تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المأزق الأمريكي في العراق

تزايدت نسبة الأمريكيين الذين باتوا يشككون في جدوى السياسة الأمريكية والتواجد العسكري في العراق

(Keystone)

توالت تصريحات المسؤولين الأمريكيين في كل من واشنطن وبغداد للتأكيد على أن الولايات المتحدة لا تواجه فيتنام جديدة في العراق ولا تشعر بأنها وقعت في مأزق باحتلالها لأراضي العراق.

لكن الأوضاع على أرض الواقع تناقض تلك التصريحات، حيث لا يمر يوم دون إصابة أو سقوط جنود أمريكيين

بعصبية واضحة، أعلن الرئيس بوش أن الجماعات المبعثرة التي لازالت موالية للرئيس العراقي المخلوع، والمقاتلين الأجانب المتسللين إلى العراق، والجماعات الإرهابية تشن هجمات ضد الجنود الأمريكيين في العراق، تظن أن أمامها فرصة لإلحاق الأذى بالولايات المتحدة ودفعها إلى سحب قواتها من الأراضي العراقية قبل أن تستتب الحرية وتقوم الديمقراطية، لكنهم مخطئون، لأن أمريكا، حسب الرئيس بوش، لديها القوة اللازمة للتعامل مع الوضع، وملتزمة بعدم السماح بعودة الطغيان إلى العراق.

ولم يمر يوم واحد على تلك التصريحات، حتى أعقبها الرئيس بوش بتصريحات أخرى قال فيها، إن أمام الولايات المتحدة مهمة ضخمة وطويلة الأمد في العراق. وبطبيعة الحال، يتناقض ذلك التصريح مع تعهد بوش السابق بأن القوات الأمريكية لن تبق يوما واحدا في العراق أكثر مما تقتضي الظروف.

ولم يكن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفلد أقل عصبية من رئيسه حين نفى أن يكون العراق قد تحول إلى فيتنام أخرى بحرب العصابات التي تشنها جماعات عراقية ضد الوجود العسكري الأمريكي في العراق.

فقد قال رامسفلد، إن القوات الأمريكية لا تواجه مأزقا في العراق ولا تخوض حرب عصابات كتلك التي تعرضت لها في فيتنام، وإنما تقاتل ضد خمس مجموعات في العراق هي عصابات النهب، والمجرمين، وبقايا النظام العراقي، والإرهابيين الأجانب، وكذلك من وصفهم رامسفلد بالعراقيين الشيعة الذين تساندهم إيران.

ومع أن وزير الدفاع الأمريكي حاول التقليل من شأن هذه المجموعات التي قتلت 23 جنديا أمريكيا وجرحت أكثر من مائة آخرين خلال الأسابيع التي أعقبت انتهاء الحرب بالقول، إنه ليس هناك الكثير الذي يجمع بين المجموعات الخمس التي تقاتل ضد القوات الأمريكية، فإن السيد باتريك لانج، الرئيس السابق لقسم الشرق الأوسط في مخابرات وزارة الدفاع، يرى أن ما يحدث في العراق هو بالضبط البشائر الأولى للمراحل المبكرة لحرب العصابات، ولن يكون من الصعب على تلك الجماعات أن تتغلب على خلافاتها وتوحد أهدافها في التأثير على الوجود العسكري الأمريكي في العراق.

وانضم السفير بول بريمر، رئيس الإدارة المدنية الأمريكية في العراق إلى موجة التصريحات النافية لوقوع الولايات المتحدة في مأزق باحتلالها العراق فقال، إن الهجمات التي تتعرض لها القوات الأمريكية في العراق هي رد يائس من أتباع النظام المخلوع، ومع أنها تبدو كهجمات منسقة، فلا يوجد دليل على أنها جزء من حملة مركزة تتمتع بتوجيه مركزي.

تغيير الحال بتدويل الاحتلال

ومع تصاعد القلق الشعبي في الولايات المتحدة من جراء الخسائر المتلاحقة في القوات الأمريكية في العراق، طالب زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ الأمريك بيل فيرست بتوسيع نطاق المشاركة الدولية في عراق ما بعد الحرب، ودعوة قوات من دول أخرى، حتى تلك التي عارضت شن الحرب على العراق.

وانضم إليه في تلك الدعوة السناتور الديمقراطي جوزيف بايدن، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية الذي قال، إن مشاركة فرنسا وألمانيا بل وتركيا في دوريات في الشوارع العراقية سيكون الوسيلة الوحيدة لإقناع الشعب العراقي بأن الأمريكيين ليسوا محتلين، وإنما يشتركون مع المجتمع الدولي في تحرير العراق وإعادة بنائه.

وسرعان ما تخلى الرئيس بوش عن إصراره السابق على احتكار الولايات المتحدة وبريطانيا لجهود حفظ الأمن والنظام في العراق، فصرح بأنه رغم توفر القوة الأمريكية اللازمة لتأمين الوضع في العراق، فإن الولايات المتحدة ترحب بإسهامات الدول الأخرى. وصرح مسؤول كبير في وزارة الدفاع الأمريكية بأن حوالي 30 دولة تعهدت بالمشاركة بإرسال قوات إلى العراق لبناء الاستقرار والأمن.

وقد عكست أحدث استطلاعات الرأي العام في الولايات المتحدة فقدانا للثقة في الطريقة التي تعاملت بها إدارة الرئيس بوش مع الوضع في العراق، سواء قبل الحرب أو بعدها. فقد أظهر استطلاع أجرته جامعة ميريلاند أن 52% من الأمريكيين يرون أن إدارة الرئيس بوش بالغت في استخدام المعلومات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل العراقية لتبرير الحرب، وأعربت نسبة 56% ممن شملهم الاستطلاع عن اعتقادها بأن إدارة بوش أكدت بشكل خاطئ أنه كانت لنظام صدام حسين علاقة بتنظيم القاعدة.

كما تراجعت نسبة الأمريكيين الذين أعربوا عن اقتناعهم بأن ما تحقق في العراق يجعل الخسائر البشرية الأمريكية مقبولة من 66% في شهر أبريل إلى 51% حاليا، بينما زادت نسبة من لا يرون أن ما تحقق يبرر الخسائر من 28% إلى 44%.

وعلى صعيد الكونغرس الأمريكي، أعرب السناتور الجمهوري جون ماكين عن عدم رضاه أمام عدم تمكن القوات الأمريكية من العثور على الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين حتى الآن وقال، إن العثور عليه أهم بكثير من العثور على بن لادن أو قتله.

وسارع الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر إلى الدفاع عن جهود البحث عن الرئيس العراقي الهارب فقال، إن السبب في عدم العثور عليه هو أنه استفاد من طول فترة حكمه في بناء العديد من المخابئ، بحيث أنه لا ينام مرتين في سرير واحد.

من المسؤول عن الفشل؟

وجه السناتور جوزيف بايدن بعد جولته في العراق اللوم إلى حكومة الرئيس بوش على إساءة التقدير لما تتطلبه عملية توفير الاستقرار لعراق ما بعد الحرب وقال، "هناك فجوة شاسعة بين التوقعات والحقائق على أرض الواقع في العراق كما صورتها إدارة الرئيس بوش".

وفسر السناتور بايدن ذلك بأن الإدارة لم تأخذ في الحسبان أنه في أعقاب الحرب، سينهار النظام البيروقراطي العراقي ولن تكون هناك إمكانية للاستعانة لا بقوات الجيش العراقي ولا بالشرطة العراقية. كما أساءت الإدارة تقدير حجم البناء اللازم بعد الإهمال الجسيم الذي عانت منه البنية التحتية في العراق تحت حكم صدام حسين.

واتهم السناتور ريتشارد لوجر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، بعد عودته من العراق إدارة بوش بأنها لم تهيّـئ الشعب الأمريكي لتقبّـل حقيقة بأن القوات الأمريكية سيتعين عليها البقاء في العراق لفترة طويلة. وقال السناتور لوجر "إن الفكرة التي تم الترويج لها بأن الوجود الأمريكي في العراق لن يزيد يوما واحدا عما تقتضيه الحاجة، كانت طنطنة خطابية لا يمكن وصفها إلا بالهراء. فنحن سنبقى في العراق لفترة طويلة."

ويعزو الكاتب الصحفي الأمريكي المعروف توماس فريدمان الفشل الأمريكي في العراق لما وصفه بسوء تخطيط وزارة الدفاع الأمريكية لعراق ما بعد الحرب، والذي اعتمد على أن القوات الأمريكية ستحيد الجيش العراقي وتقلم أظافر الأجهزة الحكومية وقوات الشرطة العراقية، وتقوم بتنظيف تلك المؤسسات من أنصار صدام حسين ثم تستخدم ما تبقى من العراقيين في الجيش والشرطة والأجهزة الحكومية في تسيير أمور العراق. وثبت أن كل تلك الحسابات كانت خاطئة. فقد انهارت كل تلك المؤسسات العراقية وتركت فراغا أمنيا وإداريا لم تكن القوات الأمريكية مستعدة لملئه على الإطلاق.

وخلص الكاتب الصحفي الأمريكي إلى تلخيص ما حدث في العراق من فشل بالقول "إن أي متابع لعمليات حلف الأطلسي في كل من البوسنة وكوسوفو سيدرك على الفور أنه كان يتعين على الولايات المتحدة تحضير جيشين لغزو العراق، الأول، قتالي للإطاحة بالنظام العراقي. والثاني، لما بعد الحرب، ويتألف من قوة شرطة ومسؤولين للإدارة المدنية ومنظمات للإغاثة وتقديم المساعدات. ولكن البنتاغون أعد الجيش الأول ونسي الجيش الثاني".

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×