تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

بعد إجازة الدستور.. موريتانيا على مفترق طرق

أقبل الموريتانيون والموريتانيات بكثافة على مكاتب الإقتراع يوم 25 يونيو 2006 للتصويت على الدستور الجديد

(Keystone)

أجاز الموريتانيون وبنسبة عالية (عربية بامتياز)، التعديلات الدستورية التي اقترحها المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية والحكومة الانتقالية.

وبلغت نسبة الموافقين على تلك التعديلات الدستورية أزيد من 96%، من مجموع المصوتين، ولم تكن نسبة المشاركة هي الأخرى، والتي فاقت 76% بأقل شأنا من نسبة الموافقة.

أجاز الموريتانيون وبنسبة عالية (عربية بامتياز)، التعديلات الدستورية التي اقترحها المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية والحكومة الانتقالية.

وبلغت نسبة الموافقين على تلك التعديلات الدستورية أزيد من 96%، من مجموع المصوتين، ولم تكن نسبة المشاركة هي الأخرى، والتي فاقت 76% بأقل شأنا من نسبة الموافقة.

لكنها نسب، وإن أثارت الاستغراب لدى بعض المراقبين السياسيين، واعتبروها مؤشرا على حضور الدولة الفعّـال في الانتخابات، إلا أن المتابع للحملة الانتخابية الشّـرسة التي سبقت الاستفتاء على الدستور، قد يجد في هذه الحملة ما يبرر تلك النسب.

فبنظرة متأنّـية إلى الخريطة السياسية الموريتانية، نجد أن كل ألوان الطيف السياسي لهذه الخريطة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن الحزب الجمهوري الحاكم سابقا، إلى تنظيم "فرسان التغيير" الذي كان يمثل المعارضة الراديكالية المسلحة، كلها انصهرت في بوتقة واحدة، وجمعها توجه واحد خلال هذه الحملة الانتخابية، وهو التعبئة لصالح التعديلات الدستورية، والدعوة لإجازتها.

هذه التعديلات التي حازت رضا الموريتانيين المثقلين بهموم الانقلابات العسكرية والمحاولات الفاشلة للوصول إلى السلطة بالقوة، والتي أشرفت بالبلاد أحيانا على حافة الحرب الأهلية، شكّـلت فرصة لدى الموريتانيين لمحاولة وضع أسس جمهورية جديدة، تضمن الاستقرار السياسي والأمني، خصوصا وأن عيونهم باتت شاخصة ترقب تدفق النفط الذي بدأ تصديره من السواحل الموريتانية قبل أشهر، وهو ما يجعل البلاد مُـعرّضة للفوضى ومخاطر الانزلاق في دوامة حرب أهلية، في حال فشل العملية السياسية، نتيجة تكالب أطماع القوى الخارجية عليها.

ويتجسّـد هذا الإجماع في التصريحات التي أدلى بها قادة الفرقاء السياسيين في البلاد، بعد الاستفتاء الشعبي على الدستور، حيث وصفه سيدي محمد ولد محمد فال، الأمين العام للحزب الجمهوري، الذي أسّـسه الرئيس السابق ولد الطايع وكان يحكم البلاد باسمه، بأنه يُـعتبر تحوّلا تاريخيا في الحياة السياسية الموريتانية، مؤكدا أنهم في الحزب الجمهوري دعموا بقوة هذه التعديلات ودافعوا باستماتة عنها، وأضاف: "ينطلق دعمنا لهذه التعديلات من حقيقة أنها تُـعتبر مطلبا أساسيا لحزبنا، بما تكرّسه من مبدأ تناوب على السلطة، وسدّ الباب أمام الاستبداد بالسلطة".

أما صالح ولد حننا، زعيم تنظيم فرسان التغيير الرائد الذي أسَّـس حزبا سياسيا، فقد وصف التعديلات الدستورية بأنها "نقطة تحول جوهرية، وفرصة تاريخية لا ينبغي تضيعها، لما تكرّسه من مؤسسات ديمقراطية ومبدأ للتناوب السلمي على السلطة، الذي افتقدته البلاد في ما مضى من عمرها السياسي".

بدوره، وصف أحمد ولد داداه، زعيم المعارضة السابق وأقوى المرشحين للانتخابات الرئاسية القادمة، التعديلات الدستورية بأنها "تكريس حقيقي للديمقراطية، وهي وحدها الكفيلة ببناء مؤسسات ديمقراطية سلمية، تضمن الاستقرار السياسي، وبالتالي، التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية".

أما مسعود ولد بلخير، زعيم حزب التحالف الشعبي التقدمي الذي يعارض المجلس العسكري، فقال، إن حزبه طالب بإدراج بعض الأمور في التعديلات الدستورية، مثل التصريح بتحريم العبودية، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح رئيس الوزراء، وهي طلبات لم تُـؤخذ بعين الاعتبار، "لكننا رغم ذلك، صوتنا لصالح الدستور الجديد، وطلبنا من أنصارنا التصويت لصالحه، لأننا نعتبر أن مبدأ كل شيء أو لا شيء أمر غير مقبول، والدستور، رغم النواقص، فإن به من الإيجابيات الشيء الكثير، ثم إن التصويت لصالح الدستور الجديد له نتيجة تُـعتبر إيجابية ومهمة، وهي أننا لا نعطي الفرصة للمجلس العسكري للتحايل علينا وتمديد الفترة الانتقالية. فحين نصادق على الدستور الجديد، فمعناه أنه عليهم مواصلة مشوار الانتخابات كما حُـدّدت سلفا، أما حين نرفض التعديلات الدستورية، فإننا نعطيهم فرصة للتحايل بذريعة البحث عن مخرج سياسي".

دستور يضمن التناوب ولكن..

الدستور الجديد لموريتانيا، هو في الواقع عبارة عن نسخة معدّلة من الدستور القديم، أُضيفت إليها بعض المواد وحُـذفت منها أخرى، ومن أبرز المواد الجديدة، تلك التي تنص على تقليص فترة ولاية رئيس الجمهورية إلى خمس سنوات بدلا من ست قابلة للتجديد مرة واحدة، أي أنه يمنع على أي حاكم أن يحكم البلاد لأكثر من عشر سنوات، إضافة إلى أنه يتضمّـن يمينا يقسم بموجبها رئيس الجمهورية على ألا يغيّـر المواد المتعلقة بفترة مأموريته، ولا تلك التي لها صلة بمبدإ التناوب على السلطة، كما يسحب الدستور الجديد من البرلمان حق الدعوة لأي استفتاء بشأن هذه المواد، إضافة إلى أنه يحظر على رئيس الجمهورية تولي أي منصب قيادي في حزب سياسي، تفاديا لظاهرة "حزب الدولة"، التي كرّستها الأنظمة السابقة، وجعلت أجهزة الحزب الحاكم هي النافذة في الإدارة والمؤسسات العمومية.

هذه مواد من بين أخرى، يرى المجلس العسكري والحكومة الانتقالية أنها ستضمن إقامة مؤسسات ديمقراطية، لا ترتبط بالأنظمة الحاكمة، وتتيح لجميع الفرقاء السياسيين التّـنافس على الحكم، دون أن يتوجّـس أي منهم خيفة من استبداد طرف بها دون الآخر، في بلد لم يتنحّ فيه أي حاكم عن السلطة من استقلاله سنة 1960 طواعية، فجميع من دخلوا القصر الرئاسي في نواكشوط، غادروه قسرا تحت فوهات بنادق الانقلابيين.

ولئن كان الدستور الجديد قد أجيز برضا الناخبين الموريتانيين، وتم تجاوز أول امتحان للمجلس العسكري بشأن التزامه بمواعيد المسلسل الانتخابي خلال الفترة الانتقالية، التي تم الاتفاق عليها خلال "الأيام الوطنية للتشاور والحوار" التي انعقدت في نواكشوط خلال شهر أكتوبر 2005، فإن الاستحقاقات القادمة تبقى الرّهان الأصعب.

إذ ينتظر أن تنظم خلال شهر نوفمبر القادم انتخابات بلدية ونيابية، تليها انتخابات لمجلس الشيوخ في شهر يناير 2007، على أن تختتم المرحلة الانتقالية بانتخابات رئاسية في 11 مارس 2007، سيتسلم الفائز فيها مقاليد الحكم في البلاد، وهي استحقاقات بدأت سخونة حملاتها تطلق حمم الاتهامات التي يتراشق بها الفرقاء السياسيون، وستضع مسار الانتقال في البلاد على محكّ اختبار حقيقي.

يُشار إلى أن موريتانيا شهدت خلال العقدين الماضيين 17 استحقاقا انتخابيا كانت كلها مثار شك وطعن من طرف قوى المعارضة، الأمر الذي يجعل إجازة الانتخابات القادمة دون طعن أو رفض أي طرف لنتائجها مطلبا عزيزا، لا يخفي الكثيرون خشيتهم من أن تخفق الحكومة واللجنة المستقلة للانتخابات في تحقيقه، خصوصا وأن بعض القوى السياسية بدأت تلوح بأن كابوس الفساد الذي استشرى في الإدارة خلال العقود الماضية، ما يزال مسيطرا على العقلية الرسمية، وأن معظم حكام الولايات هم من الجيل الذي درج على الفساد والتزوير، وبالتالي، فإن تهمة تزوير الانتخابات وعدم شفافيتها ستكون جاهزة في جعبة المنهزم، مما قد يُـعيد إلى الأذهان المهازل الانتخابية التي كانت البلاد تعرفها في السابق.

الاختبار لم يحن بعد

ومن هنا، يعتقد المراقبون أن تجربة الاستفتاء على الدستور في موريتانيا كانت بمثابة خطوة انطلاق على مسار الانتخابات، إلا أن غياب التنافس فيها والإجماع الشعبي والسياسي الذي حظي به الدستور، يجعلها أقل شأنا من أن تضع قدرات وتصميم الهيئات المشرفة على المسلسل الانتقالي على محك الاختبار، فهي مجرد خطوة على طريق الاستقرار السياسي، قابلة لأن تكون نواة لدولة قانون ومؤسسات ديمقراطية، كما أنها معرّضة لأن تعصف بها عواصف الفوضى وأطماع السياسيين الطامحين للسلطة والجاه مهما كلف الثمن.

فهل سيظل المجلس العسكري متمسّكا بزمام المبادرة، أم أن الأجل المسمى لرحيله سيفقده روح المبادرة، والتصدي لأعداء المرحلة؟ وماذا تُـخبّـئ القوى الرافضة للتغيير المتشبثة بشرعية نظام الرئيس المخلوع معاوية ولد سيدي أحمد الطايع؟ وهل ستجد في استقطاب الفرقاء السياسيين وتنافسهم، منفذا لزلزلة العملية السياسية واقتلاعها من جذورها، وبالتالي، القضاء على حلم الاستقرار السياسي الذي يتطلّـع إليه الموريتانيون؟

محمد محمود أبو المعالي - نواكشوط


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×