تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المغرب العربي ... متوجس!

مشهد من المظاهرة التي انتظمت في الرباط يوم 12 يناير 2003 لرفض الحرب الأمريكية على العراق

(Keystone)

كيف يمكن تقليص حجم الخسائر الناجمة عن حرب تشنها الولايات المتحدة ضد العراق إلى أدنى حد ممكن؟ وكيف يمكن التحكم في رد الفعل الشعبي عليها؟

هذه هي أهم الأسئلة التي تؤرق الحكومات المغاربية مع تزايد التوقعات بشن الولايات المتحدة للحرب ضد العراق.

لا احد يعلم متى ستقع الحرب الامريكية على العراق، وان كان السؤال حول وقوعها او عدمه لم يعد يطرح من جديد، لا سيما بعد التطورات التي عرفتها الازمة التي تصر الادارة الامريكية على جعلها ازمة بين العراق والعالم بدلا من حصرها بين بغداد وواشنطن ومعها لندن.

في المغرب العربي لا أحد يملك جوابا عن مآل الأوضاع، بعد ان عجزت دوله في ان تكون جزءا من الفعل المؤثر في الازمة، وسطاء أو اطرافا، وباتوا كغيرهم من العرب، يتعاطون مع الازمة من موقع الخاسر الباحث عن تقليص حجم خسائره مدركا عدم قدرته ليس فقط على الربح بل على تلافي الخسائر، بأنواعها وميادينها المتعددة.

وجميع دول المغرب العربي ارتبطت بعراق ما قبل وما بعد حرب الخليج الثانية بعلاقات وثيقة، بإستثناء موريتانيا التي توترت علاقتها مع بغداد منذ منتصف التسعينات في اطار اعادة النظر في حساباتها والمعادلات التي ترى انها تخدم مصالحها، خاصة معادلة العلاقة مع الدولة العبرية.

شتان ما بين 1991 و2003!

كانت العلاقات المغاربية الحميمية مع بغداد تنسجم مع مشاعر شعوب المنطقة وما أعطته سنوات طويلة من مكاسب اقتصادية، وأيضا حكمة قياداتها بنهج لا يلبي رغبات الداعين لمقاطعة بغداد ولا يغضبها. وكان الداعون إلى موقف حاد يقدرون للمغاربيين عقلانيتهم وعدم اندفاعهم الى هذا الاتجاه أو ذاك.

واذا كانت هذه السياسة قد نجحت في أزمة 1990 وما تلاها فإن حظها بالنجاح في الازمة المندلعة حاليا يبدو ضئيلا، فبغداد التي بقيت كما هي وفي نفس الموقع لم تعد بنفس القوة كما أن مستقبلها - في حال وقوع الحرب - لا يغري بالمراهنة.

لكن عدم وقوع الحرب قد يدفع بغداد لمعاقبة من لم يقف معها وطبيعة العقوبات ستنحصر في الجوانب الاقتصادية ومن بين الدول االمغاربية الخاسرة سيكون بالدرجة الاولى المغرب وتونس التي استفادت من برنامج النفط مقابل الغذاء في قطاعات الصناعات الغذائية والنسيجية الخفيفة وميدان الدواء.

على الطرف الاخر فإن الولايات المتحدة في حرب 1991 على العراق كانت تحتاج لقبول ورضا عربي على حربها وفي بعض الحالات، كحالات دول المغرب العربي. ففي ذلك الوقت كانت ترضى بموقف الحياد السلبي أو الايجابي ولا تمتعض كثيرا من الهتافات التي أطلقتها حناجر مئات الالوف المنددة بالحرب.

حرب قادمة .. وهياكل فارغة!!

لكن حرب 1991 لم تشن كحرب امريكية بل كحرب "عادلة من اجل شعب احتلت ارضه ومن اجل السلام العالمي"، وفي حرب 2003 على العراق، اذا ما وقعت، فإن الولايات المتحدة لا تخفي انها حربها ولا تحتاج لتغطيتها بأي شعار من الشعارات.

وفي هذه الحرب لا ترضى واشنطن بالحياد وكما قال الرئيس جورج بوش في حربه على ما وصفه بالارهاب "إما معي او مع الارهاب"، لذلك فإن المطلوب من الاطراف اكثر من الحياد وعلى دول المغرب العربي - كغيرها من الدول - ان تختار بين العراق والولايات المتحدة، وفي صيغة اخرى بين شعوبها ومن تعتبرهم هذه الشعوب عدوا.

بالتأكيد لو كان الوضع المغاربي أحسن حالا لكانت دول المنطقة في حرية اوسع للاختيار وتبني المواقف، ولكان صوتها مرتفعا كما كان ابان ازمة 1990 . ففي ذلك الوقت، كان اتحاد المغرب العربي الذي يجمعها لا زال يحبو لكنه كان صلب العود واستطاع ان يتبنى موقفا موحدا أهله لطرح اكثر من مبادرة ولاحتضان قمم مصغرة تنشط لايجاد حل يبعد شبح الحرب الذي كان يلقي بظلاله على المشرق العربي.

الحرب القادمة تأتي والمغرب العربي لم يبق منه الا هيكل اتحاد يشكل اجتماع وزراء خارجيته ليختلفوا، مكسبا سياسيا ويفتح املا لانعاش مؤسساته، في حين تبقى قمة الاتحاد في مهب الريح والحدود البرية بين اكبر دوله مغلقة، وعلاقات دوله الثنائية تتجاوز المجاملة قليلا في حين تبقى العلاقات البينية بينها محاصرة بالحسابات الفردية الآنية والسياسية التي لا تعرف من المستقبل الا ما تراه فئة لا ترى مصلحتها في التعاون المغاربي.

إجماع العاجز..

ولا شك ان تجييش الولايات المتحدة لحربها الجديدة على العراق، بعد ان أدخلت دول العالم في معمعة الحرب على الارهاب واصطفاف دول مغاربية في هذه الحرب بحماس المشارك وتمنع دول اخرى دون اعلان المقاومة، يضع هذه الدول في مأزق الاختيار، لان لأي اختيار استحقاقات لا تستطيع الهروب منها، إن كان في علاقاتها مع الولايات المتحدة أو في وضعها الداخلي.

نظريا تجمع الدول المغاربية، أسوة بالدول العربية الاخرى، على ضرورة منح جهود السلام فرصتها واستبعاد الحرب، ولا تبدي حماسا لتأييد الرؤية الامريكية للأزمة، لكنه إجماع العاجز الذي لا يُـقدم على اية مبادرة في أي اطار من الاطر، على غرار ما قدمته في أزمة 1990 ونجاحها في قمة رأس الانوف بليبيا بُـعيد الحرب في الحفاظ على تماسكها ووحدة موقفها وإعادة الروح لعمل عربي مشترك متميز.

من جهة أخرى، تتحرك شعوب المنطقة ببطء لكن تحركاتها تبدو مؤثرة. ففي المغرب الأقصى تتواصل الوقفات الاحتجاجية والمهرجانات المنددة بالحرب تذهب تصاعدا، واذا كان مثل هذا التحرك لم ينتقل لعواصم مغاربية اخرى فإن لا شيء يضمن السكون اذا ما اندلعت الحرب وبدأت الطائرات الامريكية تلقي حممها على بغداد والمدن العراقية الاخرى وإذا ما انتشرت القوات الامريكية فوق الاراضي العراقية.

وإذا ما احتلت الشعوب الشوارع فإن احتجاجها لن يقتصر على الهتاف ضد واشنطن ومن سيشاركها في الحرب، بل سيمتد ليشمل الحكومات وسياساتها الاجتماعية والاقتصادية التي ولدت ازمات تستفحل ولا تهدأ الشكوى منها.

محمود معروف - الرباط

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×