تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المغرب... والدعوة إلى الملكية الدستورية!

اثر تولي الملك محمد السادس العرش تعالت الأصوات من جديد مطالبة بتحديد العلاقة بين القصر والحكومة والتحول إلى نظام الملكية الدستورية

(swissinfo.ch)

ليست المرة الأولى التي تثار فيها نقاشات حول العلاقة بين المؤسسات الدستورية المغربية. فقبيل كل منعطف سياسي أو استحقاق دستوري، ُتطرح أفكار وُيلقي هذا الطرف السياسي أو ذاك بأسئلة العلاقات من جديد. والأسئلة والأفكار تتمحور حول تقليص صلاحيات الملك وتوسيع صلاحيات الحكومة والسلطة التشريعية وهو ما يجد مقاومة، تكون احيانا متشددة

بعد الاستقلال طرح اليسار داخل حزب الاستقلال، الحزب شبه الوحيد آنذاك، أفكارا لدستور جديد يضعه مجلس تأسيسي، لكن انشغال الحزب في صراعاته وذهاب اليسار الاستقلالي نحو الانفصال وتكوين الاتحاد الوطني (الاتحاد الاشتراكي) للقوات الشعبية، أخذه عن الاهتمام بالأفكار حول الدستور المقترح، ودفعه إلى مقاطعة دستور 1963.

ولان الاتحاد نهج معارضة حادة وصلت إلى الدعوة لإسقاط النظام، ومطالبة بعض تياراته بالكفاح المسلح، فإن ملف الدستور والعلاقة بين السلطة الدستورية تراجع ليصبح مسألة ثانوية.

مع انطلاق المسلسل الانتخابي من جديد منتصف السبعينات، ونظرا لما كان الاتحاد قد عرفه من تحولات اقرها في مؤتمره الاستثنائي عام أربعة وسبعين بالتحول الديمقراطي سلميا، وما عرفته الساحة السياسية المغربية من محورة الاهتمام حول قضية الصحراء الغربية، وضع الفاعلون السياسيون المغاربة الاستقرار وبناء ثقة بين القصر والأحزاب المعارضة هدفا مركزيا لهم ، مدركين أن إثارة مسألة العلاقة بين السلطات الدستورية غير ذي موضوع ما دامت الأحزاب الحقيقية خارج إطار تسيير الشأن العام، ومادامت الحكومة في أيدي أطراف أو شخصيات لا تخرج عن الخط الذي يرسمه لها القصر.

المطالبة بملكية دستورية .. وغياب النقاش

لكن حقبة التسعينات، وما كانت تحمله من مؤشرات لتحول دستوري وسياسي ملموس، دفعت حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي إلى تقديم مذكرة تطالب بإصلاحات دستورية ومن ضمنها توسيع سلطات السلطة التشريعية و قيام مؤسسة الوزير الأول، وفي الخطوتين تقليص من صلاحيات الملك التي كانت مطلقة.

والمطالبة بالإصلاحات الدستورية ترافقت مع إقامة عقد جديد للديمقراطية بين القصر والأحزاب الوطنية( أساسا حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي) على أرضية أن مثل هذا العقد بين القصر وحزب الاستقلال حقق للمغرب استقلاله منتصف الخمسينات.

هذه المطالبات التي تمثلت بمذكرات رسمية تقدم بها الحزبان للقصر لم تمنع قياديين من الدعوة إلى قيام ملكية تسود ولا تحكم، كشرط من شروط الديمقراطية المغربية وكان ابرز هؤلاء الدعاة الزعيم نوبير الأموي الأمين العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أقوى النقابات العمالية والمقربة من الاتحاد الاشتراكي، وهو ما كان حافزا للسلطة لتقديم الأموي للمحاكمة، بتهمة أخرى، ووضعه بالسجن لمدة سنتين.

وغاب النقاش طوال السنوات التي أعقبت الدعوات للإصلاحات الدستورية والسياسية، فالمغرب انشغل بإصلاحات من خلال دستور 1992 ودعوة الملك الحسن الثاني المعارضة لتشكيل الحكومة بعيد انتخابات 1993، لكن المفاوضات وما ساد الانتخابات من تزوير وعدم شعور المعارضة بكفاية التعديلات التي جاء بها الدستور عطل الدعوة الملكية مرتين عامي 1993 و1994، وأدى إلى تعديلات دستورية اقرها دستور 1996 صوتت المعارضة عليه وشّكل أرضية التوافق وقيام حكومة التناوب 1998.

الملك محمد السادس والخيار الصعب

لقد وصلت المعارضة والقصر إلى خلاصة مفادها أن توسيع صلاحيات السلطة التشريعية والحكومة مرهونة بمقدار ترسيخ الثقة بينهما، وهو ما شكل محور توافق نهاية التسعينات وأرضية كان يمكن أن تتوسع بثبات لولا وفاة الملك الحسن الثاني عام تسعة وتسعين.


بعد ذلك، كان من الصعب على الملك محمد السادس أن يقدم على خطوات قد يفهم منها تنازلات للأحزاب، لاسيما وان دعوات لإقامة ملكية غير "مخزنية" على غرار الملكية الأسبانية انطلقت بكثافة فور توليه العرش.

ولان السلوك "المخزني" لازال الفاعل الحقيقي في الحياة السياسية المغربية، ذهب محمد السادس باتجاه معاكس للدعوات التي أطلقت، وبدأ فاعلا ممارسا للحياة اليومية للسلطة، يحل في كثير من الأحيان محل الحكومة ورئيسها ويأخذ الكثير من مهامها الدستورية. مما دفع إلى إطلاق الدعوات مرة أخرى إلى تحديد العلاقات بين المؤسسات الدستورية أو بين القصر والأحزاب.

الاتحاد الاشتراكي، الحزب الرئيسي بالحكومة والذي يتزعمه عبد الرحمن اليوسفي الوزير الأول، بادر بإطلاق الدعوة، انسجاما مع رؤيته لتقسيم واستقلال السلطة بين المؤسسات الدستورية وطموحا بتوسيعها، وأيضا باعتبارها خطوة، في إطار الاستعدادات للانتخابات التشريعية القادمة، لبراءة الذمة من تباطؤ في أداء الحكومة لمهامها، وتحميل القصر جزءا من مسؤولية هذا التباطؤ، خاصة وان اتهامات عرفتها الصحف في الأشهر الأخيرة بين الحكومة ومستشارين ملكيين حول أداء الحكومة في المجال الاقتصادي.

هذه الدعوات والنقاشات الدقيقة قد يراها المتابعون للشأن المغربي مسألة عادية، لكنها في ظل وضع عربي يحرم فيه بتاتا مناقشة الحاكم واختصاصاته، يكون المسار المغربي نحو المزيد من الديمقراطية متواصلا، حتى لو شهد احيانا تعثرات نتيجة القمع أو التمييع.

محمود معروف – الرباط

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×