بعد إقامة طويلة في الأردن.. سويسري يحلم بحل معضلات الشرق الأوسط

عالم الآثار السويسري أورليخ بلفالد وسط معاونين له في أحد المواقع الأثرية في منطقة البترا في الأردن swissinfo.ch

"قد نتوصل إلى حل مشكلات الشرق الأوسط المستعصية منذ عقود عن طريق إطلاق مشروعات للتعاون الاقتصادي بين بلدان المنطقة، وعندما يتحقق الناس ميدانيا من أن أوضاعهم قد تحسنت فلن يعودوا إلى الأحقاد التي سادت طويلا بينهم".

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 أبريل 2008 - 21:01 يوليو,

ويرى أولريخ بلفالد، عالم الآثار ورجل الأعمال السويسري المقيم في الأردن منذ 17 سنة، أن على بلدان الشرق الأوسط الإستفادة من دروس التجربة الأوروبية في مجال التعاون المشترك، تلك التجربة التي حوّلت فرنسا وألمانيا من عدوّين لدودين إلى بلدين متحالفين متكاملين.

وعرض عالم الآثار السويسري خلال حديث أجرته معه سويس انفو أثناء زيارته الاخيرة لسويسرا (بمناسبة فوزة بجائزة الحزب الراديكالي التي تُمنح في كل عام لأحد السويسريين المُميزين المقيمين في الخارج) خلاصة تجربته في المنطقة العربية، وبدا مقتنعا بأن الطريق الأقصر لتغيير الأوضاع في المنطقة يمر حتما عبر التوقف عن الخطابات والمشاحنات السياسية والتوجه إلى تحقيق انجازات ميدانية فعلية، قد تبدأ باتفاقيات للمبادلات التجارية محدودة وبسيطة، لكن لا أحد يعلم نهاية المشوار.

فالإتحاد الأوروبي، يضيف أولريخ بلفالد، "بدأ خطواته الأولى سنة 1954 بإبرام اتفاقية محدودة لتنظيم تجارة الحديد والفحم الحجري بين ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، لكنه تحول اليوم إلى اتحاد يضم 27 دولة".

هذه القناعة بأهمية التكامل اللإقتصادي، وكذلك انفتاح المجتمع الأردني وإكرامه له، جعله يعتبر نفسه جزءا من هذا المجتمع، مثلما تحولت رحلته التي كانت في بدايتها لفترة عمل قصيرة، إلى إقامة مفتوحة. وعندما يعود أولريخ بالذاكرة إلى سنة 1991 عندما انتقل للعيش والإقامة في الأردن، يقول: "إن وجودي في هذه المنطقة، يشبه قصة المسيح مع السيدة مريم العذراء".

وفيما اختارت المشيئة الإلاهية السيد المسيح ليكون نبيا ورسولا، دفع الطموح أورليخ بلفالد، إلى مقابلة الإحسان بالإحسان، والتحوّل من مجرد عالم ينقب عن الآثار القديمة إلى رجل أعمال يجوب البلدان بحثا عن التمويل لمشاريع اقتصادية واعدة داخل الأردن وفي المنطقة عامة.

إحياء سكة حديد الحجاز

أبرز المشروعات التي تشغل بلفالد هذه الفترة إحياء خط سكة الحديد الرابط بين منطقتيْ الشام والحجاز، والذي كان يمثل أهم مشروع مشترك في العالم الإسلامي في آخر عهد الخلافة العثمانية واعتبره السلطان عبد الحميد الأول حينها "وقفا على الأمة" آنذاك.

ويأمل رجل الأعمال السويسري أن تقود عملية تنشيط هذا الخط "إلى إعادة اللحمة للعالم الإسلامي، وأن تمثل البداية الفعلية لمرحلة جديدة من التعاون العربي المشترك، وتبعث الثقة لدى الأجيال القادمة في قدرة العرب على العمل من أجل هدف واحد".

ويقول أولريخ: "هذا المشروع لا يقف عند حدود سوريا والأردن والسعودية، بل يمتد أيضا إلى حيفا، ويمكن أن تنخرط في انجازه السلطة الوطنية الفلسطينية"، وسيؤدي إحياء هذا الخط الحديدي إلى تنشيط الحياة الاقتصادية في المنطقة، وخاصة في مجال السياحة.

ومما يشجع رجل الأعمال السويسري على المضي قدما في هذا المشروع، التجاوب والتعاون الكبيران اللذان يجدهما من جميع الأطراف في المنطقة، فحتى السعودية التي ترددت في البداية في دعم هذا المشروع، عبّرت في النهاية عن دعمها له، وفي هذا السياق قال أولريخ بلفالد لسويس انفو: "لقد عبّر لي مباشرة الأمير سلطان بن سلمان آل سعود عن دعمه للمشروع، وإن لم تتضح بعد طبيعة ذلك الدعم وحدوده".

وكشف الخبير السويسري عن أن أشغال هذا المشروع قد بدأت فعلا، وأنه استطاع وفريقه جمع الأموال اللازمة لاقتناء القاطرات التي كانت مستخدمة من قبل، والتي هي موزعة حاليا في بلدان المنطقة، وأشار إلى أن المطلوب الآن هو "توفير الأموال الضرورية لإصلاح الخط الحديدي".

ولتجاوز هذه المشكلة، كشف بلفالد عن "اتجاه التفكير إلى إدماج مشروع تحديث هذا الخط ضمن مشروع تنموي أشمل، يسعى إلى ربط جميع بلدان المنطقة بشبكة من سكك الحديد". ومن المنتظر أن تكون إسرائيل أول المستجيبين لهذا التوجه، إذ يجعلها طرفا في معادلة الإندماج الإقتصادي ويوجد حالة شبيهة بما كان يدعو له الرئيس الإسرائيلي الحالي، شمعون بيريز منذ مؤتمر مدريد عام 1991 لإقامة "الشرق الأوسط الكبير".

جهود مختلفة في مجال التنمية المستدامة

إلى جانب نشاطه الإستثماري، نجح أورليخ بلفالد في الكشف عن الكنوز الأثرية الهامة التي ترقد في باطن منطقة البترا، واستعانت به السلطات الأردنية في حل معضلة الفيضانات والإنزلاقات الأرضية التي كانت تهدد المدينة نفسها وسكانها. وبدلا من اللجوء إلى أنظمة حديثة في مقاومة الكوارث الطبيعية، توجه اهتمام عالم الآثار السويسري إلى التعرف على الطريقة التي استخدمها القدامى لحل المشكلة. وفي هذا الصدد، قال الخبير: "نجحنا في إعادة ترميم نظام الحماية القديم، وأثبتت الأيام نجاعته"، خصوصا وأن هذا الحل وجد منذ ما يزيد عن 2000 سنة، وباتت مدينة البترا محصنة وسكانها وزوارها في مأمن من الأخطار التي أودت بالعشرات من الأشخاص في التسعينات.

والبترا هي أهم منطقة أثرية وسياحية في الأردن، وتأمينها هو في النهاية تأمين لأهم مزار سياحي وأحد أبرز الموارد الإقتصادية للأردن. وإذا كانت السياحة قد أدت كما تقول الكاتبة المصرية المقيمة في جنيف فوزية أسعد إلى تدمير كل ما هو جميل في مصر، فإنها في الأردن، وبفضل عمل الفريق السويسري قد سمحت بحسب أورليخ بلفالد: " ببناء أفضل نظام لاستغلال الثروة المائية في المدينة والقرى المجاورة لها، إذ يعاد استخدام المياه المستعملة، وتطهيرها لتوظف من جديد في ري الزراعة والاستهلاك المنزلي".

وقبل سنتين فقط، كان السكان المحليون يستوردون أعلاف خيولهم من خارج المنطقة، ويدفعون لذلك أموالا طائلة، "ولكن بفضل مشروع تطهير المياه، أصبحت المنطقة تحقق اكتفاءها من تلك الأعلاف، وأوجدت تلك المشروعات مواطن شغل إضافية في مجال الزراعة".

تنشيط التعاون الثقافي

على المستوى الثقافي أيضا، يسعى أولريخ بلفالد إلى تنشيط التعاون الثقافي بين سويسرا والاردن، ويقول: "نريد تطوير التبادل الثقافي بين سويسرا والأردن، ولا يقف طموحنا عند تنظيم معارض للآثار الأردنية في سويسرا، بل وأيضا تنظيم معارض عن التاريخ والثقافة السويسرية في الأردن، وفي غيرها من البلدان العربية".

وفي هذا الإطار، يعمل أولريخ وفريقه على "مساعدة الأردن في تأسيس جمعية للمتاحف وتوفير تدريب عصري للمشرفين على تلك المؤسسات وعلى وضع خطة لإدماج المتاحف في النسيج الثقافي المحلي، فلا تبقى معزولة أو مقصدا للسياح فقط".

أما على المستوى القريب، فيعمل الفريق على تنظيم معرض سويسري في الأردن، بهدف "التأكيد على التجربة السويسرية العريقة في مجال التعدد الثقافي والإنفتاح على العالم الخارجي".

وتنطلق فكرة المعرض من القناعة بأن ما يعيشه العالم من تنافر وصراع اليوم، "سببه جهلنا ببعضنا البعض"، وهذه بالنسبة لبلفالد: "خطوة بسيطة جدا، لكنها بداية صحيحة".

ويختم أولريخ بلفالد حديثه مع سويس إنفو بالقول: "لقد تبين لي شخصيا وبعد 17 سنة من الإقامة في العالم العربي أن ما يعشش في عقولنا من أفكار عن هذه المنطقة لا أساس له من الصحة".

سويس انفو - عبد الحفيظ العبدلي - زيورخ

أولريخ بلفالد في سطور

ولد أولريخ بلفالد في سبتمبر 1948 في برن بسويسرا وله ابن يبلغ من العمر اليوم 30 سنة.

درس التاريخ والهندسة المعمارية وتاريخ الفن في المعهد الفدرالي التقني بزيورخ.

عمل أستاذا مساعدا في مجال العلوم الحضرية والحفاظ على الآثار في المعهد الفدرالي السويسري التقني بزيورخ، كما عمل أيضا مدرسا للهندسة المعمارية في معهد برن للهندسة المدنية.

أولريخ عضو بالجمعية السويسرية للمعماريين والمهندسين، وعضو أيضا بالجمعية السويسرية لعلماء الآثار ومؤرخي الفنون.

أشرف على العديد من المشروعات الهامة في مجال علم الآثار، كمشروع ترميم قصر إيرلخ، الذي يحتوي مكاتب عُـمدة برن، وأشرف كذلك على ترميم المقر الرئيسي للإدارة الكانتونية ببرن.

عمل ضمن فريق للتنقيب على الآثار في البندقية، جنوب إيطاليا، وفي سنة 1991، التحق بالأردن لينضم إلى فريق علماء الآثار العاملين بمدينة البترا.

كلفته الحكومة الأردنية بوضع خطة لحماية المدينة من مخاطر الفيضانات والانزلاقات الأرضية، وأشرف كذلك على العديد من المشروعات التنموية في الأردن.

ومنذ 2004، يقود فريقا لتحديث خط الحجاز للسكك الحديدية، الذي يربط بين سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية، ويأمل أن يؤدي إحياء هذا الخط إلى خلق حالة من التعاون المشترك بين بلدان المنطقة.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة