تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المستنقع الأمريكي في العراق!

لم تنجح قوات الاحتلال الأمريكية البريطانية في العراق في احتواء الأعمال الإرهابية

(Keystone)

بعد مرور 5 أشهر على سقوط نظام صدام حسين، "يستغيث" الرئيس بوش بالأمم المتحدة لمساعدة واشنطن على احتواء الانفلات في الوضع العراقي.

فالولايات المتحدة لم تنجح في إعادة الأمن والاستقرار إلى بلد مثخن بالجراح والصعوبات.

رغم عدم وجود مؤشرات تدل على إمكانية تحول الوضع في العراق إلى فيتنام أخرى لأمريكا، فإن قوات الاحتلال الأمريكي للعراق تواجه مهمة "مستحيلة" تتعثر فيها محاولات توفير الأمن مع توالي عمليات التفجير واسعة النطاق، وتباطؤ جهود تسليم السلطة للعراقيين، رغم تشكيل مجلس حكم وحكومة، وارتفاع تكاليف المهمة، وعدم الرغبة الدولية في مساعدة جهود إعمار العراق تحت مظلة الاحتلال، وهو ما دفع جورج بوش إلى دعوة الأمم المتحدة لتحمّـل جزء من المسؤولية في العراق، والكنغرس إلى الموافقة على مخصصات مالية إضافية تناهز 87 مليار دولار.

فعندما روّج الرئيس جورج بوش وصقور الحرب في وزارة الدفاع لشن الحرب على العراق، وعدوا الشعب الأمريكي والعالم بأن يتحول العراق بعد الإطاحة بنظام صدام حسين إلى نموذج تتطلع إليه دول المنطقة في التحول نحو الديمقراطية، وإعادة البناء لمرافق الدولة وتحسين الخدمات الأساسية وإنعاش الاقتصاد.

وبعد شهور من تحقيق أحلام اليمين المحافظ الجديد في أمريكا بغزو العراق والتخلص من صدام حسين، وما قيل عن امتلاكه لأسلحة دمار شامل يمكن أن يستخدمها الإرهابيون ضد أهداف داخل الولايات المتحدة، شاهد العالم العراق وهو يتحول إلى ساحة للنهب والسلب والقتل والترويع، بل والإرهاب. وأخفقت قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني في توفير الحد الأدنى من الأمن اللازم لاستئناف المواطنين العراقيين حياتهم الطبيعية.

وفيما تصاعدت أعمال المقاومة ضد تلك القوات، وزاد عدد ما فقدته خلالها من جنود عن إجمالي القتلى في عملية غزو العراق، شهدت الأراضي العراقية التي أصبحت مسؤولية الأمن فيها رسميا تقع على عاتق قوات الاحتلال طبقا لقرار مجلس الأمن الذي أقر باحتلال العراق، ثلاثة تفجيرات ضخمة في شهر واحد، كان أولها ضد السفارة الأردنية ثم مقر الأمم المتحدة في بغداد، وأخيرا الجريمة النكراء التي راح ضحيتها آية الله محمد باقر الحكيم وعدد كبير من المصلين، إضافة إلى سقوط جنود أمريكيين يوميا في مختلف المناطق العراقية.

ومع كل الإمكانيات التكنولوجية، لا يزال كثير من العراقيين يعانون من فقدان التيار الكهربائي، وتترنح صادرات البترول العراقية صعودا وهبوطا حسب ما تسفر عنه عمليات التخريب ضد مرافق تصدير البترول.

كما عاد السفير بول بريمر، رئيس الإدارة المدنية الأمريكية في العراق، ليطلب من حكومة الرئيس بوش تخصيص المزيد من الاعتمادات المالية لمهمته العسيرة في العراق.

وبدأ أبناء الشعب العراقي يُـعربون عن تذمرهم إزاء المعاملة السيئة التي يلقونها على أيدي الجنود الأمريكيين الذين اتسمت مهمتهم الموعودة بالتحرير بكثير من العنف وإساءة معاملة المواطنين العراقيين وإهدار كرامتهم. وشكا العراقيون كذلك، من تأخير عملية تسليم العراقيين مهام إدارة شؤونهم الداخلية وما مرت به من تخبط وتردد.

إدارة بوش لا تريد رؤية الواقع!

وإزاء كل هذه المصاعب، واصلت حكومة الرئيس بوش تغليف كل ما واجهته في العراق بطبقة من السكر تخفي بها المرارة. فواصل وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفلد ومستشارة الرئيس بوش للأمن القومي كوندوليزا رايس القول بأن الحاجة لا تدعو إلى إرسال المزيد من القوات للوفاء بمهمة توفير الأمن وإعادة إعمار العراق.

وعلل رامسفلد تصاعد الخسائر الأمريكية بتشبيه الوضع في العراق بالحال في ألمانيا بعد الحرب حين تعرضت قوات الحلفاء لهجمات من فلول النازيين السابقين، والتي قال إنها لم توقف عملية تحرير ألمانيا في الماضي، ولن توقف عملية تحرير العراق الحالية.

وفيما حاول بعض المسؤولين في حكومة الرئيس بوش تصوير الهجمات التي تتعرض لها القوات الأمريكية في العراق على أنها عمليات يشترك في شنها عراقيون من فلول النظام السابق والبعثيين والمتطرفين المتسللين إلى العراق من دول أخرى، ذهب رامسفلد إلى حد القول بأن قوات التحالف يمكنها الآن التعامل مع الإرهابيين على أرض العراق، بدلا من أن تضطر إلى التعامل معهم في داخل الولايات المتحدة وأماكن أخرى في الخارج، وكأنه يقر بأن الاحتلال حوّل العراق إلى ساحة للإرهاب، بدلا من أن ينعم الشعب العراقي بالأمن والاستقرار بعد وعود التحرير المعسولة، وهو ما أكّـده الرئيس بوش في خطابه يوم الأحد عندما اكّـد أن التواجد العسكري الأمريكي في العراق يدخل في إطار الحرب على الإرهاب.

وكان بوش يدعو منتقديه إلى التحلي بالصبر، مشيرا إلى أن العنف المتصاعد في العراق هو مجرد اختبار لمدى قوة إرادة الولايات المتحدة في حربها المعلنة على الإرهاب في العالم.

من يتولى توفير الأمن؟

ولكن عملية إخفاء الرؤوس في الرمال لم تجد طويلا، وراحت الولايات المتحدة تبحث عن شريك لها في الورطة الأمنية العراقية. وعندما فشلت في الضغط على الجامعة العربية لإرسال قوات عربية ترسخ الاحتلال وتقر بشرعيته من خلال القيام بمساعدة القوات الأمريكية في حفظ الأمن والنظام، بدأت واشنطن في طرح موقف مفرط في التشدد، حين صرح نائب وزير الخارجية الأمريكية ريتشارد آرميتاج بأن الولايات المتحدة قد توافق على نشر قوات دولية لحفظ السلام والأمن في العراق، ولكن بشرط أن تكون قيادة تلك القوات قيادة أمريكية، وتعلم الولايات المتحدة أن الموقف المبدئي للدول الراغبة والقادرة على المشاركة بقوات في العراق يقوم على أساس اشتراط أن تعمل تلك القوات تحت قيادة الأمم المتحدة، وليس تحت قيادة أمريكية.

وقد أعرب السفير جيم دوبنز، المبعوث الخاص السابق للرئيس بوش في أفغانستان، والخبير في المهام الأمريكية لإعادة بناء الأمم بعد الحروب، عن اعتقاده بأن توفير الأمن في العراق سيحتاج إلى قرابة نصف مليون جندي لن تستطيع الولايات المتحدة وبريطانيا توفيرهم، وستقتضي الحاجة إلى مساعدة من الأمم المتحدة. وستتوصل الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى ترتيب يمنح الدول المشاركة في القوات الدولية تحت مظلة الأمم المتحدة في العراق نصيبا ملائما في عمليات اتخاذ القرار في العراق.

وقد أجرت شبكة سي بي إس الأمريكية استطلاعا لآراء الشعب الأمريكي حول الوضع في العراق، أظهر أن 69% ممن شملهم الاستطلاع يرون أن الأمم المتحدة يجب أن تضطلع بالدور القائد في عملية إعادة إعمار العراق.

وتستعد كل من فرنسا وروسيا للموافقة على تشكيل قوة دولية متعددة الجنسيات للعمل في العراق، ولكن بشرط أن يكون للأمم المتحدة دور مركزي ورئيسي في العراق.

كما شدد وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان على ضرورة أن يكون تسليم السيادة في العراق إلى حكومة عراقية انتقالية هو حجر الزاوية في جهود إعادة الإعمار في العراق.

دور أول حكومة عراقية بعد صدام

وقد يبدو على السطح أن سماح السفير بول بريمر، رئيس الإدارة المدنية الأمريكية في العراق لمجلس الحكم الانتقالي، بإعلان تشكيل حكومة عراقية مؤقتة من 25 وزيرا لحين إجراء انتخابات عامة في العراق في أواخر العام القادم، خطوة توضح استعداد واشنطن للاستجابة لشروط فرنسا وروسيا وتهيئة مجلس الأمن للتعاون مع الولايات المتحدة في الخروج من المأزق الأمني الراهن في العراق.

فالحكومة العراقية المؤقتة شأنها في ذلك شأن مجلس الحكم الانتقالي، لن تكون قادرة على تحمل مسؤولية الملف الأمني، خاصة في أعقاب التفجيرات الأخيرة في العراق، وبشكل خاص ما يوحي منها باحتمال انتقال الصراعات في العراق إلى نطاق آخر أكثر خطورة على تماسك الدولة العراقية.

كما أن الكلمة الأخيرة في العراق ستظل بيد بول بريمر الذي تندر أحد العراقيين في الخارج بوصف سلطاته بأنها تفوق ما كان للمندوب السامي البريطاني فيما قبل استقلال العراق، وما كان بيد أي مسؤول تولى مقاليد السلطة في تاريخ العراق الحديث.

وقد أعرب بريمر عن اعتقاده بأنه على المجتمع الدولي أن يساهم، بالإضافة إلى القوات المتعددة الجنسيات، بعشرات المليارات من الدولارات في جهود إعادة إعمار العراق خلال العام القادم وحده.

ويرى السيد كمال ديرفيز، وزير الاقتصاد التركي السابق والنائب السابق لرئيس البنك الدولي، والذي أشرف على برنامج البنك الدولي لإعادة إعمار البوسنة، أنه بدون توفير الأمن والاستقرار في العراق، لن يمكن الشروع في أي برامج لإعادة الإعمار وبناء الاقتصاد العراقي، وستتعثر تماما جهود بناء المؤسسات اللازمة للتحول بالعراق من النظام الدكتاتوري إلى نظام ديمقراطي.

شاهد من أهلها!

ولعل من أغرب الشواهد على تعثر السياسة الأمريكية في العراق، أن أبرز الصقور وأحد دعاة الحرب على العراق من المحافظين الجدد وهو ريتشارد بيرل، أقر أخيرا بوقوع الولايات المتحدة في العديد من الأخطاء في العراق، وتنبأ بوقوعها في المزيد من تلك الأخطاء.

وأشار بيرل إلى أن أبرز الأخطاء كان عدم القدرة على العمل عن قرب مع المعارضة العراقية في الداخل، بحيث يمكن تسليمها السلطة فور إسقاط النظام. ولذلك، ينصح بيرل بالمسارعة إلى تسليم العراقيين مقاليد السلطة في البلاد.

أما السناتور الديمقراطي روبرت بيرد، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية وست فيرجينيا، فأعرب عن اعتقاده بأن الوضع في العراق آخذ في الخروج عن السيطرة، مما يدل على أن حكومة الرئيس بوش لم تكن لديها خطط لمرحلة ما بعد الحرب في العراق.

وقال السناتور بيرد إن إدارة الرئيس بوش تتخبط في الظلام في العراق يحدوها الأمل في أن يسعفها الحظ فتعثر على طريق مضيء نحو السلام والاستقرار.

ولخص السناتور بيرد الوضع في العراق في ظل الاحتلال الأمريكي قائلا "إن الشعب العراقي، بدلا من أن يرى الأمل في قيام ديمقراطية على أرض العراق، يشاهد ويلمس أبشع ما يخشاه من الاحتلال، وهذا يهدد ويسمم جهود التوصل إلى سلام في الشرق الأوسط، ويشيع جوا مواتيا للإرهاب الدولي، بل وينال من مصداقية الولايات المتحدة في العراق وفي أنحاء العالم".

وخلص السناتور بيرد إلى القول: "إن أصحاب العقول المنغلقة تماما هم فقط الذين يخفقون في إدراك الحاجة إلى تغيير مسار السياسة الأمريكية في العراق، إذ يجب العمل عن كثب مع المجتمع الدولي للتوصل إلى خطة لتحقيق السلام والاستقرار في العراق، والكف عن التصريحات والقرارات الانفرادية. ولعل أبرز ما ينبغي أن تتحلى به أي قيادة حقيقية هو القدرة على الاعتراف بالخطأ والاستفادة منه. ولذلك، فقد حان الوقت لتبتلع إدارة الرئيس بوش إحساسها الزائف بالفخر والاعتزاز، وتعود إلى فلسفة التواضع قبل فوات الأوان".

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×