Navigation

الـمـأزق

استيلاء القوات الإسرائيلية على بيت الشرق يدخل في إطار سعي حكومة شارون لإلغاء كل ما ترتب على اتفاقيات أوسلو swissinfo.ch

مثلما كان منتظرا ردت إسرائيل بقوة على العملية الإنتقامية التي نفذتها كتائب القسام يوم الخميس في أحد مطاعم القدس الغربية وأدت إلى مصرع ستة عشر شخصا على الأقل وإصابة العشرات بجروح متفاوتة. لكن حكومة شارون لم تكتف هذه المرة بضرب مواقع تابعة لقوات الأمن الفلسطيني، بل أقدمت على إغلاق جميع المكاتب الفلسطينية في القدس الشرقية وأعادت الاستيلاء على بيت الشرق رمز وجود السلطة في مدينة القدس

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 أغسطس 2001 - 15:21 يوليو,

يحمّّل العديد من المراقبين الحكومة الإسرائيلية المسؤولية، ليس فقط عن الضحايا في الجانب الفلسطيني، بل في الجانب الإسرائيلي أيضا. فالمتتبع لخطوات حكومة شارون طيلة الأشهر الماضية، يلاحظ ان رئيس الوزراء الإسرائيلي كان يدفع الأمور باتجاه العملية الانتقامية الفلسطينية التي جدت يوم الخميس في القدس.

فقد استجابت المنظمات الإسلامية الفلسطينية لقرار الرئيس عرفات بوقف إطلاق النار قبل خمسة أسابيع وامتنعت عن تنفيذ عمليات جديدة، لكن بالرغم من ذلك فقد استأنفت إسرائيل هجماتها التي أودت بحياة اثنين وثلاثين فلسطينيا خلال الأسبوعين الماضيين. وبالطبع شارون لا يعرف أن الرد آت بل انه يريده، وقد حصل عليه من خلال عملية القدس.

وكانت أوساط إسرائيلية قد بدأت تلاحظ في الأسابيع الأخيرة عقم سياسة حكومة شارون، فقد صرح شمعون بيريز، وزير الخارجية الإسرائيلي، قبل يوم من عملية القدس واثناء جولة له في المناطق الفلسطينية، وخاصة على المعابر وبعض الحواجز، أن وضع إسرائيل لثلاثة ملايين فلسطيني تحت الحصار المشدد لمدة عشرة شهور سيؤدي، حسب تعبيره، الى "أن ينفجر الوضع في وجهنا". كذلك صدرت تصريحات من يوسي بيلين تنتقد الحكومة وتبشر بفشل سياساتها، وحتى بن اليعازر وزير الحرب الإسرائيلي من حزب العمل، ولكن الممعن في دعم سياسة شارون، قال بان لا حل عسكري لهذا الصراع وان لا مناص من التعاطي سياسيا مع الوضع.

وعلى نفس الصعيد، فقد لفت انتباه المراقبين وحتى نشطاء السلام في إسرائيل العدد الكبير من المشاركين في أول مظاهرة لحركة "السلام الان" منذ بدء الانتفاضة، حيث بلغ عددهم عشرة آلاف متظاهر. وفي هذا السياق، أتى التصعيد الإسرائيلي والرد الانتقامي الفلسطيني الذي زاد من علامات الاستفهام حول جدوى سياسة شارون. ولعل المعلق أو المحلل السياسي الإسرائيلي داني روبنشتاين قد عبر عن هذا التساؤل عندما قال على اثر عملية القدس أمس الخميس في التلفزيون الإسرائيلي، أن حدوث هذه العملية بعد سياسية الاغتيالات "دليل على فشل السياسة، ووصول المنتحر بالرغم إجراءات الإغلاق الصارم دليل فشل هذه الإجراءات".

إلغاء كل منجزات أوسلو

ولكن ما يهدف له شارون في الواقع، وعلى عكس ما تروج له الدعاية الإسرائيلية هو ليس الرد على العنف أو تحقيق الأمن والسلام. إن هدف شارون الاستراتيجي في هذه المرحلة من ممارساته هو إلغاء وابطال كل ما تحقق في عملية السلام التي كرس عمله السياسي خلال السنوات العشر الماضية لمعارضتها. ولذلك، وردا على عملية القدس التي تبنتها حماس، وجه ضربتين، واحدة الى مقر أكاديمية وقيادة الشرطة في رام الله، والشرطة هي العمود الفقري للسلطة الفلسطينية، النتاج الأساسي لاتفاقات أوسلو.

أما الضربة الثانية فكانت موجهة الى مراكز خدمات ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بالقدس والتي لا شان لها بالصراع الدائر، خاصة العنيف منه. ومن المفيد التذكير هنا أن بيت الشرق الذي تم إغلاقه يوم الجمعة، هو أيضا من أوائل نتاج عملية السلام، فهو المقر الذي استضاف واحتوى التحضير الفلسطيني لعملية السلام وكذلك كان مقر أول وفد فلسطيني لمؤتمر مدريد ومفاوضات واشنطن واتفق على بقاءه في سياق رسائل متبادلة بين بيريز وعرفات اعتبرت من وثائق عملية السلام.

وقد شمل الإغلاق الإسرائيلي أيضا مقار السلطة الفلسطينية في بلدات محاذية للقدس مثل ابوديس وغيرها. وبشكل عام، فإن المتتبع لخطوات الحكومة الإسرائيلية، بما فيها الأخيرة، يلاحظ أن المشترك فيها هو العودة بعملية السلام وإنجازاتها وما استتبعها الى الوراء من خلال إبطال مفعول مناطق السلطة الفلسطينية، وضرب هذه السلطة وإلغاء مصداقيتها على المستوى الإسرائيلي والعالمي.

ماذا بعد؟

سينتج من هذه السياسة عدة أمور، أولها احتمال نقل المعركة إلى القدس. فلقد تجنب الفلسطينيون التصعيد في القدس الشرقية حفاظا على هذه المؤسسات، أما وقد أغلقت الآن، فلم يعد ما يمكن أن يخافوا عليه. ولكن من ناحية أخرى، من المفروض أن تؤدي هذه السياسة أيضا الى استفزاز عناصر في المجتمع الإسرائيلي يصعب عليها أن تفهم كيف يمكن الرد على عملية للذراع العسكري لحماس، من خلال إغلاق مؤسسات خدماتية لها علاقة بآفاق تطور عملية السلام وليس بالعنف الدائر.

من ناحية أخرى، وصلت أو تكاد تصل سياسة شارون إلى ذروتها بهذه الضربات والعمليات الانتقامية، بعد أن كانت طالت قيادات وطنية واسلامية، ولم تحقق هذه السياسات سوى زيادة هذه المقاومة والانتفاضة، لذلك من المتوقع أن تساهم هذه التطورات في النقاش الذي بدأ مؤخرا في إسرائيل حول جدوى سياسة القوة الشارونية. لكن العامل المفقود، والذي من شانه أن يعزز نضوج النقاش الداخلي في إسرائيل، هو ردة الفعل الخارجية والتي يفترض أن تشمل العالم العربي وقوى السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، تلك الأصوات سيكون لها تأثير على حسابات الربح والخسارة التي يجريها المجتمع الإسرائيلي مع قيادته بعد عام من محاولات فاشلة لتحقيق الأمن والسلام عن طريق القوة.

د. غسان الخطيب - القدس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.