Navigation

بطالة الجامعيين .. محنة مغربية!

صورة من الأرشيف لتجمع احتجاجي نظمه جامعيون مغاربة عاطلون عن العمل أمام مقر البرلمان بالرباط يوم 17 يناير 2002 Keystone

باتت مسألة العاطلين عن العمل في المغرب الأقصى، إلى جانب مأساويتها، ظاهرة مزمنة تمتزج بها أزمات المجتمع المغربي وتحولاته.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 يوليو 2004 - 06:39 يوليو,

فقد تحولت الشوارع الرئيسية للعاصمة المغربية مسرحا يوميا لتحركات شباب يعتقدون أن لهم على الدولة حق تشغيلهم وتأمين عمل لهم.

تقول الدولة إن اقتصاد السوق الذي تنتهجه وتدعو له مختلف مكونات الفعل السياسي والاقتصادي المغربي، لا يلزم الدولة التعاطي مع ملف العاطلين عن العمل إلا من زاويتها كأحد المشغلين من جهة، وكمسؤولة دستوريا عن تنظيم سوق الشغل.

في شارع الأبطال، أحد الشوارع الرئيسية في حي "اكدال" الراقي في الرباط، يتناوب معاقون على افتراش المساحة الضيقة أمام مبنى الوزارة المعنية بملف المعاقين، ويعلقون يافطة تحدد الفئة وتلحق بمطلب العمل، يأتي المكفوفون لأيام تحملهم بعدها سيارات الشرطة إلى أماكن مختلفة لا يثير وجودهم فيها مشهدا استثنائيا، فيأتي بعدهم المعاقون العجزة ويمددون وهم يفترشون الأرض، عكازاتهم إلى جانبهم، وهكذا....

كان هذا المشهد الذي أراه منذ عدة سنوات يثير اهتمامي ومن يكون معي، لكنه ومع تكراره أصبح مشهدا مألوفا لا يحفـز فينا حتى الرغبة في قراءة اليافطة المرفوعة، إلا أن التعليق الدائم هو "أن العاطلين الصحاح الذين يحملون مؤهلات علمية عالية لا يجدون عملا، فما بالك بهؤلاء المساكين".

كانت هذه التعليقات تأخذ سياقها بعد التعود على مشاهدة المئات من المعطلين، وتحديدا الحاملين منهم لشهادات جامعية، وعلى مدى سنوات النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي في شارع محمد الخامس أمام مجلس النواب أو في حي الوزارات أمام مبنى وزارة التشغيل بالرباط.

"السكتة القلبية"

في الأسبوع الثالث من شهر يونيو الجاري، كان هناك مشهد مثير في شوارع الرباط لم يختلف عن مشاهد سابقة، حتى بالعنف الذي جابهت به الشرطة العاطلين، لكن الإثارة جاءت من كون العاطلين الذين ذاقت أجسادهم هراوات الشرطة، يحملون شهادات دكتوراه في تخصصات علمية متعددة من جامعات ومعاهد عليا، تجمعوا في شارع محمد الخامس يحملون يافطات ويرددون هتافات وشعارات تندد بما وصفوه بتماطل الدولة في تلبية مطالبهم، وبهم التحق المئات ممن يُـعرفون بضحايا "شركة النجاة"، وهم أربعون ألف شخص تقدموا بطلبات عمل عام 2001 عن طريق الحكومة لشركة إماراتية تبيّـن فيما بعد أنها شركة تعتمد النصب والاحتيال، وتجرى منذ ذلك التاريخ تسويات لم تلب مطالب الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا ويرفضون الاكتفاء باستعادة الرسوم التي دفعوها، ويقول جلهم إنهم اضطروا لترك أعمالهم السابقة ولم يُـسمح لهم بالعودة لها، ويطالبون بتعويض عن ذلك أو تأمين عمل بديل لهم.

هذا العنف الذي جُـوبه به العاطلون، فتح ملفهم من جديد وأثار قضيتهم وعطف الرأي العام الذي عاد للإهتمام بهم، دون أن يغير شيئا من موقف الجهات الرسمية المعنية تجاههم.

ومع انتقال المغرب نهاية التسعينيات إلى مرحلة التناوب الحكومي وما خلقته حكومة الزعيم الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي من آمال لدى مختلف شرائح المجتمع المغربي، وقضية العاطلين عن العمل بمختلف فئاتهم تشغل حيزا من اهتمام مدبري الشأن العام.

وإذا كانت حكومة اليوسفي لم تطلق للعاطلين وعودا تلزمها، فإن ما كانت أحزابها ترفعه قبل دخولها الحكومة من شعارات وتقدمه من برامج تنموية جعلت الرأي العام، ومن بينهم العاطلين وأسرهم، يُـحمّـلها ما لا طاقة لها به.

فالبلاد التي انتعشت نسبيا سياسيا، كانت تعاني من استفحال أزمات اقتصادية لدرجة أن الملك الراحل الحسن الثاني قال في نهاية عام 1996 بأنها "مهددة بالسكتة القلبية".

ومن المعروف أن الثمار الإقتصادية للإنتعاش السياسي والحريات، تحتاج لاستمرارية وفترات من الزمن كافية لامتحان التدبير الجديد للشأن العام واستجلاب ثقة المستثمرين الذين يضخون أموالهم في مشاريع إنتاجية تشغل اليد العاملة.

ولأن صاحب الحاجة مُـلحّ، فإن العاطلين لم يكن لديهم وقت للانتظار ونضوج ثمار الانتقال الديمقراطي، فنزلوا إلى الشوارع يتجمعون في البداية ويرفعون شعارات، وبعدها حولوا الفضاء أمام مجلس النواب إلى مخيم يتنقل أمام مؤسسات الدولة المعنية، في الوقت الذي يبحثون فيه عن سبيل للوصول إلى الضفة الشمالية لبحر المتوسط، سواء عبر "سبيل مشروع" عن طريق تأمين عقد عمل أو منحة لاستكمال الدراسة أو بواسطة سبيل "غير مشروع" بزوارق الموت.

أزمة العمل واحتجاجات العاطلين

كانت حكومة اليوسفي تعتبر ما يجري في شوارع الرباط مكسبا للديمقراطية المغربية. فالمظاهرات لم تقمع، والاعتصامات لم تفرق بالقوة، والشعارات المنددة لم يرد عليها بالتجاهل. فالحوار فتح مع العاطلين عن العمل الذي شكّـلوا اتحادا أو جمعية لهم، وإن لم يُـعترف بها رسميا.

كان العاطلون عن العمل ولازالوا يعتبرون تشغيل الدولة لهم حقا دستوريا، والحكومة لا تعترف لهم بهذا الحق، وإن كانت تُـدرك أن ميزانية الدولة تحمّـلت عبئا ماليا بتعليمهم وإيصالهم إلى هذا المستوى التعليمي، لذا انتهجت طريقين كمشغل من خلال ملء الوظائف الشاغرة في إداراتها، (لكن هذه الوظائف لا تكفي للأعداد الجديدة الوافدة سنويا إلى سوق الشغل)، أما الطريق الثاني فتمثل بإعادة التكوين لذوي المهن وحاملي الشهادات العليا وأيضا بتشجيع مؤسسات القطاع الخاص بإعفاءات وتسهيلات.

ويظل الطريقان عاجزان عن حل أزمة البطالة، بل وتخفيف حدتها، فما يقدمه هذان الطريقان من فرص تشغيل يبقى دون الحد الأدنى المطلوب، لذا استمرت الأزمة وتصاعدت احتجاجات العاطلين، وإن باتت أشكالها مشاهد مألوفة. وحتى التهديد بالإضراب عن الطعام حتى الموت لم يكن محفزا كافيا لأطراف الفعل الاقتصادي المغربي للتحرك والبحث عن حلول جذرية للأزمة.

ولا تتحمل الدولة لوحدها المسؤولية عن استفحال أزمة البطالة في المغرب، ففي ظل اقتصاد السوق ونظام تخفيف تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، وما قدم من حلول وتسهيلات يتناسب مع إمكانيات الدولة والاقتصاد المغربي، لكنه ظل مجرد خطوات آحادية الجانب.

فمؤسسات القطاع الخاص، وفق قانونها، ليست جمعيات خيرية ولن تشغل إلا من تستفيد من تشغيله ويزيد إنتاجها وأرباحها، والعاطلون عن العمل لم يبادروا لتأسيس مشاريع إنتاجية ولو صغيرة تتناسب مع إمكانياتهم والقروض التي التزمت الدولة بتأمينها لهم، بل أكثر من ذلك، فإن العشرات من العاطلين رفضوا العمل في مشاريع إنتاجية خارج إدارة الدولة وخارج العاصمة، بل تقول مصادر حكومية إن عاطلين رفضوا العمل في مختبرات أو مصانع وأصروا على تمكينهم من وظيفة مكتبية في الإدارة.

أين الحـل؟

وإذا كانت نسبة العاطلين عن العمل في المغرب تتجاوز 12%، وهي نسبة مرتفعة، فإن العاطلين يخوضون معركتهم منفردين. فالأطراف السياسية التي كان من المتوقع أن تدعم معركتهم، تشارك في تدبير الشأن العام، وأيضا وجدت أن العاطلين ليسوا على استعداد لتحمل بعض المصاعب.

والبطالة كظاهرة، إذا كانت تعبر عن أزمة اقتصادية، فإن التعثر في تخفيف حدتها يسبب أزمة اجتماعية واضطرابات، وإن كانت حتى الآن ليست حادة، إلا أنها ولأسباب أخرى، مثل الفساد وتصاعد الجريمة، تعرقل الاستثمارات الداخلية والخارجية السبيل الوحيد والطبيعي لتأمين فرص حقيقية للشغل والتشغيل، وهو ما سيُـدخل البلاد في لعبة التشغيل لإنعاش الاستثمارات أم الاستثمارات لتسوية أزمة التشغيل، وكلاهما سبيلا للقضاء على الفساد، أم أن الحرب على الفساد سبيل لجذب الاستثمارات وبالتالي تخفيف أزمة التشغيل.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.