Navigation

العودة إلى وضع ما قبل الماعز....

السيد عبد الباري عطوان أثناء إلقاءه لمحاضرته في زيوريخ يوم السبت 2 يونيو الجاري swissinfo.ch

السيد عبد الباري عطوان، رئيس تحرير جريدة القدس العربي الصادرة في لندن، كان ضيف ندوة سياسية بعنوان "فلسطين" عقدت في مدينة زيوريخ السويسرية. وفيها قدم تحليله للوضع في المنطقة العربية والقضية الفلسطينية؛ أما تقييمه للمبادرة المصرية الأردنية وتقرير ميتشيل فهو لا يزيد عن عبارة واحدة "يريدون منا العودة إلى وضع ما قبل الماعز."

هذا المحتوى تم نشره يوم 07 يونيو 2001 - 15:05 يوليو,

أي ماعز؟ هي نكتة أستخدمها السيد عبد الباري عطوان للتدليل على رأيه في الندوة التي نظمتها ’جمعية الفلسطينيين في سويسرا‘ في مدينة زيوريخ يوم السبت الموافق الثاني من شهر يونيو الجاري. نكتة مصدرها "أولاد العمومة" على حد تعبيره: " رجل يهودي متدين يعيش مع زوجته الشابة وأطفاله الثمانية في غرفة واحدة. ضاقت بوجه ظروف الحياة والقيود التي فرضها تكدسه وأسرته بين جدران أربعة. فذهب إلى رجل دين يثق به.. شرح له الوضع طالبا منه أن يجد له حلا. فنصحه رجل الدين بشراء معزة. معزة؟ ’نعم. خذها وضعها في الغرفة معكم، ثم تعال بعد أسبوع.‘

لم يتحسن الوضع بالطبع بعد أسبوع بل ازداد سوءا .. وقرفا. لكن رجل الدين اليهودي أقنعه بالرغم من ذلك بشراء ثلاث معزات جديدة. ومع كل معزة تفاقم الوضع وتدهور. ما هو الحل؟ نصحه ببيع المعزات، الواحدة تلو الأخرى، وفي كل مرة كان يسأله عن وضعه، فيقول إنه يتحسن، حتى باع المعزة الأخيرة، فجاءه سؤال رجل الدين اليهودي: كيف الحال؟ فكانت إجابته "على أحسن حال."

نكتة أم واقع؟

قناعة السيد عبد الباري عطوان أن كل المحاولات الرامية لإيقاف الانتفاضة، بما فيها مبادرة السلام المصرية الأردنية وتقرير ميتشيل، تهدف إلى "إعادتنا إلى وضع ما قبل الماعز." فأهمية الانتفاضة في رأيه ليست متعلقة فقط بالوضع في إسرائيل والأراضي المحتلة فحسب، بل تتعداها إلى المنطقة العربية ككل.

كيف؟ هو يري أن دولا عربية كمصر والسعودية والأردن وسوريا تواجه احتقانات شعبية قوية، وأن تأزم الوضع في الأراضي المحتلة، في ظل مواقف عربية رسمية لا تعبر عن توقعات الجماهير، قد يؤدي إلى تفجير ثورات شعبية، وأن هذا الاحتمال لا يغيب عن بال صناع القرار العرب والأمريكيين... والنتيجة: "ضرورة وقف الانتفاضة."

قد يبدو في تفسير السيد عبد الباري عطوان، قدرا من المبالغة، لاسيما وأنه أبدى نزوعاً
- أثار بلا شك حماسة كل الحاضرين في الندوة - لوضع المحاولات العربية لإيجاد مخرج من المأزق الراهن في سلة واحدة.... سلة الالتفاف على مطالب الشعب الفلسطيني وتجاوزها. وهو ميل ظهر بصورة أوضح في تحليله للوضع في العالم العربي عندما فسر العديد من المشاكل والأزمات التي تمر بها دول عربية كالعراق والجزائر، على سبيل المثال، من منظور المؤامرة.

نحن والعالم...

"نعيش في مرحلة العولمة." هكذا أستهل السيد عبد الباري عطوان حديثه. وهي عولمة
" لها رأس وعضلات أمريكية وجسم أوروبي، وتحاول أن تفرض أدواتها على الشرق الأوسط باعتبار أن فيها ثلثي كميات النفط" والهدف، يكمل السيد عطوان، هو " إبقاء إٍسرائيل كقوة إقليمية، وتأمين تدفق النفط". وفي هذين الهدفين الاستراتيجيين لم يجانب المحاضر الصواب. فالعديد من المراقبين والمحللين السياسيين يجمعون على أن السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط يتحكم فيها إلى حد بعيد هذان البعدان.

لكن السيد عطوان يعود وبقوة إلى نظرية المؤامرة عندما يتحدث عن الكيفية التي تسعى بها القوة العظمي إلى ترجمة هذين الهدفين على ارض الواقع: "فأية قوة عربية تريد أن تنشأ يجب أن ُتضرب" ومن هذا المنطلق، تم إخراج مصر من معادلة الشرق الأوسط من خلال معاهدة كامب ديفيد، وتدمير قدرات العراق وإيران من خلال حرب الخليج الأولى، ثم تدمير قدرات العراق العسكرية بعد حرب الخليج الثانية.

ويؤكد السيد عبد الباري عطوان تصوره بالقول: " سواء أن غزا العراق الكويت أم لا، كان ُسيضرب" ربما.. لكن، كان عليه، رغم ذلك- مثلما يقول كثيرون- أن لا يقدم نفسه على طبق من ذهب للمتربصين! ويضيف المحاضر: "وكل دولة مشاغبة في منظمة الدول المصدرة للنفط، الاوبك، تتعرض الآن للتدمير ... مثلما يحدث في الجزائر.." ونسي، ولعله لم يلتفت، إلى أن الوضع في الجزائر تتحكم فيه معادلات معقدة وأن الأزمة التي تمر بها فيها ما يكفي من المسببات والعوامل الداخلية.. لا الخارجية.

مسببات الانتفاضة..

في المقابل، كان لرأي السيد عبد الباري عطوان القائل بإن محاولة إيقاف الانتفاضة للعودة إلى الوضع الذي ساد قبلها، ليس إلا التفافا من نوع أخر يتجاهل الأسباب التي أدت إلى تفجرها، َرجعٌ وصدى واقعي في صفوف الحاضرين.

فعملية السلام التي بدأت مع مؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو للسلام لم تكن تهدف إلى تحقيق سلام فعلي:"الهدف كان إنهاء الانتفاضة الفلسطينية الأولى.. وتحقيق الأمن، كل الأمن، لإسرائيل." المفارقة، يقول السيد عطوان، أن إسرائيل أدركت أنها، بكل قوتها والحماية الأمريكية، لا تستطيع أن توفر الأمان لنفسها إلا من خلال "هذا الفلسطيني الفقير المعدم الذي لا يملك إلا حجرة." لكنها على ذلك، أرادت السلام دون تقديم المقابل، على حد رأيه.

إضافة إلى ذلك، جاء فشل عملية السلام، بسبب عامل فلسطيني داخلي. فالمفاوض الفلسطيني وافق على الدخول في عملية السلام لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووقف الهجمة الاستيطانية التي تزايدت في تلك الفترة. لكن الهدف لم يتحقق. فخلال فترة السبع سنوات، عمر المفاوضات، ارتفع عدد المستوطنين الإسرائيليين من مائة ألف إلى مائتي ألف؛ وهو عدد لا يشمل مائة وثمانين ألف مستوطن في القدس الشرقية.

وعدا عن استمرار عمليات مصادرة الأراضي وانتزاع الملكية التي واصلت السلطات الإسرائيلية ممارستها، فإن التنازلات المتلاحقة التي قدمها الجانب الفلسطيني وجاءت على حساب أراضيه وحقوقه التي أقرتها الشرعية الدولية زادت من تفاقم حالة الغليان الفلسطينية. أما الفشل الحقيقي فكان داخليا:"فشلنا فشلا ذريعا في أن نقدم النموذج في الديمقراطية.. في حقوق الإنسان.. في إقامة إعلام جيد."

وبين المطرقة والسندان لم يجد الشعب الفلسطيني أمامه من خيار سوى الانتفاضة، خاصة بعد أن أظهرت مفاوضات كامب ديفيد الأخيرة خواء العملية السلمية وأنها سعت عمليا إلى نسف كل حق لعودة اللاجئين الفلسطينيين، وهو الحق الذي يعتبره السيد عطوان، أساس القضية الفلسطينية.

والحل؟ في رأي السيد عبد الباري عطوان أن مفتاح القضية الفلسطينية هو في استمرار المقاومة الفلسطينية والانتفاضة. فأي دعوة لإيقافها ستؤدى بالفلسطيني إلى العودة "إلى وضع ما قبل الماعز"!
هذا الرأي أثار حماس الحاضرين وتصفيقهم الحار إن لم يكن هتافهم.. ترى هل سيصمد أمام تحديات الواقع؟

إلهام مانع - ريوريخ

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.