تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

برنامج صحي سويسري لمكافحة الإدمان يثير جدلا دوليا

مدمن على المخدرات يحقن نفسه بمخدر الهيروين فى ضاحية بزوريخ

(Keystone Archive)

انتقد التقرير السنوي للهيئة الدولية لمحاربة المخدارت لعام 2000 سويسرا لتبنيها برنامجا صحيا مثيرا للجدل يهدف إلى تحجيم الأضرار الناتجة عن الإدمان على المخدرات.

نصح التقرير الدول الراغبة في تبنى النموذج السويسري، وهى كثيرة، بإعادة تقييم ذلك البرنامج لقناعة الهيئة أن في توزيع جرعات من المخدرات للمدمنين تحت رعاية طبية تشجيعا غير مباشر على استهلاك المخدرات. فما هو هذا البرنامج الذي أثار كل هذه الضجة؟

تنفرد سويسرا ببرنامج صحي ُصمم بهدف التحجيم من أثار الإدمان على المخدرات. يقوم البرنامج على فكرة تقديم جرعات من المخدر للمدمن تحت رعاية وإشراف طبي مباشر. هدف البرنامج كما أراد واضعوه هو إبعاد المدمن عن الشوارع والحد من لجوئه إلى الجرائم أو الدعارة للحصول على مئونته من المخدرات.

السياسة السويسرية العامة لمكافحة المخدرات، يقول لورونس هيس، رئيس مركز الأعلام للمكتب الصحي الفيدرالي، ترتكز على أسس أربعة: أساس القمع الذي يرتبط بالجهود التي تقوم بها قوات الشرطة والأمن للقضاء على تجارة المخدرات؛ والوقاية الذي يتصل أساسا بحملات التوعية والإرشاد للتحذير من مخاطر الإدمان لاسيما في المدارس؛ ثم أساس التأهيل والعلاج من خلال وضع وإدارة برامج لرعاية وتأهيل المدمن؛ وأخيرا أساس التحجيم، أي الحد من الأضرار المرتبطة بظاهرة الإدمان.

من ضمن جهود التحجيم التي تبذلها السلطات السويسرية كان البرنامج الصحي الفيدرالي للمخدرات الذي غير الكثير من المفاهيم في خطة الدولة لمكافحة تجارة المخدرات. تقوم الفكرة على قلب مضمون مكافحة المخدرات. فأصبح الهدف علاج المدمن لا عقابه. وبدلا من تعقب الشرطة للمدمن وملاحقته تركزت الجهود على إبعاده عن مراكز بيع المخدرات وتجمع المدمنين وتأهيله اجتماعيا وصحيا. أما الشرطة فدورها اصبح يتركز على ملاحقة تجار المخدرات وحصارهم اقتصاديا وأمنيا.

مركز مدينة الصحي

أحد المراكز التابع للبرنامج الصحي الفيدرالي للمخدرات هو مركز بيرن الصحي. يعالج المركز نحو مائة وثلاثين مدمنا على الهيروين والكوكايين ويتلقى تمويله من كل من مدينة وكانتون بيرن ومن مركز الطب النفسي في جامعة بيرن ومنظمة كونتاكت Contact Foundation المنظمة العريقة في جهودها لمكافحة المخدرات.

يشرح كبير الأطباء في المركز الدكتور كريستوف بيركى طبيعة عمل وفعاليات المركز. فالمشاركة في البرنامج كما يذكرالدكتور بيركى ليست أمرا مفروغا منه، إذ هناك عدة شروط يتوجب توافرها لقبول المدمن في المركز. لابد أن يكون المدمن قد عانى من الإدمان على الهيروين لمدة عامين على الأقل، وان لا يقل سنه عن عشرين عاما وان يكون قد أشترك في برامج سابقة للتأهيل وحاول الإقلاع عن الإدمان دون جدوى. الانضمام إلى البرنامج بهذا المعنى يصبح كالملجأ الأخير الذي يتحول إليه المدمن عند فشل كل المحاولات السابقة للعلاج من الإدمان.

ثلاثة أوقات يومية يتم فيها السماح للمدمن بالدخول إلى المركز في الصباح والظهيرة والمساء: يوضح الدكتور بيركى "نحن نلتزم بمبدأ تقديم الجرعات الطبية للمدمن في المركز نفسه ولا نسمح له بأخذها في منزله. فالهدف من البرنامج أساسا هو محاولة مساعدة المدمنين ممن فشلت كل الجهود الطبية في علاجهم؛ لذا اصبح من الحتمي على هؤلاء المرضى أن يتواجدوا في المركز، بغض النظر عن طبيعة حياتهم، ثلاث مرات يوميا لتناول جرعتهم الطبية من المخدر إضافة إلى المشاركة في نشاطات المركز التأهيلية."

العاملين في المركز

تنظيم نشاطات المركز يتطلب تواجد ثلاث مجموعات من الأخصائيين. تتألف المجموعة الأولى من ممرضات أو ممرضين من المتخصصين في علم النفس والذين تتركز مهام عملهم في تقديم الجرعات الطبية من المخدر للمدمن إضافة إلى فحصه طبيا وتوفير الأدوية التي يحتاج إليها. فأكثر من عشرة في المائة من مرضى المركز كما أظهرت الإحصائيات يعانون من مرض نقص المناعة المكتسب، الإيدز. كما أن عددا كبيرا منهم يعانون من أمراض نفسية كالاكتئاب أو الانفصام في الشخصية وكلها أمراض ساهمت في سقوطهم في براثن الإدمان.

المجموعة الثانية من العاملين في المركز تتمثل في مجموعة الأخصائيين الاجتماعيين، ومهمتهم تتمحور في السعي لإعادة إدماج المدمن في المجتمع من حيث البحث عن مسكن لأقامته وتوفير فرص العمل له وتنظيم أوقات فراغه إضافة إلى الأشراف على شئونه المالية.

أخيرا، تتألف المجموعة الثالثة من أخصائي المركز من فئة الأطباء الذين يشرفون طبيا على صحة المدمنين ويحددون مقدار الجرعات الطبية للهيروين المقدمة لهم.

رأى مؤيد لفكرة البرنامج

مشاركة الدكتور كريستوف بيركى، كبير الأطباء في مركز بيرن، في تنفيذ البرنامج الصحي الفيدرالي للمخدرات جعلته من مؤيدي اللجوء إلى هذا الأسلوب في علاج حالات الإدمان المستعصية. يقول:"لقد شاركت في هذا البرنامج منذ مراحله الأولية وأنا أعتقد انه يستحق التبني كأسلوب لمعالجة المدمنين. فالأساليب الأخرى فشلت حتى اليوم في تقديم علاج ناجع لهذه الآفة. من جانب أخر، فإن النتائج التي توصلنا إليها تظل مشجعه جدا. حيث أستمر اكثر من69% من مرضانا في المشاركة في نشاطات المركز، على حين انتقل 45% منهم إلى برامج أخرى تمهيدا لإقلاعهم نهائيا عن هذه العادة، والاهم أن 10% منهم اقلعوا نهائيا عن تعاطى المخدرات. ...أستطيع القول إذن أنه بالرغم من أن الهدف من البرنامج كان تحجيم الآثار السلبية للمخدرات إلا أننا تمكننا أيضا من المساهمة في تقديم برنامج لتأهيل المدمن يصل به إلى المطلب الأساسي وهو إخراجه من دائرة الإدمان."


تجربة مدمنة في مركز بيرن الصحي

إيفلين هي مدمنة تتلقى جرعاتها من المخدر في مركز بيرن الصحي وتشارك في فعالياته، فضلت استخدام أسمها الأول فقط في هذا الحديث حفاظا على خصوصية وضعها. لا تنطبق أوصاف إيفلين على الصورة السائدة عن المدمن. فهي ابنة طبيب معروف، وأكملت دراستها الثانوية بهدف التخصص كممرضة، وتتحدث الإنجليزية بطلاقة، وتعزف على أربع آلات موسيقية. لكنها بتشجيع من أصدقائها وافقت مرة على تجربة مخدر الهيروين فبدأت المأساة. حيث نشب الإدمان بأظافره في كيانها ولم تتمكن من الإقلاع عن تعاطى المخدر لاسيما مع إصابة أمها بمرض السرطان... ونتيجة لذلك فقدت عملها.

وانتهى بها المطاف إلى الشارع حيث عاشت عاما ونصف اضطرت فيه إلى بيع المخدرات والدعارة للحصول على مئونتها من المخدر. وظلت على هذا الحال حتى سمعت عن وجود البرنامج الصحي الفيدرالي للمخدرات فتقدمت بطلب المشاركة وُقبل طلبها.

النتيجة الأولى لمشاركة إيفلين في فعاليات المركز كانت في توقفها عن بيع المخدرات والدعارة وتوديعها لحياة التشرد. فهي تعمل ألان في مطعم وتعيش في شقة متواضعة ونظمت حياتها بصورة تمكنها من الجمع بين العمل والحصول على مئونتها من المخدر والمشاركة في فعاليات المركز. أما النتيجة الثانية فهي تمهد لإقلاعها عن المخدرات. فقد توقفت عن تعاطى الكوكايين وتعتقد أنها مع الوقت ستتمكن من الإقلاع عن مخدر الهيروين لاسيما وأنها استطاعت أن تخفف من مقدار جرعة المخدر اليومية من 600 غرام يوميا إلي 200 غرام.

ما هو تقييمها للبرنامج؟ تقول: "إنه برنامج جيد. وأنا أدرك أنه لا يناسب كل الحالات فهو يتناسب فقط مع حالات الإدمان المستعصية. لكنه دفعنا إلى التركيز على مشاكل الحياة الحقيقية. أنا لم اشعر في حياتي بمثل هذا القدر من الحرية. كنت في السابق اعتقد أن الحياة بدون خمر، على سبيل المثال، غير ممكنة وأن تعاطيه ضروري لتقبل الواقع. أما اليوم فلم أعد أفكر في ذلك. اليوم أصبحت ابحث عن بدائل للمستقبل. أنا واثقة أنني سأخرج من هذه المحنة سليمة. ولذا، إذا أردت جوابا عن رأيي في هذا البرنامج يكفى أن أقول إنه أنقذ حياتي... أنا قادرة اليوم على مواجهة الحياة دون خوف."

نقد دولي لفكرة البرنامج

تقرير الهيئة الدولية لمكافحة المخدرات لم يتخذ موقفا سلبيا من سياسة سويسرا العامة لمكافحة المخدرات التي أشرنا إلى أسسها الأربعة سابقا. بل على العكس رحب بها وأعتبر نتائجها مشجعة، ونوه بالذكر بجهود الحكومة المبذولة في مجالي الوقاية والعلاج. في المقابل، عبر التقرير عن قناعته بضرورة تفادى الحكومة السويسرية تركيز جهودها على ملف التحجيم من أثار الإدمان. وأعتبر سياسة تقديم جرعات طبية من المخدرات للمدمن تحت إشراف طبي غير متماشية مع مبدأ مكافحة الإدمان، لاسيما، يقول التقرير، "وأن سويسرا دولة غنية وتحوز على نظام رعاية طبي واجتماعي عالي المستوى والكفاءة." "هي لذلك"، يكمل التقرير،" قادرة على توفير كافة وسائل العلاج للمدمنين بدلا من إقامة غرف لحقن المخدرات تدعم استهلاك المخدرات تحت مسمى الأشراف الطبي."

إلهام مانع

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك