تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

العُقدة التركية في الحرب الأمريكية على العراق

العقدة التركية هي كردستان العراق، والأكراد وتطلعاتهم منذ أيام الملا مصطفى برزاني

(Keystone)

ما هو الدور التركي في شمال العراق؟ أصبح هذا السؤال يقُضّ مضجع الساسة والعسكريين الأمريكيين بعد مرور أقل من أسبوع على بداية الحرب الأمريكية ضد العراق.

فالفصائل الكردية العراقية مصممة على التصدي لأي تدخل عسكري تركي في شمال العراق، وهذا، وإن حدث، من شأنه أن يزيد الأوضاع تعقيدا.

القرار الذي اتخذه البرلمان التركي مساء الخميس 20 مارس بالموافقة على مذكرة حكومة رجب طيب أردوغان فتح المجال الجوي التركي أمام الطائرات الحربية الأمريكية، وإرسال قوات تركية إلى شمال العراق، قرار مهم جدا، ليس لمضمونه المتواضع، بل لأنه وضع حدا لتدهور العلاقات التركية الأمريكية، وأبقى الباب مفتوحا أمام تطوير التعاون في حال أملت مستجدات الحرب على العراق ذلك.

قرار البرلمان التركي هو خطوة "تسهيلية" للولايات المتحدة في حربها ضد العراق، لكنه لا يعني أن الجبهة الشمالية قد فُتحت، وإرسال قوات تركية إلى شمال العراق يجعل من أنقرة عنصرا من العناصر المكونة للمشهد العراقي، لكنه لا يعني أن تركيا أصبحت جزءً كاملا من الحرب الأمريكية على العراق.

إن هواجس تركيا ليست في بغداد، ومعركتها ليست مع بغداد. إن هواجس تركيا تحوم في شمال العراق، ومعركتها تستهدف النزعات الاستقلالية والانفصالية المحتملة للأكراد هناك، فيما عَـيـنُ أمريكا على بغداد ومعركتها ضد بغداد.

عقدة أنقرة الكردية

وإن كان هذا التناقض يعني شيئا، فهو أن أنقرة وواشنطن غير متفقتين على الأهداف في الملف العراقي. وبالتالي، أدى عدم الاتفاق هذا طوال الأشهر والأسابيع الأخيرة إلى أكبر "سوء تفاهم" وتوتر في العلاقات بين أنقرة وواشنطن.

يُمكن القول بصورة واضحة جدا، إن لأمريكا "أجندتها" المختلفة عن "الأجندة" التركية في العراق، والخلاف واضح وحاسم بشأن كل ما يتعلق بـ "البعد الكردي" من المسألة العراقية.

لقد كانت المحادثات بين أنقرة وواشنطن تمضي في الطريق الصحيح، وتم تجاوز كل القضايا العالقة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري. لكن البرلمان التركي رفض في 1 مارس المصادقة على نشر أكثر من 60 ألف جندي أمريكي في الأراضي التركية على الحدود مع العراق. وتبين أن الشق السياسي المتعلق بوضع الأكراد في العراق مازال عالقا بين أنقرة وواشنطن.

تقول أنقرة، إن أمريكا لم تقدم ضمانات كافية حول مستقبل أكراد العراق: ما سيكون مستوى تسلحهم في هذه المرحلة، وما هو مصير المليشيات المسلحة الكردية بعد انتهاء الحرب، وما هي صيغة النظام السياسي الذي سيحكم العراق بعد إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وما هو مصير الجالية التركمانية في العراق الجديد، وأخيرا وليس آخرا، ما مستقبل حقول النفط في الموصل وكركوك؟؟؟

عند هذه النقطة بالتحديد، كانت المفاوضات الأمريكية التركية تتعثر، وكان القرار التركي بالتأجيل المتتالي لفتح الجبهة الشمالية أمام القوات الأمريكية.

كان موعد الحرب يقترب بسرعة، وكانت الضغوط الأمريكية تشتد على أنقرة، لكن الحكومة التركية بقيت مصرة على أن تكون كل التفاصيل في أي اتفاق أمريكي تركي واضحة ومحددة. فأنقرة لا تريد أن تتورط في حرب، نهايتها غير معروفة وأن تكون أمام مفاجآت مماثلة لتلك التي نتجت عن حرب عام 1991.

مصالح متباينة

كان الرأي السائد لدى السلطات التركية أن الحرب غير ممكنة من دون جبهة شمالية، وكان الرهان على أن واشنطن سترضخ في النهاية للمطالب التركية. لكن المفاجأة أن واشنطن تخلّت عن "الصفقة الشاملة" مع تركيا، واكتفت بطلب فتح المجال الجوي التركي دون تقديم أي مساعدات اقتصادية لأنقرة.

وتعتبر أوساط تركية أن الإدارة الأمريكية اتخذت هذا القرار انطلاقا من عدة عوامل:

·اقتراب ساعة الصفر للحرب، دون حصول واشنطن على رد إيجابي من أنقرة بشأن فتح الجبهة الشمالية، ولا يمكن لواشنطن أن تبقى "رهينة" التردد التركي إلى ما لا نهاية.

·الانزعاج الأمريكي الشديد من الموقف التركي ورغبة واشنطن الخفية في معاقبة أنقرة اقتصاديا.

·إيلاء واشنطن أهمية أكبر للعنصر الكردي في المعادلة العراقية أكثر من العنصر التركي، وتعتقد الأوساط التركية أن هنالك وعودا أمريكيا حقيقية للأكراد العراقيين.

واستنادا إلى هذه العوامل، يبدو أن واشنطن أسقطت من حساباتها ومخططاتها، ولو مؤقتا، الاعتماد على فتح جبهة شمالية، والمراهنة على تحقيق كل الأهداف العسكرية الأمريكية على الجبهة الجنوبية العراقية.

نفط الموصل وكركوك

لكن السؤال أو علامة الاستفهام الكبرى هنا هي، هل ستحاول القوات الأمريكية في مراحل أولى السيطرة على مدينتي الموصل وكركوك وما يحيط بهما من حقول نفطية مهمة عبر المليشيات الكردية ما دامت القوات الأمريكية غير موجودة بكثافة في هاتين المنطقتين؟

هذا الاحتمال الذي تعززه معارضة الفصائل الكردية العراقية بقوة أي تدخّـل تركي مباشر في شمال العراق من خلال التواجد العسكري أو التأثير السياسي، قد يكون القِـشّـة التي ستقصم ظهر البعير وتؤكد الهواجس التركية، وهو ما يبرر العدد القليل للقوات التركية التي دخلت يوم السبت في عمق الأراضي العراقية، والتي لم يتجاوز عددها ألف وخمس مائة جندي. لكن رغم ذلك، هنالك إجماع بين الخبراء بشؤون المنطقة، بأن التدخل التركي قد يقلِبُ الأوضاع رأسا على عقِب.

ويبدو أن الجانبين التركي والأمريكي قد اعتمدا سياسة "يوم بيوم" وبلورة المواقف تبعا للمستجدات. لكن بقدر ما تتباعد المواقف، بقدر ما تكبر هواجس أنقرة وتتكاثر. والعكس قد يكون صحيحا، لكن بدرجة أقل.

ومع أن الولايات المتحدة تفضّـل أن لا تشهد المناطق الكردية في شمال العراق أي اشتباكات تركية كردية في هذه المرحلة المبكرة من الحرب، لكن من غير المستبعد أن نفوذ واشنطن لتبريد الحساسيات التركية الكردية محدود جدا في الظروف الحالية.

إن تركيا، العضوة في الحلف الأطلسي الذي تُهيمن عليه الولايات المتحدة، تُدرك أنها عشية مرحلة جديدة من تاريخها وتاريخ المنطقة، وهي لا تريد للجمهورية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك قبل 80 عاما أن تتعرض لأي اهتزاز، وواشنطن التي غامرت بشن الحرب على العراق خارج إطار الأمم المتحدة والشرعية الدولية، لن تقبل أن ينكسر جبروتها عند "الحاجز التركي" أو أن تُعيق أنقرة مخططاتها بسبب حساسيتها الكردية.

محمد نور الدين - بيروت


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×