Navigation

Skiplink navigation

المسافة لا زالت واسعة

خطاب الرئيس بن علي في ذكرى إعلان الجمهورية تضمن اقتناعا باستقرار الوضع العام وتأكيدا على سلامة التوجهات الرسمية Keystone

لم يتضمن الخطاب الذي ألقاه الرئيس بن علي بمناسبة ذكرى عيد الجمهورية أي قرار يتعلق بتطوير الحياة السياسية. لكنه أجاب على معظم المسائل التي تشغل الرأي العام التونسي منذ عدة أسابيع. وإذ جاءت إجاباته مغايرة لانتظارات الشارع السياسي إلا أنها أكدت اقتناع السلطة باستقرار الوضع العام وسلامة التوجهات الرسمية، وفشل محاولات "النيل من بلد يشهد له بالنجاح كل ملاحظ نزيه"

هذا المحتوى تم نشره يوم 26 يوليو 2001 - 12:08 يوليو,

انتقد الرئيس بن علي في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة مرور أربعة وأربعين عاما على إعلان الجمهورية، بشدة من وصفهم ب "قلة ارتموا بين أيدي مشبوهة يرتزقون منها ضد بلادهم وأخلوا بشرف الدم الذي يجري في عروقهم مستهترين بقيم الوطنية، ويحسبون أن الشتم والثلب والمس من كرامة الأشخاص والتطاول على مؤسسات البلاد تقدر على النيل من سمعتها". وفي ذلك إشارة إلى جملة الأصوات التي تواترت على قناة (المستقلة) الفضائية، ووجهت انتقادات جوهرية وحادة لنظام الحكم في تونس وآلياته. هؤلاء متهمون بكونهم "يريدون تقويض الديمقراطية من الداخل والخارج "، وبالتالي ستكون العلاقة معهم علاقة صراع مفتوح.

من جهة أخرى تجاهل الرئيس بن علي مطلب العفو التشريعي العام الذي طالبت به مختلف القوى السياسية والجمعوية بما في ذلك قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، واعتبر أنه " م يحاكم في تونس أحد من أجل رأيه أو خياره السياسي". وبالتالي فإن الذين حوكموا طيلة المرحلة الماضية أو ما يزالون يقبعون في السجون " تعلقت بهم قضايا تخص أفعال يجرمها القانون وتدخل في إطار الحق العام ". أما فيما يخص محمد مواعدة وسهام بن سدرين ومنصف المرزوقي فقد أتوا أفعالا " تتجاهل القانون وتخالفه باسم الديمقراطية والحريات .. فهل لحرية التعبير معنى إن تحولت إلى سب وشتم ونيل من أعراض الناس " حسبما جاء في الخطاب.

بالنسبة للقضاء، ودون التعرض للقاضي المختار اليحياوي، فقد أكد الرئيس بن علي أن القانون فوق الجميع " لايستثني أحدا مهما كان موقعه فلا مركز أو انتماء إلى جهة أو أخرى في الحكم أو خارجه يبرر الاستثناء "، وجدد حرصه على "استقلالية السلطة القضائية وتعزيز مقوماتها ".

فيما يخص الإعلام، لا يوجد عند الرئيس بن علي "محرّم إلا ما يمنعه القانون وأخلاق المهنة الصحفية". وعبر عن رضاه لما اعتبره تطورا لمسه في الصحافة المكتوبة، وما " حققته التلفزة من خطوات لإتاحة مجالات الحوار عبر برامجها" على حد تعبيره.

"إرادة الشعب فوق كل إرادة"

وإذ لم تتم الاشارة بشكل مباشر إلى موعد 2004، إلا أن بعض المراقبين لاحظوا تأكيده على على أن " إرادة الشعب فوق كل إرادة، والشعب هو مصدر السيادة ومنبع السلطات، ونحن نستلهم توجهاتنا وخياراتنا والإصلاحات التي نجريها من إرادته ". واعتبروا أن لذلك صلة بالحملة التي شرع في القيام الحزب الحاكم من أجل التمهيد لولاية رئاسية رابعة، وقد يعني احتمال الشروع قريبا في تنظيم استفتاء شعبي حول تحوير الدستور الذي يمنع حاليا الرئيس بن علي من تجديد ترشحه.

كما لا يستبعد أن يكون هذا الموضوع محل تشاور مع الجهات التي أشار إليها في قوله " لم نجر منذ التغيير إصلاحا دون استشارة الأطراف الوطنية من خلال مختلف المؤسسات والهياكل والفضاءات السياسية والاجتماعية والاقتصادية".

هكذا يكون الرئيس بن علي قد أحاط بأهم الاشكالات التي طرحتها الساحة الديمقراطية، وعالجها من وجهة النظر الرسمية، و "لم يأخذ بعين الاعتبار الانتقادات الموجهة من قبل المعارضة" كما ورد في التعقيب الذي خص به سويس إنفو الاستاذ أحمد نجيب الشابي بصفته الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي. وعلل رأيه بالقول أنه لا خلاف في "أن الحرية تمارس في إطار القانون" لكن القوانين المنظمة للحريات في تونس لم تمكّن المجتمع من ممارسة هذه الحريات، كما أثبتت التجربة فشل جميع الاصلاحات التي أدخلت على تلك القوانين" على حد قوله. ويعود السبب في ذلك حسب اعتقاد الشابي إلى "خضوع مجلس النواب لهيمنة الحزب الحاكم الذي يستأثر بثمانين في المائة من المقاعد، فكانت نتيجة أن بقيت الإصلاحات المعلنة دون المأمول ".

وعند مطالبته بضرب أمثلة على ذلك، أشار إلى استمرار الطبيعة الزجرية لمجلة الصحافة، وأكد أنه " لايمكن الحديث اليوم عن استقلال القضاء دون التعرض للأزمة التي يعيشها القضاء، وهي أزمة ناتجة عن تعدد المحاكمات السياسية في العشرية الماضية، وتتجلى في مواقف بعض القضاة وحتى جمعية القضاة ذاتها " حسب قوله.

أما بالنسبة للمساجين السياسيين، فقد قال الشابي الذي ينظم حزبه الخميس يوما تضامنيا مع مواعدة وبن سدرين " لا يمكن انكار وجود مساجين سياسيين اليوم اعتمادا على المحاكم التي تعهدت بقضاياهم والتي كانت محاكم حق عام ". فالعبرة من وجهة نظره تكمن في "طبيعة الأنشطة والدوافع التي أدت إلى تلك المحاكمات، وهي أفعال ذات صبغة سياسية لا يمكن إنكارها " حسب اعتقاده.

تصوران متباينان للمرحلة القادمة

من جهة أخرى، يرى الأمين العام للحزب الديموقراطي التقدمي أنه " لا يمكن الحديث عن الحوار مع الأطراف السياسية مع حصرها في عدد من الأحزاب القانونية، وقد أفرزت العشرية الماضية عديد المجموعات السياسية والمدنية الطامحة إلى المشاركة في الحياة العامة، ويجب أن يتسع لها الحوار والتشاور". وينهي نجيب الشابي، الذي لم توجه له الدعوة لحضور الاحتفالات الرسمية بعيد الجمهورية، بالقول أن " الخطاب اكتفى – على أهميته – بتأكيد المواقف الرسمية، وأتمنى من جهتي أن تكون هذه المواقف محل حوار وطني مفتوح وشامل لكل العائلات السياسية حتى يتم التوفّق إلى إقرار الاصلاحات المتأكدة التي يتطلبها الوضع".

يتبين من خلال ما سبق أن الفجوة لا تزال واسعة بين التمشي الذي تتمسك به السلطة، وبين مطالب الساحة الديمقراطية. فمن جهة تعتقد الدوائر الرسمية أن نسق التعديلات السياسية وطبيعتها هو الكفيل وحده بحماية الأمن والاستقرار، وبالتالي فإن أقصى ما ينتظر خلال الفترة القصيرة القادمة هو مواصلة سلسلة الحوارات السياسية المباشرة في التلفزيون لتأكيد قبول الاختلاف. بينما تؤمن هذه الحركة الاحتجاجية التي تتسع دائرتها يوما بعد يوم أن الوضع العام يحتاج إلى إصلاحات سياسية واسعة وعاجلة، أقلها فتح حوار وطني واسع، وسن عفو تشريعي عام.

فهل هناك احتمالات حقيقية لتقريب الشقة بين التصورين؟ إذا كانت هناك وجهة نظر تنفي إمكانية حصول ذلك لاعتقاد أصحابها بأن الوضع السياسي يتدحرج بسرعة نحو الفرز النهائي بين الاطراف السياسية مثلما يعتقد الدكتور المرزوقي الذي تقدم مع ثلاثين شخصية بملف لتكوين حزب معارض جديد، فإن هناك وجهة نظر أخرى يؤمن بها الكثيرون الذين لا يزالون متفائلين، ويعتقدون بأن تطوير الموقف الرسمي احتمال وارد شريطة تحرير الإعلام والتعجيل بفتح حوار جدي وصريح.

صلاح الدين الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة