بين طبول الحرب في الخارج وأصوات الديمقراطيين في الداخل

الضربة الامريكية المتوقعة ضد افغانسان غطت على الاحداث الداخلية العربية ففي تونس على سبيل المثال لم يثر الاعلان عن ترشيح الرئيس لولاية رابعة ردود فعل قوية او تغطية اعلامية كافية على الرغم من أهمية القرار المثير لجدل قانوني وسياسي واسع Keystone

ما حدث في حرب الخليج تكرر مع العمليات الإرهابية التي أصابت واشنطن ونيويورك يوم 11 سبتمبر، حيث سيطرت الأجواء الدولية التي فرضتها الاستعدادات لتوجيه ضربة عسكرية أمريكية لأفغانستان، مقابل تراجع الاهتمام بما يجري على الصعد المحلية والوطنية. هذه الملاحظة يمكن أن تنسحب على كل الدول تقريبا بما في ذلك الدول الغربية، غير أنها قد تتجلى بوضوح أكثر في عديد البلدان العربية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 30 سبتمبر 2001 - 18:14 يوليو,

قد خفت الحديث مثلا في الجزائر كليا عن مطالب الحركة الأمازيغية وتعبيراتها الاحتجاجية، ولم يثر القرار الرئاسي المتعلق بإجراء انتخابات تشريعية العام المقبل نفس حجم الردود لو تم الإعلان عنه قبل الزلزال الذي أصاب قلب الولايات المتحدة. بل إن حدثا هاما في مستوى الانتفاضة الفلسطينية وجد نفسه في السياق الدولي الحالي يتخلى عن المرتبة الأولى في سلم الاهتمامات العالمية ويحتل أحيانا موقعا ثانويا.

في هذا الإطار، أصيبت الحركية السياسية التي انطلقت في تونس قبل حوالي سنة بهبوط اضطراري نتيجة الدهشة التي عمت مختلف الأوساط، بما في ذلك الدوائر التي رفعت سقف الاحتجاج وسيطرت طيلة السنة الماضية على الرّكح العام.

أحداث الـ11من سبتمبر حجبت الأنظار عن ما يجري داخل تونس

أما اللجنة المركزية للتجمع الدستوري الديمقراطي فقد رأت من جهتها أن هذا التوقيت مناسب جدا للإعلان عن ترشيح الرئيس بن علي إلى ولاية رابعة، والشروع عمليا في توفير الشروط السياسية والدستورية لتجسيد ذلك في الانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد ثلاث سنوات.

إن العديد من فعاليات المعارضة الديمقراطية التونسية عبرت عن مخاوفها من احتمال استثمار السلطة للتحرك العالمي المتسارع نحو إقامة تحالف ضد الإرهاب، من أجل سحب البساط مرة أخرى من تحت أقدام خصومها في الدخل وإجهاض الحركية التصاعدية التي بدأت تعيشها أوساط المجتمع المدني منذ أكثر من سنة.

لقد تحدث السيد أحمد نجيب الشابي الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي في تصريح لـ" سويس انفو" عن "انتكاسة جديدة". وقصد بها " محاولة النظام التونسي وكذلك المصري، استغلال النظرة الأمنية العسكرية التي قفزت على المستوى الدولي بعد 11 سبتمبر، للعودة مرة أخرى إلى دعم الخيار الأمني باعتباره الأسلوب الأنجع في مقاومة التطرف الديني ". ويعتقد الشابي أنه " حتى على الصعيد الدولي ستتبين محدودية هذا الاختيار، وسيتأكد للجميع أن الديمقراطية وحدها هي العلاج الحقيقي لكل مظاهر التطرف والنزوع نحو العنف ".

هذا الرأي يشاطره العديد من المثقفين وأصحاب الرأي السياسي في تونس وخارجها، حيث اعتبر أحد المحللين أنه " من الخطأ الاعتقاد بأن أمريكا والغرب عموما سيندفعان مستقبلا إلى تقديم الدعم للأنظمة المتشددة، إذ يؤكد الكثير من الخبراء وأصحاب القرار في أوروبا والولايات المتحدة أن الإرهاب والتطرف هما نتاجا طبيعيا للاستبداد والدكتاتورية ".

مع ذلك لا يمكن حاليا الجزم بأن النظام في تونس قد اختار بوضوح انتهاج أسلوب المواجهة والتشدد ضد معارضيه المتجذرين أو استعمال القوة للحد من نزوع المجتمع المدني نحو الاستقلالية. لكن النظام بدا حريصا، مثلما هو الشأن في الجزائر ومصر، على إقناع الحكومات الغربية بصحة المعالجة الأمنية لملف الحركات الإسلامية.

وقد تمثل ذلك في الجولة الأوروبية التي قام بها مؤخرا وزير الخارجية الحبيب بن يحي، حيث دارت المحادثات حول ضرورة تطوير التنسيق الأمني والسياسي على الصعيدين الإقليمي والدولي من أجل محاصرة من تعتبرهم السلطات التونسية إرهابيين، والعمل على تجفيف منابعهم المالية، وعدم اعتبارهم لاجئين سياسيين في الخارج ومعتقلي رأي في الداخل.

كما نشرت عديد الصحف المحلية افتتاحيات ومقالات انتقدت الديمقراطيين والنشطاء الحقوقيين الذين دافعوا عن مساجين حركة النهضة المحظورة، أو قبلوا بالمشاركة في برامج قناة المستقلة، واتهمتهم بالانتهازية والمساس بمصالح وأمن الوطن. أما الشارع العريض فقد تحول إلى لغز محير للجميع، خاصة بعد أن كشفت الشعارات التي أصبح يرددها في ملاعب كرة القدم عن حالة تناغم عجيبة مع طالبان وأسامة بن لادن.

لا يخفى عن احد في تونس ان ولاية رابعة للرئيس بن علي لا تتطابق مع مقتضيات الدستور في صيغته الحالية

هل يمكن أن تتحول الولاية الرابعة للرئيس بن علي إلى قضية ساخنة ومنطلقا لصراع سياسي ينعش من جديد الحراك المدني الذي شد اهتمام المراقبين المحليين والدوليين إلى حدود مطلع شهر سبتمبر الماضي ؟ صحيح أن قرار التجمع الدستوري مر في البداية بدون ردود فعل قوية، لكن عريضة بادرت بها عناصر قريبة من " حزب المؤتمر من أجل الجمهورية " الذي يقوده الدكتور منصف المرزوقي، يناشد الموقعون عليها الرئيس بن علي بعدم الاستجابة لتزكية التجمع احتراما للدستور.

أما السيد نجيب الشابي فقد أكد في تصريحه لنا أن ما أقدم عليه الحزب الحاكم " مخالف لمنطوق الدستور ومناقض لركن من أركان النظام الجمهوري، حيث حدد الفصل 39 من الدستور الترشح بثلاث دورات فقط ". وأضاف أن " القول بأن الدستور غير مقدس كلام مردود، لأن التجمع يستند على ترسانة من التشريعات، ويتمتع بأغلبية واسعة جدا داخل مجلس النواب، مما يسمح له بالاستمرار في احتكار السلطة، وتجاهل الرأي العام والحيلولة دون مشاركة الشعب مشاركة حقيقية ". واعتبر أن ما تم الإعلان عنه هو بمثابة " التفاف على الإرادة الشعبية وضربة قوية للديمقراطية والنظام الجمهوري ".

هذا وقد علمنا أن مشاورات قد تنطلق قريبا بين عديد التنظيمات الحزبية، القانوني منها أو غير المعترف بها، من أجل القيام بمبادرات مشتركة حول هذه المسألة. كما أن بعض الهيئات الحقوقية مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي تجنبت إلى حد الآن الخوض في هذا الموضوع نظرا للطابع السياسي المباشر الذي طرح به خلال الأشهر الماضية، قد تجد نفسها مدعوة إلى اتخاذ موقف واضح في صورة إحالة مشروع لتعديل الدستور على مجلس النواب.


إن الأشهر القادمة ستكشف مدى قدرة هذه الأوساط على تعبئة المواطنين، وجعل رئاسيات 2004 قضية رأي عام ومفصلا هاما في الحياة السياسية، وذلك بالرغم من طبول الحرب التي تدق في جميع أرجاء المعمورة. فالنخبة التونسية، مثل شرائح واسعة من نخب العالم العربي والإسلامي التي ظنت بأنها تقدمت أشواطا في اتجاه تجاوز الثنائية الصراعية " نحن والغرب "، فإذا بالتطورات الأخيرة تكشف أن الطريق الرابط بين العالمين ما يزال مسكونا بحقول واسعة من الألغام.


صلاح الدين الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة