تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

بين وساطة زيني .. وانحياز تشيني

الجنرال أنطوني زيني إلى اليمين ونائب الرئيس الامريكي ديك تشيني

(swissinfo.ch)

تبدو المفاوضات والاتصالات المستمرة بين المفاوضين الفلسطينيين من ناحية والإسرائيليين والأمريكيين وتحديدا المبعوث الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط زيني وفريقه من ناحية أخرى وكأنها امتدادا للمعارك الطاحنة التي خاضها النشطاء والمقاتلون الفلسطينيون في الأسابيع التي سبقت زيارة زيني..

ولقد فاجأت صلابة وثبات موقف المفاوضين الفلسطينيين الكثيرين هنا، خاصة انهم كانوا في العادة موضع انتقاد بسبب آرائهم الاميل للمرونة على طاولة التفاوض وقد أثار هذا الانسجام بين الأداء الكفاحي الميداني والأداء الدبلوماسي السياسي التفاوضي ارتياحا نسبيا في الأواسط الشعبية التي تراقب مدى إمكانية استمرار هذا الانسجام والتكامل في الاداء.

ولا شك بان السبب في هذا الانسجام يعود بالدرجة الأولى الى الصلابة والبطولة وجسامة التضحيات التي فرضت نفسها على الجو العام هنا في الأسابيع الماضية. قدرة الأفراد المشاركين في المقاومة بأسلحتهم الخفيفة على التصدي للدبابات وعدم الإذعان لها، كذلك الاحتضان الشعبي الواسع للمقاومة أظفى على خطاب الانتفاضة السياسي قدر من الشرعية والقوة وفرض نفسه على الأداء السياسي الذي تبع. من ناحية أخرى.

قبل وصول زيني، كانت الإدارة الأمريكية وعلى لسان الناطق باسم وزراة الخارجية قد عبر عن رغبتهافي انسحاب إسرائيل من كافة المناطق التي دخلتها في الأسابيع الأخيرة، وبالتالي لا يعقل ان يكون السقف الأمريكي المعلن أعلى من السقف الفلسطيني الرسمي مما أدى الى إصرار فلسطيني على تحقيق الانسحاب الإسرائيلي قبل الشروع في التفاوض حول وقف إطلاق النار على أسس نقاط او تفاهمات تينت وهي المهمة الأساسية التي كان زيني قد جاء الى المنطقة لانجازها.

ولكن المحك الأساسي لأداء المفاوض الفلسطيني يكمن في المرحلة التالية، أي بعد إنجاز الانسحاب وعند الدخول في المفاوضات وقف إطلاق النار على أسس نقاط تنت الامنية. المشكلة ان نقاط تينت، وهي متعلقة فقط بوقف إطلاق النار واعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثامن عشر من أيلول عام 2001 أي قبل بدء الانتفاضة، مصاغة بطريقة غير متوازنة وتأخذ بعين الاعتبار الحاجات الإسرائيلية على حساب الفلسطينية. فهي لا تمس الاحتلال ووقائعه وممارساته مثل القيود على الحركة والعقوبات الاقتصادية ومصادرة الأرض وهدم البيوت وغيرها من السياسات التي قد يكون لها وقع اكثر إيذاء من إطلاق النار على الشعب الفلسطيني والتي هي المسؤولة عن خلق للمقاومة والانتفاضة. وفي نفس الوقت تفترض من الجانب الفلسطيني ان يمتنع عن ممارسة أي شكل من المقاومة، وحتى المظاهرات الشعبية في نقاط التماس تحاول ورقة تينت ان تمنعها.

الإنحياز الأمريكي مستمر

لذلك الخطر الكامن في المرحلة اللاحقة يتمثل في أي التزام فلسطيني بوقف إطلاق النار مع استمرار الاحتلال وممارساته وغياب أي مبادرة سياسية، لان استمرار هذه العوامل الثلاث - وهي غير مشمولة في نقاط تينت- سوف يؤدي الى استمرار الانتفاضة والمقاومة موضوعيا سواء أعلنت السلطة وقف إطلاق النار ام لم تعلن. وسوف يؤدي ذلك أولا الى عودة اللوم الدولي تجاه القيادة الفلسطينية والسلطة التي لا تفي بالتزاماتها، وكذلك تعود الضغوطات على الجانب الفلسطيني لكي يطبق من ناحيته ما هو المطلوب منه.

وثانيا سيؤدي ذلك الى عودة التناقض الداخلي الفلسطيني وعوده الى التوتر بين السلطة الملتزمة بنقاط تينت والانتفاضة الملتزمة بحق الاستمرار في الكفاح طالما الاحتلال وممارساته مستمر وفي ظل غياب أي مبادرة ذات افق سياسي يمكن ان يبعث الأمل بإنهاء الاحتلال سلميا. بمعنى آخر سيعيد هذا السيناريو حالة التعارض التي كانت قبل شهرين بين خطاب الانتفاضة وخطاب السلطة، هذا التناقض الذي ذاب مؤخرا في اثون المعركة.

وتتظافر الجهود الإسرائيلية- الأمريكية المنسقة لدفع الفلسطينيين الى هذا الشرك لدرجة أن نائب الرئيسي الأمريكي ديك تشيني والذي رفض حتى الان لقاء الرئيس الفلسطيني في جولته في المنطقة، صرح في نهاية مؤتمره الصحفي بعد لقاء شارون بإمكانية لقائه مع عرفات لكن فقط اذا طبق الرئيس الفلسطيني نقاط تينت بدقة والتزام. وقد سبق ولفت انتباه الجميع هنا التمادي في الانحياز الأمريكي لإسرائيل والذي عكسه تمنع تشيني عن لقاء الرئيس عرفات. وبصراحة لعب هذا الموقف دورا بارزا في انخفاض سقف التوقعات الفلسطينية من هذا التحرك الأمريكي الأخير لان وسيط بهذا القدر من الانحياز لن يستطيع ان ينجح على غالب الظن.

وقد يكون من المبكر التكهن بنتائج التحرك الأمريكي الدبلوماسي، لكن المؤشرات حتى الان تظهر فيه نفس عيوب التحركات السابقة، أي السعي لمساعدة إسرائيل عن طريق خفض العنف دون بذل جهد في المجال السياسي المتعلق بالاحتلال الإسرائيلي وممارساته. ويبدو ان اشتداد حدة العنف وتأثيرات ذلك الإقليمية وإحراجها لعدد من الأنظمة الصديقة للولايات المتحدة كان الحافز الأساسي للتحرك.

ان الولايات المتحدة اكثر حساسية ألان لامكانية التوسع الإقليمي للصراع والناتج عن حدة المواجهة لان ذلك يمس احتمالات تدخلها في العراق. لذلك الغاية من التحرك الأمريكي لا تتعدى "تخفيض وتيرة العنف" ولا تصل الى المساهمة في حل النزاع وأساسه السياسي. لذلك ربما ان هذا الهدف،أي تخفيض شدة العنف، سوف يتحقق، ولكن سرعان ما ستعود الأمور للاستعار خاصة وان زيني وشيني ذاهبون ولكن شارون باق ولو الى حين، وبقائه وبقاء ما يمثله هو الباعث الأساسي للعنف.

د. غسان الخطيب - القدس

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×