيس، ولا ان يواجه الرئيس وينازع على صلاحياته.

ووفق هذه المعادلة وهذا الموقف اللين الهين، خبت نار غزة رغم وطاة الحر واشتداد المطالبة بدحر الفساد. ولم تقو الخطوة الاولى العملية في صراع القوى الداخلي الفلسطيني على الانتقال من غزة الى الضفة.

قوة الفلسطيينين في ضعفهم، وضعفهم في وقوتهم، انتهى الشوط الاول من مبارزة القوى بنتيجة الصفر المدوي، لا الرئيس المخضرم استجاب ولا التمرد الاول حقق اهدافه ولا القضية الفلسطينية حققت اي مكاسب.

ستظل الحكومة الحالية قاصرة عاجزة عن امتلاك اي صلاحيات حقيقة ما لم تحقق اي انجاز سياسي، والانجاز السياسي رهن بشروط اسرائيلية واميركية واقليمية، والرئاسة الفلسطينية تنجر الى لعبة مدمرة.

ظلت الازمة في غمدها، من يخرجها الان من سباتها المزيف غير قادر على اعادتها، لقد وقع المحظور واصبح اللعب في وضح النهار مع مجموعة تصر على نقل المواجهة الى الضفة الغربية حيث ايدى الحكومة والرئاسة مكبلة بفعل الاحتلال.

هشام عبدالله - رام الله

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة