تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

انقلاب موريتانيا: خروج العسكر من وراء السِّـتار

صورة غير مؤرخة لقائد الحرس الرئاسي الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي تزعم الانقلاب بعد ان حاول سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، الرئيس الموريتاني المخلوع عزله

(Keystone)

قِـصة موريتانيا مع الانقلابات العسكرية، هي جزء لا يتجزّأ من التاريخ السياسي لهذا البلد، الذي باتت فيه السياسية لُـعبة تحت أقدام أصحاب الأحذية الخشنة، لا يبارحونها إلا ليعودوا إليها، حتى ولو كانت ديمقراطية صناديق الاقتراع التي ارتضوها لأنفسهم، هي التي أخرجتهم من أبواب القصر الرئاسي ليعودوا سريعا عبر النافذة.

فرغم أن الموريتانيين حسبوا أنهم ودّعوا عصر الانقلابات العسكرية وأن قعقعة السلاح وزمجرة الدبّـابات على كراسي الحكم، أصبحت جزء من تاريخهم الذين حاولوا نِـسيانه، حين ما قدّموا للعالم العربي قبل ستة عشر شهرا من الآن، نموذجا للديمقراطية الانتخابية والتناوب السِّـلمي على السلطة، وضرَب حينها الجيش الموريتاني مِـثالا رائعا على التخلّـي عن السلطة طواعية وتسليمها للمدنيين، لكن الجميع على ما يبدوا، فهم رسالة الجيش خطأً، فالعسكريون الموريتانيون لم يتركوا مقاعد الحُـكم إلا ليعودوا إليها.

الانقلاب المباغت

انقلاب موريتانيا الجديد جاء مفاجئا للجميع، رغم الأزمة السياسية الخانقة التي عرفتها البلاد منذ ثلاثة أشهر بسبب خلاف عَـلني بين الرئيس والنواب، وآخر خفِـي بين الرئيس والجنرالات، نفاه الرئيس نفسه وأكّـدته شواهد الواقع المُـعاش، لكن كيف وصلت الأمور بين الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله وأولياء نِـعمته في الوصول إلى سدة الحُـكم عن طريق صناديق الاقتراع، من الجنرالات وقادة المجلس العسكري، الذي حَـكم البلاد خلال الفترة الانتقالية.

ويرى المراقبون أن علاقة الرئيس بالجنرالات، شهدت توتُّـرا ملحوظا منذ قُـرابة ثلاثة أشهر، حينما أوعز للرئيس بعض أصدقائه وحلفائه بضرورة التخلص من هيمنة الجنرالات الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل وصوله إلى سدّة الحكم وأخلوا بالتزاماتهم للشعب خلال الفترة الانتقالية، التي أعلنوا فيها الحياد، فخاضوا حملة انتخابية شرسة، استخدموا فيها المال والجاه والنفوذ إلى أن أوصلوا سيدي ولد الشيخ عبد الله إلى سدّة الحكم، الذي كانت ميزته الأساسية أنه لم يكن صاحب رصيد سياسي يسمح ببناء تراكمات انتخابية وجماهيرية، وإنما كان بعيدا عن الأضواء يتنقِـل بين النيجر والكويت، حيث كان يعمل موظفا في الصندوق الكويتي للتنمية، وكان آخر عهد له بموريتانيا سنة 1987، عندما أقيل من وزارة الصيد واتّـهمه الرئيس السابق معاوية ولد سيدي احمد الطايع بالتورط في فضيحة فساد مالي وسجنه لعدة أشهر.

هذا الرئيس الذي أخرجه العسكر من أَتُـون النِّـسيان وسلَّـموه مفاتيح الحُـكم بعد أن رتّـبوا له الفوز في انتخابات أغناهم نفوذهم السياسي ويدهم الطويلة في السلطة عن تزوير نتائجها، فاضطر الفرقاء السياسيون والعالم إلى الاعتراف بنتائجها، حاول بعد سنة ونيف من الحُـكم أن يتخلّـص من الجنرالات، وأطلق بالُـون الاختبار الأول، حينما شكّـل حكومته الثانية التي حملت شخصيات من رموز نظام ولد الطايع وبعض أحزاب المعارضة التقليدية من الإسلاميين واليساريين، حينها لم يُـخف الجنرالات امتعاضهم من تشكيل الحكومة ووجدوا نصيرا لهم في أغلبية نواب الحزب الحاكم (عادل)، الذين تقدموا بمشروع لحَـجب الثقة عن تلك الحكومة التي اضطرت للاستقالة، وشكّـل الرئيس حكومة جديدة، لكن الأزمة ظلّـت في تفاقُـم متصاعد، وبدأت تعرف مُـنعرجا خطيرا، حينما أعلن عدد من الشيوخ عزمهم تشكيل لجنة تحقيق في مداخيل ومصاريف هيئة خيرية، ترأسها عقيلة الرئيس السيدة ختو بنت البوخاري، ثم أعلن عن تقديم أغلبية النواب لطلب بعقد دورة برلمانية طارئة لتشكيل محكمة العدل السامية المختصّـة في محاكمة الرئيس وأعضاء الحكومة، وهو الطلب الذي رفضته الحكومة بحجّـة عدم قانونيته.

وخلال منتصف الأسبوع الماضي، كانت الأزمة السياسية على موعد مع تصعيد جديد، عندما أعلن 48 من نواب وشيوخ الحزب الحاكم (عادل) انسحابهم منه، ليفقِـد الحزب الحاكم بذلك أغلبيته البرلمانية، وتُـشرف الحكومة التي يرأسها رئيس الحزب يحيى ولد أحمد الوقف على مشارف السقوط مرة أخرى، حينها، قرر الرئيس النهوض من غَـفوته ومواجهة التحدّي، فشرع في استقبال البرلمانيين والسياسيين ومحاولة ثنيِـهم عن الاستقالة، واستخدام وسائل الإعلام الرسمية في حملة مُـناوئة للنواب والشيوخ، وصبيحة السادس من أغسطس، وقع المحظور وقفز الرئيس على ما اعتبره خطا أحمر، مستخدِما صلاحياته الدستورية التي ظلّـت معطّـلة لفترة طويلة من الزمن، فأقال الجنرالات وجميع قادة الأركان المُـشتبه في تحالُـفهم معهم، وعيَّـن آخرين بدلا منهم، لكنها في الواقع كانت جرّة قلم قادت حُـكمه إلى النهاية، فلم تكَـد الإذاعة الرسمية تُـعيد قراءة مرسوم إقالة الجنرالات للمرة الثانية، حتى كانت وَحدات عسكرية تقتحِـم الرئاسة ومبنى الإذاعة والتلفزيون ورئاسة الوزراء، لتضع حدّا لحُـكم أول رئيس منتخب للبلاد، بعد حوالي ستة عشر شهرا على تنصيبه في عُـرس ديمقراطي فريد من نوعه في العالم العربي وإفريقيا.

انقسام الشارع

الشارع الموريتاني الذي ألِـف الانقلابات العسكرية وألفته، دُهش لسرعة ردّة فعل الجنرالات وانسيابية تحرّكات الانقلابيين، الذي سيطروا على الأوضاع بسُـرعة قياسية خوّلها لهم تحكّـمهم في مفاصل أجهزة المؤسسة العسكرية والأمنية، في وقت اتّـضح فيه أن الرئيس الذي أعطاه الدستور منصِـب القائد الأعلى للقوات المسلّـحة، لم يكن على صلة بالجيش، لذلك، لم تطلَـق رصاصة واحدة دفاعا عن حُـكمه ولم يتحرّك أي عسكري لحماية سلطانه.

ولأن إقالة الجنرالات كانت القشّـة التي قصمت ظهر البعير، فقد سارع الانقلابيون إلى إصدار البيان رقم 1 والذي اقتصر على إعلان إلغاء قرار إقالتهم، ويعلن وضع حدٍّ لمرحلة من الحياة الديمقراطية، لم تعمِّـر طويلا في بلد أدمن الانقلابات العسكرية، دون أن تتّـضح في نهاية النّـفق ملامح ضوء التخلّـص منها إلى الأبد.

أما الشارع السياسي الموريتاني، فقد داهمه الانقلاب وهو في حالة انقسام جرّاء الأزمة التي كانت تعيشها البلاد، فاحتفظ بانقسامه كما كان، حيث سارع البرلمانيون والسياسيون المتذمِّـرون على الرئيس إلى الترحيب بالانقلاب، ووصفه بالحركة التصحيحية متّـهمين الرئيس بالانحراف عن المسار الديمقراطي، والسّـعي لتكريس حُـكم ديكتاتوري استبدادي.

أما أحزاب المعارضة، التي كانت تُـساند بتحفّـظ النواب في تحرّكاتهم السابقة ضد الرئيس، فقد أعلنت أنها تتفهّـم دوافع الانقلاب. وقال حزب "تكتل القوى الديمقراطية"، الذي يترأسه زعيم المعارضة أحمد ولد داداه، واتّـهم الحزب الرئيس المخلوع بالوقوف "أمام السير الاعتيادي للمؤسسات الدستورية وشخصنة السلطة، واعتباره الشأن العام شأنا فرديا وملكا خاصا، وعجز إدارته عن التصدّي للمخاطر الكبرى المحدقة بالبلاد، هذه العوامل مجتمعة، بددت آمال الشعب الموريتاني في التغيير المنتظر منذ تولِّـيه قيادة البلاد، والذي أجمع الموريتانيون على ضرورته الملحة".

واكتفى الحزب، الذي يُـعتبر أكبر أحزاب المعارضة في البلد بالقول، إنه "يسجّـل التغيير الذي حدث ويدعو كافة القِـوى السياسية الوطنية وأصحاب النوايا الطيبة إلى إقامة حوار وطني مسؤول صادق وجاد، من أجل عودة سريعة إلى حياة دستورية طبيعية".

كما أعلن حزب "حاتم"، الذي يقوده الانقلابي السابق صالح ولد حننا، فقد وصف الأزمة التي قادت إلى الانقلاب العسكري الجديد بأنها أدّت إلى "اختناقات سياسية، شمِـلت مختلف مَـرافق الدولة وعطّـلت عمل مؤسساتها التنفيذية والتشريعية، مدخلة البلاد في سلسلة أزمات متلاحقة"، ودعا الحزب إلى السرعة في تنظيم انتخابات تُـعيد الحُـكم إلى المدنيين وتعيد الجيش إلى ثكناته.

أصوات مناوئة

وفي أول ردّ فعل وطني مُـناوئ للانقلاب، أعلن عن ميلاد جبهة جديدة مناهِـضة للانقلاب تحت اسم "الجبهة الوطنية للدّفاع عن الديمقراطية"، وتتألف من أربعة أحزاب، هي حزب "عادل" الذي كان يحكُـم البلاد وحزب "تواصل" الإسلامي وحزب "اتحاد قوى التقدم" اليساري وحزب "التحالف الشعبي التقدمي"، الذي يترأسه رئيس البرلمان مسعود ولد بوالخير، وقالت هذه الجبهة في أول ردّ فعل لها، إنها ترفض الانقلاب الذي حصل جُـملة وتفصيلا، وتعتبِـره اعتداءً آثما على المؤسسات الدستورية والنظام المُـنتخب، وطالبت الجنرالات بالعُـدول عن قرارهم وإعادة الرئيس إلى منصِـبه، والسماح بسير المؤسسات الدستورية.

الخطأ القاتل

ويرى المراقبون السياسيون أن الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد مؤخّـرا وبلغت ذِروتها بالانقلاب العسكري يوم أمس 6 أغسطس، كانت نتيجة طبيعية لخطأٍ رافق العملية الديمقراطية في البلاد، واعترف به الرئيس نفسه قبل أسبوع من الإطاحة به، فقد وصل الرئيس المخلوع سيدي ولد الشيخ عبد الله إلى سدّة الحكم بعد فترة انتقالية قادها العسكر والتزموا فيها بالحياد، لكنهم أخلوا بالتزامهم وساندوا ترشيح ولد الشيخ عبد الله، الذي قال ذلك صراحة في مقابلة مع قناة الجزيرة القطرية، مُـعترفا بأن الجنرالات ساندوه خلال الحملة الانتخابية، وقد قاد هذا الخلل في المسيرة الانتقالية إلى ميلاد ديمقراطية مشوّهة، لكن الموريتانيين لفرط شغَـفهم بالديمقراطية وحاجتهم لابتعاد العسكر عن السياسية، تغاضوا عمّـا حصل وقبلوا بالأمر الواقع.

وبالطبع، لم يكن العسكريون الذين أوصلوا ولد الشيخ عبد الله إلى سدّة الحكم، ليُؤثِـروا مصلحة البلد والديمقراطية على أنفسهم، وظل رجل المجلس العسكري القوي الجنرال محمد ولد عبد العزيز يحكم البلاد من وراء الستار، إلى أن قرّر صبيحة السادس من أغسطس 2008، رِفقة زملائه من الضباط، إزاحة ذلك السِّـتار بعد أن أوشك أن يحجب أوامره عن التنفيذ، فأطاحوا بالرئيس المنتخب وأعلنوا دخول البلاد في مرحلة انتقالية، لم تحدَّد نهايتها بعدُ، وبذلك، تدخل البلاد دوّامة جديدة من عدَم الاستقرار والتدافع الدولي بشأن شرعية الحُـكم الجديد المغتصَـب بقوة الدبابة والبُـندقية، بعد إزاحة الحُـكم المنتزع بصناديق الاقتراع، رغم ما كان يفوح منه من رائحة نُـفوذ ووصاية العسكر.

محمد محمود أبو المعالي - نواكشوط

المجلس العسكري في موريتانيا يـعـدُ بانتخابات رئاسية حرة قريبا

نواكشوط (رويترز) - وعد زعماء الانقلاب العسكري في موريتانيا يوم الخميس 7 أغسطس 2008 باجراء انتخابات رئاسية "حرة وشفافة" في أقرب وقت ممكن في تحد لنداءات اجنبية باعادة تنصيب أول رئيس منتخب بطريقة حرة في البلاد.

وأطاح جنود بالرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله يوم الاربعاء 6 أغسطس بعد ان حاول عزل قادة الجيش الذين يُشتبه على نطاق واسع انهم يدعمون خصوم الرئيس في ازمة سياسية في أحدث دولة منتجة للنفط في افريقيا.

وهذا أول انقلاب ناجح في افريقيا منذ ان أطاح بعض الجنود من نفس المجموعة بالرئيس السابق للجمهورية الاسلامية قبل ثلاث سنوات وثلاثة ايام. وقوبل الانقلاب بتنديد دولي ومطالبة باعادة بعودة عبد الله للسلطة.

لكن عددا كبيرا من السياسيين المحليين ألقوا بثقلهم وراء الانقلاب. وخطط البعض لمسيرة يوم الخميس تأييدا "للمجلس الأعلى للدولة" الذي شكله قائد الحرس الرئاسي محمد ولد عبد العزيز الذي تزعم الانقلاب بعد ان حاول عبد الله عزله.

وقال ان المجلس العسكري المؤلف من 11 عضوا قال انه سيعمل مع السياسيين الموريتانيين والمنظمات المدنية لتنظيم انتخابات رئاسة " لتجديد العملية الديمقراطية على اساس مستمر".

وقال المجلس في بيان نشرته الوكالة الموريتانية للأنباء "هذه الانتخابات التي ستنظم في أسرع وقت ممكن ستكون حرة وشفافة".

كما تعهد المجلس باحترام كافة الالتزامات الدولية والمعاهدات الملزمة لموريتانيا. وهي واحدة من عدد صغير من الدول العربية التي تربطها علاقات باسرائيل.

وفاز عبد الله في الانتخابات التي جرت في العام الماضي بعذ انقلاب وقع عام 2005 قاده عبد العزيز أيضا وأنهى سنوات من الدكتاتورية في عهد الرئيس معاوية ولد سيد أحمد طايع. لكن عبد الله ظل يكافح سلسلة من الأزمات في الشهور الاخيرة. وقد اعتقل عبد الله يوم الاربعاء مع رئيس الوزراء ووزير الداخلية.

وكان المجتمع الدولي يعقد آمالا عالية على الديمقراطية الصغيرة وجاء التنديد سريعا من هيئات مثل الامم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الافريقي الذي ارسل مفوضه للسلام والأمن الى موريتانيا.

وطالبت واشنطن باطلاق سراح عبد الله واعادته الى السلطة محذرة من ان المساعدات الدولية يمكن ان تقطع. وقال راسل بروكس وهو متحدث باسم مكتب الشؤون الافريقية بوزارة الخارجية الامريكية "سياستنا هي ان هذا العمل قد تكون له اثار خطيرة على المساعدات التي نقدمها والتعاون مع موريتانيا".

وقال كيسي اجيمان، وهو محلل بمؤسسة جلوبال انسايت "أشك في ان يكون هناك انتقال سلس للسلطة لان الناس اقتنعت بفكرة ان يكون لديها حكومة ديمقراطية".

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 7 أغسطس 2008)

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×