Navigation

بعد النجاحات الإنتخابية.. التيارات الإسلامية تتحول إلى البراغماتية

في مكتب اقتراع لانتخاب أعضاء مجلس الشعب في محافظة القليوبية Keystone

أسفرت أول اقتراعات حرة نظمت في بلدان الربيع العربي عن انتصار عريض للأحزاب ذات التوجهات الإسلامية. في حوار خاص، الباحث السويسري باتريك هانّي يُهوّن من المخاوف التي أثارها في أوروبا وصول الإسلاميين إلى السلطة في تونس والمغرب ومصر.

هذا المحتوى تم نشره يوم 14 يناير 2012 - 09:00 يوليو,
فريديريك بورنان - جنيف, swissinfo.ch

بعد انقضاء عام على اندلاع ثورات شعبية يُنتظر أن تحدث تغييرات عميقة في عالم عربي لا زال محافظا، تخرج الأحزاب الإسلامية منتصرة من اقتراعات ديمقراطية انتزعت بفضل موجات من المظاهرات التي عمت الشوارع وكان معظم المشاركين فيها سلميين وينحدر أغلبهم من سكان المدن ومن فئات الشباب.

باتريك هانّي، الباحث السويسري في معهد Religioscope (المرصد الديني) في مدينة فريبورغ، تخصّص منذ عدة أعوام في دراسة التيارات الإسلامية من خلال تحقيقات ميدانية وقريبة من الواقع.

swissinfo.ch: هل تبرر الإنتصارات الإنتخابية الأخيرة للإسلاميين في تونس ومصر المخاوف الغربية من الإسلاميين؟

باتريك هانّي: لا بد من أخذ "الخوف الغربي" من الإسلاموية (أو الأصولية) بشيء من التحوط. بداية، هناك انقسام داخل المعسكر الغربي ذاته تجاه التيارات الإسلامية. فالخوف ليس الموقف الوحيد إذ يُوجد أيضا داخل الأوساط السياسية استعداد لاختبار الإسلاميين ووضعهم على محك تجربة إدارة شؤون السلطة.   
 
يُضاف إلى ذلك أن الخوف ليس غربيا فحسب، ففي البلدان العربية يُثير الإسلاميون أيضا مخاوف جزء من السكان والنخب. ومنذ عام، طرأت تغييرات على الأفكار السياسية التي كانت سائدة في البلدان التي تحررت من طغاتها.

كيف تم ذلك؟

باتريك هانّي: في تونس ومصر، هناك أولا خلاف بين ثوريين ينادون بتغيير جذري للمؤسسات ومعسكر أكثر محافظة يُناضل من أجل نوع من الإستمرارية للمؤسسات ويشمل الإخوان المسلمين وبقايا النظام السابق والعسكريين عموما. وفي ليبيا، تلقى هذا القطب المحافظ أيضا الدعم العسكري من طرف الغربيين.

في مرحلة ثانية، شهدت الساحة السياسية استقطابا حول المسائل ذات العلاقة بالهوية وخاصة فيما يتعلق بوضع الدين في الدساتير المستقبلية للبلدان التي تحررت من ديكتاتورها. وفي هذه المرحلة الثانية، وجد الإسلاميون أنفسهم بمواجهة جميع القوى السياسية الأخرى تقريبا، ووجد الجيش نفسه في تعارض مع الإسلاميين.

مع ذلك، فمن الصعب جدا الحكم على حركات تمر بمرحلة تطور سريع جدا في وقت تُواجه فيه ممارسة اللعبة السياسية والسلطة.
 
وبالفعل، فمن غير الممكن بتاتا في مصر وتونس دعم الإقتصاد والسياحة بواسطة شرطة أخلاقية على الشواطئ وحظر بيع الكحول مثلما تقترحه بعض الأوساط السلفية.
 
اليوم، سيتوجب على الإسلام السياسي التوصل إلى حلول وسط ما بين احترام منظومة فقهية معينة وبين متطلبات الحوكمة الإقتصادية الجيدة. لقد اختار الإخوان (المسلمون) التميز على ميدان النجاعة والحوكمة الجيدة وهم يعلمون أن هذا يقتضي بعض التنازلات، لكن السلفيين أيضا، الذين كان يُنظر إليهم من زاوية التصلب العقائدي فحسب، أقدموا على إجراء بعض الملاءمة مع المبادئ.

يمكن القول إذن بأن التحدي الكبير للإسلاميين يكمن في القدرة على الإستجابة لانتظارات ناخبيهم وخاصة في المجالين الإجتماعي والإقتصادي؟

باتريك هانّي: في قطيعة مقارنة بأفكار التيارات الإسلامية في الثمانينات من القرن الماضي، يُطوّر الأخوان المسلمون مقاربة تستند على الشرعية بعيدة جدا عن "الليلة العظيمة" (أي الوثوب إلى السلطة عن طريق الإنقلاب) الإسلاموية. فهم يعلمون أن صناديق الإقتراع تقف إلى صفهم وأن الحكم عليهم سيرتبط بما سيفعلونه.
 
في هذا السياق، تلوّح جميع الأحزاب ذات المرجعية القريبة من الأخوان المسلمين مثل النهضة في تونس والعدالة والتنمية في المغرب بالأنموذج التركي رغم أنها تفهمه بطريقة مختلفة. وبتعبير آخر، ترى هذه القوى السياسية أن السلطة والشرعية تكتسب عبر النجاعة في إدارة الدولة.    
 
إن التحدي الكبير في مصر خاصة سيتمثل في إدارة شؤون جهاز إداري ضخم لا زال يشتغل حتى الآن حسب منطق العهد القديم.      

هل سيتحالف الإسلاميون مع الأوساط التي تمتلك اليوم القسط الأساسي من الأدوات الإقتصادية؟

باتريك هانّي: يوجد اختلاف أساسي بين تركيا والبلدان العربية التي أطاحت بقادتها. فحزب العدالة والتنمية (في تركيا) كان التعبيرة السياسية لطبقة بورجوازية صغيرة من المناطق الداخلية ولطبقة من رجال الأعمال الإسلاميين كانت تخوض منافسة اقتصادية مع الرأسمال الكبير الذي ينشط في العاصمة.

في مصر وتونس، لا وجود لطبقة رأسمالية إسلامية التوجه. وحتى في المغرب، فإن حزب العدالة والتنمية يمثل بورجوازية صغيرة متواضعة لكن الجزء الأساسي من الإقتصاد يظل من مشمولات السلطة الملكية.

إن العلاقات بين السلطة الجديدة وبين الأوساط الإقتصادية المرتبطة أم لا بالنظام القديم ستحدد بالضرورة توجهاتها الإقتصادية والإجتماعية. وفي هذا الأفق، فمن الممكن تماما تصور بروز إسلاميين من اليسار أو من اليمين.

التقدم المسجل من طرف الإسلاميين، هل يُترجم أيضا شكلا من أشكال إثبات الذات بوجه الغربيين؟

باتريك هانّي: الإسلاميون واعون جدا بأنه ليس بإمكانهم تدبير السلطة في سياق منطق مواجهة مع الغرب. وتظهر جميع مواقفهم – في السر أو في العلن – أنهم يحترمون التعهدات الدولية التي اتخذتها الحكومات السابقة. التوجه العام هو التصرف بشكل غير مثير (أو مُلفت الأنظار).
 
إضافة إلى ذلك، فقد اختار العديد من ناخبي هذه الأحزاب الإسلامية هذه القوى لعذريتها فيما يتعلق بممارسة السلطة أكثر مما هو الحال لدوافع (أو مبررات) دينية.
 
أما النساء – اللواتي انخرطن بقوة في الثورات – فيرتدين الحجاب أكثر فأكثر، لكنهن أصبحن أكثر حرية لدى اختيار أزواجهن أو تقلد مناصب ذات مسؤولية.
 
المجتمعات العربية تشهد تحديثا بأسرع مما نتصور وعملية التحديث هذه تتم جزئيا في ارتباط مع الشأن مع الشأن الديني. وهذا التمشي يلقى تفهما جيدا في الولايات المتحدة، ولكن بدرجة أقل في أوروبا.
 
مع ذلك، ستكون مسألة الحريات الشخصية من بين أكبر مواضيع الجدل (أو السجال) في العالم العربي مستقبلا. إذ تطرح فعلا مسائل من قبيل تغيير الديانة أو مصير الأقليات الدينية.
 
ففي هذا المجال ايضا، تتغير الخارطة من خلال الإختفاء شبه الكامل للمسيحيين في بعض البلدان وعمليات الإنتقال العديدة إلى البروتستانتية في بلدان أخرى مثل الجزائر، والصعود القوي للتشيع في بلدان يُهيمن عليها السنة، ومطالب المساواة في المعاملة من طرف الأقباط في مصر والمطالب بإقرار الزواج المدني وظهور بعض التوترات بخصوص طوائف دينية مثل البهائيين في مصر.
 
الإسلاميون مؤيدون للديمقراطية  لكنهم يُعارضون التحررية (أو الليبرالية) بوصفها مشروعا لتوسيع الحريات العامة والدينية. وهذه هي الجبهة التي ستحدث عليها توترات مع الغرب في السنوات المقبلة.

تكلفة القمع

في تونس، استمرت الثورة التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي 29 يوما (من 17 ديسمبر 2010 إلى 14 يناير 2011) وأسفرت الإحتجاجات السلمية التي شارك فيها التونسيون في شتى أنحاء البلاد عن مقتل أكثر من 300 شخص وجرح حوالي 700 آخرين.

في مصر، استمرت الإحتجاجات والتظاهرات ضد الرئيس حسني مبارك 18 يوما وأسفرت عن مقتل أكثر من 800 شخص وجرح 6000 آخرين. وفي موفى 2011، أدت مواجهات متفرقة بين متظاهرين وقوات الأمن و"بلطجية" إلى سقوط 81 قتيل على الأقل وإصابة المئات بجروح.

في سوريا، تشير مصادر متطابقة إلى أن القمع الداخلي للمتظاهرين المطالبين برحيل الرئيس بشار الأسد قد يكون أسفر عن سقوط أكثر من 5000 قتيل.

في اليمن، قتل في عام 2011 ما لا يقل عن 2700 من المتظاهرين وأبناء القبائل والجنود الفارين والعسكريين وأعوان الأمن الموالين للحكومة (عدد الجرحى ناهز 24000) في المواجهات التي بدأت سلمية للمطالبة بالرحيل الرئيس علي عبد الله صالح عن السلطة.

في ليبيا، يقدر متمردون سابقون أن العدد الإجمالي لضحايا الحرب قد يناهز 50000 شخص.

في مجمل المنطقة، تسببت انتفاضات الربيع العربي في ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية وتراجع في توفر بعض المواد في الأسواق وإفلاس مؤسسات وتوجس المستثمرين.

تضررت اقتصاديات مصر وسوريا واليمن بشكل خاص من سير الأحداث في سنة 2011.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.